أن نناضل باللغة.. كيف يقرأ هتافنا الداعم لغزة؟
4 يوليو 2025
ليس المهم فقط، في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ القضية الفلسطينية، أن نكتب عن لغة الشعارات المحكية في الحراكات السلمية التي انطلقت في الضفة الغربية، تحديدًا في رام الله بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بل أن نضعها أيضًا في سياقها أمام الإبادة المستمرة على قطاع غزة، وسياسة التجويع التي يمارسها الاحتلال بحقه، وأمام تصاعد الأوضاع السياسية والأمنية في الضفة، وسياقها أيضًا أمام اختلاف تجربة الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي وما رافقها من تدرجات في الألم، وسياق ذلك في ظل الانقسام السياسي الفلسطيني.
ذهبت أكثر إلى قراءة بعض الشعارات المحكية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر عبر أشخاص شاركوا فيها لمعرفة واقعها وقدرتها على عكس صورة الأوضاع في فلسطين
ولأن الشعارات تحتل مكانتها في الحراكات الشعبية على مستوى الشعوب عادةً، للتعبير عن الحالة الراهنة، ولبث رسائل التضامن والوحدة أو وجهات النظر السياسية وغيرها، رغبتُ بتسجيل وحفظ بعض ما رُدِّد منها بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، وكتابتي لعدد من هذه الهتافات لا يُقصد منه إعطاء صورة واسعة أو كاملة عن المشهد في الشارع الفلسطيني، بل المشاركة في قراءته وتقييمه. وبعض ما هُتف: (يا غزتنا ويا عزتنا يا قلعة بوجه المحتل.. صاحت بالعالي ضفتنا غير الثورة ما في حل)، و(غزة هاشم ما بتموت لو حطوها في تابوت)، و(الانتقام الانتقام.. وأقصى وسرايا وقسام)، و(ومن غزة طلع القرار.. يا انتفاضة يا انتصار)، و(عالشوارع يا ثوار وخلوا الدنيا تولع نار)، و(الشعب بغزة عم بموت.. إبادة جماعية.. بكرا رح يجيكم الدور.. بكرا جاييكم الدور اصحوا اصحوا يا عرب)، و(يا مقاوم عيدها يا مقاوم عيدها.. تل أبيب نبيدها)، و(فلسطين حرة حرة.. سي آي إيه برا برا)، وغيرها من الهتافات.
ذهبت أكثر إلى قراءة بعض الشعارات المحكية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر عبر أشخاص شاركوا فيها لمعرفة واقعها وقدرتها على عكس صورة الأوضاع في فلسطين، والأهداف التي نادت بها، من بينهم الناشط السياسي ومنسق المؤتمر الشعبي 14 مليون، عمر عساف، حيث قال: هناك أكثر من هدف للشعارات، أولًا: أنها تخلق نوعًا من الحماس والتفاعل، وثانيًا، وهو الأهم: أنها تحاكي المرحلة.
واستذكر بعض الشعارات التي وصفها بأنها في صلب 7 تشرين الأول/أكتوبر، مثل: (الشعب يريد إنهاء الانقسام.. ووحدة وحدة وطنية)، و(يا عرب يا مسلمين يلا أنقذوا فلسطين)، و(يا عرب أهل العزة.. يلا أنقذولنا غزة)، و(إحنا والله موحدين ضد أميركا المجرمين)، و(مشان الله مشان الله عروبة يلا)، و(مشان الله يا سيد يلا)، و(الشعب العربي يا إخوان موحد ضد الأميركان)، و(أميركا راس الحية.. عدو الأمة العربية)، و(هذه بلادي يا إخوان.. برا برا الأميركان)، و(هذه بلادي فلسطين.. إحنا نواجه مجرمين)، وغيرها.
ورجع بنا عمر عساف، وهو تعرض للاعتقال في ظل الحرب، تحديدًا من تاريخ 23 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وأُفرج عنه في نيسان/أبريل 2024، إلى واقع الشعارات المحكية، حيث أضاف لـ "الترا فلسطين": "بعد 7 أكتوبر، على الأقل لغاية ما اعتُقلت وخروجي بعد 6 أشهر، كان هناك نشوة، وجريمة الإبادة الجماعية لم تكن قد أخذت مداها مثل ما هي اليوم. أتحدث عن حينه، حيث كنا في بداية المواجهة، وعشنا لفترة غير قصيرة نشوة الهزة التي تعرض لها الكيان كله".
وأشار إلى شعار هُتف أكثر من مرة لإنهاء الإبادة، وهو: (إنهاء الإبادة عبادة)، بعد مرور قرابة العام على 7 تشرين الأول/أكتوبر، أي: نحن نناضل من أجل إنهاء الإبادة. وحول توجيه الشعارات المحكية أكثر نحو أهداف محددة، كالتركيز باللغة على وقف الإبادة والحرب، وسياسة التجويع التي يمارسها الاحتلال بحق أهالي القطاع، أرجع عساف ذلك إلى عفوية الشعارات.
وأوضح، أن بعض المشاركين يقولون شعارات من قبل سنتين أو ثلاث، وغير مواكبة للحالة الراهنة، وهنا ندخل أكثر في عفوية التنظيم والمسيرات. وهذا الأمر يقود إلى مسألة التعرض لتخريب الوعي منذ نحو 30 عامًا، وانعكاسه على انشغال الناس بهمهم الشخصي، إلى جانب قمع السلطة والقمع الإسرائيلي، والفجوة بين القوى الوطنية والشارع.
