ultracheck
تقارير

"أخرِجوه من السجن ليموت في بيته".. قصة الناشط الفلسطيني أمين أبو راشد

6 أغسطس 2026
"أخرِجوه من السجن ليموت في بيته".. قصة الناشط الفلسطيني أمين أبو راشد
أمين أبو راشد
عبد الكريم السموني
عبد الكريم السموني صحفي من قطاع غزة

"أخرِجوه من السجن ليموت في بيته". كتب طبيب هولندي هذا التعليق على تقرير طبي بعد معاينة أمين أبو راشد (59 عامًا)، وكان ذلك بعد أكثر من 11 شهرًا من اعتقال أبو راشد في زنزانة انفرادية دون أن يُسمح له بإجراء فحوصات طبية أو مراجعة المستشفى.

يروي أبو راشد لـ"الترا فلسطين" تفاصيل اعتقاله في السجون الهولندية بتحريض إسرائيلي على خلفية عمله المناصر لفلسطين وفي المجال الأغاثي أيضًا، قبل الإفراج عنه لعدم كفاية الأدلة ضده.

يصف أبو راشد الزنزانة التي اعتقل فيها، بأنها كانت بمساحة مترين في مترين، وبداخلها المرحاض، وكانت مغلقة بالكامل ولا توجد فيها أي فتحات للتهوية

يقول أبو راشد إن نقله إلى المستشفى جاء بعد تدهور وضعه الصحي بشكل كبير: "أحضروا سيارة سوداء، وكان بداخلها قفص، وكان يحيطني أربعة مسلحين. وعند وصولنا إلى المستشفى أدخلونا من كراج خاص، ثم إلى غرفة الطبيب".

ويضيف: "كان الحراس يحيطون بي من كل جانب، وكانت غرفة الطبيب صغيرة جدًا وبلا أي نوافذ، وعندما حاول فحصي لم يتمكن من ذلك، فطلب من الحراس الابتعاد قليلًا، وبعد القياس أخبرني أن ضغطي وصل إلى 21، ثم قال لي: أنت بينك وبين الموت خطوتان، إذا وصل الضغط إلى 22 أو 23 ممكن أن تفقد حياتك".

لم تكن لحظة نقل أبو راشد إلى المستشفى سوى فصل متأخر من عام كامل أمضاه في زنزانة انفرادية داخل سجن في جنوب هولندا، بعد اعتقاله في حزيران/يونيو.

هناك، في أجواء الصيف اللاهب، داخل أروقة السجن المخصص لكبار المجرمين وتجار المخدرات وعصابات القتل، لم تكن معاناة أبو راشد في فقدانه لحريته فقط، بل في أبسط التفاصيل اليومية التي تحولت إلى معاناة قاسية، من الحصول على الطعام والشراب والعلاج وصولًا إلى قطعة الصابون، والأقسى عدم وجود من يساعده في الحركة، حيث يعاني من إعاقة جسدية نتيجة إصابة تعرض لها خلال حرب لبنان عام 1982.

زنزانة "متر في مترين"

يصف أبو راشد الزنزانة التي اعتقل فيها، بأنها كانت بمساحة مترين في مترين، وبداخلها المرحاض، وكانت مغلقة بالكامل ولا توجد فيها أي فتحات للتهوية، وكان الهواء يأتي من داخل السجن، وكان حارًا ومحملًا بالغبار.

ويقول: "كنت أقضي في الزنزانة الانفرادية ما بين عشرين واثنتين وعشرين ساعة يوميًا، ولم يكن فيها مروحة لجلب الهواء، خاصة أنني مريض ضغط، والهواء بالنسبة لي هو الحياة".

ويضيف أبو راشد: "أنا أستخدم يدًا واحدة، وهذا سبب لي معاناة كبيرة، فلك أن تتخيل أن وجبة الطعام التي كانوا يقدمونها تحتاج إلى يدين لفتحها، فكنت أضطر لاستخدام أسناني لفتحها، وأحيانًا كان الطعام ينسكب على ملابسي، ولا أستطيع تنظيف نفسي بسهولة".

ويواصل أبو راشد وصف معاناته: "لم يكن النوم داخل الزنزانة سهلاً على الإطلاق بسبب إجراءات التفقد المستمرة، وكانوا يفتحون شباك الزنزانة كل ساعتين للتفقد، فكنت أبقى في حالة انتظار وقلق دائم".

وعلى الرغم من المعاناة الكبيرة، يقول أبو راشد إنه تمكن من تحويل وقت عزلته الطويل داخل الزنزانة إلى مساحة للعبادة والقراءة والكتابة: "تمكنت من حفظ ثمانية أجزاء من القرآن الكريم، وقرأت سيرة ابن هشام، وقرأت موطأ مالك، وكتبت مذكراتي داخل السجن، وستتحول قريبًا إلى كتاب في أدب السجون".

ينحدر أبو راشد، المتزوج من سيدة فلسطينية ناجية من مجزرة صبرا وشاتيلا، من عائلة فلسطينية كانت تعيش في قرية طيرة حيفا شمال فلسطين، قبل أن تهجّر إلى لبنان بعد نكبة عام 1948، ثم انتقل لاحقًا إلى يوغوسلافيا للعلاج، ومنها إلى هولندا عام 1992.

مخاوف أمنية في السجن

يشير أبو راشد إلى أن أول ثلاثة أشهر من السجن كانت الأصعب على الإطلاق، إذ إن الحصول على الطعام أو مستلزمات النظافة الشخصية يكون على حساب السجين، مضيفًا: "خلال تلك الفترة لم يكن لدي قطعة صابون أو ورق تواليت".

ويضيف: "ما تقدمه إدارة السجن من الطعام كمية بسيطة لإبقائك على قيد الحياة فقط، وأنا في ذلك الوقت لم يكن لدي المال بسبب إغلاق السلطات لحساباتي وحسابات أفراد عائلتي"، مؤكدًا أن المزاعم بأن "السجون في أوروبا فنادق خمس نجوم كذبة كبيرة".

وفي شهور سجنه الأولى، احتُجز أبو راشد في سجن يضم كبار المجرمين والقتلة وتجار المخدرات، بسبب ما أُبلغ به من أن وضعي الصحي لا يسمح بأن أكون في "سجن القضايا الإرهابية"، وكان معظم السجناء من اليمين المتطرف الذين يؤمنون بالرواية الإسرائيلية.

احتُجز أبو راشد في سجن يضم كبار المجرمين والقتلة وتجار المخدرات، وكان معظم السجناء من اليمين المتطرف الذين يؤمنون بالرواية الإسرائيلية

لذلك كان أبو راشد يخشى على حياته في ذلك السجن، خاصة أن بعض السجانين كانوا يقولون أمام السجناء: "هذا شيخ حماس في أوروبا"، و"هذا أكبر الداعمين لحماس في أوروبا"، موضحًا أن هذه العبارات كان يتناقلها السجناء فيما بينهم.

ويضيف: "بعد أحداث السابع من أكتوبر بشهرين تقريبًا تحولت المحنة إلى منحة، إذ قررت إدارة السجن نقلي إلى سجن آخر بسبب مخاوف أمنية على حياتي".

في سجنه الجديد، تابع أبو راشد الحرب على غزة عبر شاشة صغيرة تعرض القنوات الهولندية التي كانت تنقل الرواية الإسرائيلية بشكل أساسي، ومن ذلك تناقل مزاعم الاغتصاب وقتل الأطفال وقطع الرؤوس التي روجت لها إسرائيل، قبل أن يُنقل إلى سجن آخر، حيث أتيح له مشاهدة الجزيرة الإنجليزية، وبالتالي الاطّلاع على روايات أخرى حول الحرب.

داخل السجن، لم يكن أبو راشد يعيش فقط مع ألم الجسد، بل مع هاجس دائم يتعلق بمصيره، إذ يقول إن أكثر ما كان يشغله هو احتمال تسليمه إلى إسرائيل، وإن هذا الشعور رافقه طوال فترة الاعتقال.

ويوضح أبو راشد أن السجانين كانوا يتعاملون معه كحالة خاصة، ويفتشون كل شيء حتى الطعام خوفًا من وجود أي شيء يضر بصحته، مضيفًا: "قلت لهم مرة: يبدو أنكم خائفون من أن تقوم إسرائيل بإيذائي وأنا في السجن، فكان ردهم: نعم قد يقومون بذلك".

حرمان من العلاج

ولم تكن ظروف المكان وحدها الصعبة على أبو راشد، بل أيضًا حرمانه من العلاج، إذ يقول إنه كان يحصل على دواء الضغط لكن دون فحوصات، فيما كانت طلباته لمراجعة الطبيب أو الذهاب إلى المستشفى تُرفض.

ويتابع: "من يوم اعتقالي حتى الشهر الحادي عشر لم يسمح لي بالذهاب إلى المستشفى"، وعندما تدهورت حالتي الصحية وافقت إدارة السجن أخيرًا على نقلي للمستشفى، وهناك قال الطبيب باستغراب للحراس: "لماذا أتيتم به متأخرًا؟"، ثم أخبرني بأن ضغطي 21 وأنني على بعد خطوتين من الموت، وأنه لن يستطيع فعل شيء سوى كتابة تقرير، وكتب عبارته المختصرة: "أخرجوه من السجن ليموت في المنزل".

ساعة تنفس

في الأسابيع الأربعة الأولى، كان أبو راشد يخرج إلى ساعة التنفس منفردًا، ثم بعد رفع الخط الأحمر أصبح يخرج مع بقية السجناء في القسم، وعددهم نحو 30 شخصًا، فيلتقي ببعض السجناء المسلمين، ويمضي هذه الساعة معهم في المشي ومراجعة ما حفظه من القرآن.

ورغم أهمية ساعة التنفس نفسيًا ومعنويًا، فإنها أحيانًا كانت تتحول إلى أصعب لحظة داخل السجن، عندما كان يحاول بعض السجناء تهريب المخدرات والهواتف إلى ساحة السجن بواسطة طائرات الدرون التي تنطلق من الغابات.

يقول: "عندما كان يشك الحراس بشيء من هذا القبيل كانوا يشعلون صافرات الإنذار على الفور، وتبدأ حالة الطوارئ. وكان الحراس يهرولون بسرعة برفقة الكلاب، ويطلبون من كل سجين خلع ملابسه بالكامل، ويقومون بتفتيشه للتأكد من عدم تهريب أي شيء".

ويضيف: "كان هذا الأمر مزعجًا جدًا، وكنت أقول لهم: ما علاقتي أنا بهذه الأمور؟ أنا معتقل أمني، ولست هنا بسبب مخدرات أو جرائم، لكنهم كانوا يجيبون: يجب تفتيش الجميع".

البراءة

أمضى أبو راشد عامًا كاملاً في السجن، ثم عامين تحت قيود قضائية في منزله، درست خلالها المحاكم الهولندية جميع الادعاءات الإسرائيلية والتقارير المقدمة في الملف، وانتهت إلى أن ما قدم لا يرقى إلى مستوى الأدلة التي تثبت هذه الاتهامات، لتصدر إثر ذلك قرارًا ببراءته في 27 أيار/مايو 2026.

ويُعد أبو راشد أحد أبرز وجوه العمل الإغاثي والإنساني الداعم لفلسطين في أوروبا، إذ بدأ نشاطه في هذا المجال منذ تسعينيات القرن الماضي، وأسّس عددًا من المؤسسات الإنسانية والخيرية الداعمة لفلسطين.

يختصر أبو راشد مسيرته بالقول: "بعد أن كنت لاجئًا فلسطينيًا، ثم جريحًا فلسطينيًا، أصبحت أيضًا أسيرًا فلسطينيًا"

كما ارتبط اسمه بحملات كسر الحصار عن غزة، وشارك في أسطول الحرية عام 2010، وتعرض للاعتقال من قبل الاحتلال الإسرائيلي قبل أن يتم الإفراج عنه إلى هولندا.

وترأس أبو راشد الحملة الأوروبية لكسر الحصار عن غزة، ثم تولى رئاسة حملة الوفاء الأوروبية التي تقدم المساعدات والإغاثة للفلسطينيين، قبل أن يُنتخب عام 2020 رئيسًا لمؤتمر فلسطينيي أوروبا، أحد أبرز الأطر الفلسطينية في القارة الأوروبية.

ويختصر أبو راشد مسيرته بالقول: "بعد أن كنت لاجئًا فلسطينيًا، ثم جريحًا فلسطينيًا، أصبحت أيضًا أسيرًا فلسطينيًا".

الكلمات المفتاحية

الاحتلال يشن عملية عسكرية تشل الحياة في عناتا ومخيم شعفاط

الاحتلال يشن عملية عسكرية تشل الحياة في عناتا ومخيم شعفاط

بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي الليلة الماضية عملية عسكرية واسعة في بلدة عناتا ومخيم شعفاط ومناطق مجاورة شمال شرقي القدس المحتلة


نعيش في نفس القرية ويفصلنا حاجز

نعيش في نفس القرية ويفصلنا حاجز

يسكن حي الخلايلة 600 شخص، بينهم عائلات كاملة من عائلات الجيب الأصلية، صارت تعيش على بعد خطوات من قريتها وكأنها في مكان آخر تمامًا


بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية

يقول عرفات أبو مشايخ، رئيس قسم الصحة النفسية في مستشفى شهداء الأقصى، لـ"الترا فلسطين"، إن المؤسسات الصحية في غزة لا تملك حتى الآن إحصاءات دقيقة حول أعداد الأسرى المحررين واحتياجاتهم الصحية والنفسية، بسبب استمرار الحرب وصعوبة متابعة أوضاعهم بعد الإفراج عنهم.


"راح أجيبلك الدراجة".. آخر وعد قطعه عبد الله لطفله سعدي قبل أن تقتله قذيفة إسرائيلية

"راح أجيبلك الدراجة".. آخر وعد قطعه عبد الله لطفله سعدي قبل أن تقتله قذيفة إسرائيلية

الاحتلال قتل الطفل سعدي غالية (3 أعوام) داخل غرفة نزوح عائلته في مدرسة خولة بنت الأزور شرق دير البلح.

نتنياهو من جبل الشيخ: نقترب من إسقاط النظام الإيراني
أخبار

نتنياهو من جبل الشيخ: نقترب من إسقاط النظام الإيراني

أكد نتنياهو أن المهمة الرئيسية تتمثل في "إسقاط نظام الإرهاب في إيران"، مدعيًا: «نحن قريبون جدًا من ذلك"

لجنة حكومية إسرائيلية تبحث 3 مخططات استيطانية في الضفة
أخبار

لجنة حكومية إسرائيلية تبحث 3 مخططات استيطانية في الضفة

تبحث اللجنة الفرعية للاستيطان التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية اليوم ثلاثة مخططات استيطانية في الضفة الغربية


عائشة الرابي
أخبار

حكم مخفف على مستوطن أُدين بقتل عائشة الرابي

أدين المستوطن بإلقاء حجر باتجاه مركبة وإلحاق أضرار متعمدة بها وقتل عائشة الرابي، وفي النهاية حكم عليه بالسجن 13 عامًا

فرح حامد شهيدًا بعد الأسر والإبعاد
أخبار

فرح حامد شهيدًا بعد الأسر والإبعاد

استُشهد الأسير المحرر فرح أحمد حامد (50 عامًا) من بلدة سلواد، إثر إصابته في غارة على شارع الرشيد غربي مدينة غزة، حيث يعيش منذ إبعاده

الأكثر قراءة

1
تقارير

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية


2
تقارير

انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت للمجلس الوطني.. إشكال الشرعية


3
قول

الجنرالات التائبون


4
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟


5
مقابلات

حوار | وليد حباس: المنافسة في الانتخابات الإسرائيلية على إدارة الاحتلال لا على إنهائه