وهذه الأسباب، وتحديدًا الأخيرة، أدت ربما إلى أن بعض الشعارات الضرورية في المرحلة الحالية، كالحديث عن وقف الإبادة والتجويع، لم تكن طاغية مقارنةً بشعارات أخرى. ولفت عساف إلى ملاحظة متعلقة بهذا الأمر، وهي تراجع دور القوى المنظمة في أهم الحراكات الشعبية المجتمعية خلال العشر سنوات الأخيرة أو أكثر، كإضراب المعلمين والاعتداء على الحريات وغيرها، ما خلق فجوة بينها وبين الشارع.
التنظيم مرة أخرى
تحدثت مع شابة، وهي حاصلة على درجة الماجستير في الديمقراطية وحقوق الإنسان من جامعة بيرزيت، وشاركت في أكثر من مسيرة وحراكات شعبية خرجت بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، حول رأيها بالمسيرات والملاحظات التي سجلتها.
وبدأ تقييمها حول أعداد المشاركين والمحتوى وارتقائه في التعبير عن المشاهد والإبادة المستمرة في غزة، وهذا قادها أكثر نحو البعد التطوعي للناس وثقتهم بكون الحراك أداة من أدوات مناهضة الاستعمار، وألا يكون الدافع وراء ذلك طلبًا من المؤسسات التي يعملون بها للمشاركة في مسيرات محددة. ورغم تأكيدها على أهمية التنظيم المؤسساتي، إلا أن الأمر يُقرأ أيضًا بصورة الوضع العام ودور الحزب والقوى الوطنية وغيرها، وانعكاس ذلك على ضعف الحراك الجماهيري، خاصةً وأن أساس بنيته هذه القوى في التحريك وشحذ الهمم والتوجيه. ولم تنسَ هنا أيضًا أن تشير إلى تصاعد وتيرة الاعتقالات الإسرائيلية في ظل الحرب وأثره على تغييب قيادات وغيرهم في السجون، والخوف من هتف شعارات معينة أو قيادة المسيرة وتوجيهها خشية التعرض للاعتقال.
وتوجهت لاحقًا نحو بعض الشعارات وملاحظاتها العامة حول التشتت في الرؤية والأهداف، مضيفة أنه وعلى الرغم من وضوح الهدف في وقف الإبادة والهدنة، إلا أن الطريق في الوصول إليه مختلف. وهذا يُقرأ أيضًا في غياب قيادة موحدة للمسيرة، وأنها أصبحت أرضية مشتركة لتعبير الأفراد عن أفكارهم ورؤيتهم.
وقالت: إنه من الضروري وجود وجهات نظر متعددة، لكن بذات الأهمية، هناك حاجة إلى إطار جامع لها. ويُقرأ هذا أيضًا في إطار وضوح التوجه والرؤية السياسية وانقسام الطريق نحو التحرير. ونقلت ملاحظاتها حول آخر المسيرات التي خرجت بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، بوجود بُعد إسلامي واضح فيها، ولخيار المقاومة وتحفيز وشحذ الهمم تجاه بذل المزيد من العناء والتضحية من أجل التحرير.
كما سجلت تقييمها حول بعض الشعارات وما كان الغالب فيها، مستذكرةً ما قيل وكُتب، سواءً عن وقف الإبادة ووقف الدم والتجويع، وما شاركت به ناشطة أخرى عن التحرير والديمقراطية والرؤية الحقوقية في وقف الإبادة، حيث كانت حاضرة لكنها لم تكن طاغية، وما كان طاغيًا أكثر هو الخطابات الإسلامية ودعم المقاومة في غزة.
وأضافت: حجم الإبادة كبير علينا حتى أنه مغاير عن النكبة، نتدرج الآن بالسؤال عن قدرة الأحزاب والمؤسسات في التعامل معها قبل سؤال الأفراد. من يخرج للمسيرة يعرف ربما أن هذا الفعل قد لا يُغيّر، لكنه يبحث في الوقت ذاته عن دوره، ولا أرى أن الحل هو الخروج من المسيرة لمجرد سماع شعار لا أتفق معه، بل أبقى، لأن هدفي أن أكون متواجدة بالشارع دعمًا لوقف الحرب على القطاع.
في السياق، شاركت شابة أخرى ملاحظتها للهتافات في ظل الحرب وانعكاس ذلك على مشاركتها في المسيرات الشعبية، وهي طالبة ماجستير في العلوم السياسية - مسار علاقات دولية ودبلوماسية. وقالت: خرجت عدة مسيرات بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وكنت ألاحظ أن هناك شعارات وهتافات لا تعكس الواقع بشكل دقيق، خاصةً عندما تكون عشوائية وغير متسقة مع طبيعة المرحلة الراهنة. وأرى أن كثيرًا منها لا يتغير رغم تغيّر السياق والمعطيات، ولا تواكب حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، وكأنها صدى لخطابات قديمة لا تزال تُستعاد دون مراجعة.
وشملت ملاحظتها حول بعض الشعارات تغييب عمق المأساة الفلسطينية، تحديدًا في غزة، ووصفت الأمر بالتفاوت في التركيز أو خلل في ترتيب الأولويات. وأضافت: هناك مسيرات تنقسم في مضمونها وهتافاتها، فيبدو المشهد كما لو أنه عدة مسيرات داخل مسيرة واحدة، دون التفاف حول خطاب موحد أو هدف جامع. في آخر مسيرة شاركت فيها دعمًا لغزة وضد الإبادة الجماعية، سمعت هتافًا (أهل غزة عالحدود والسلطة في التنسيق)، وبرأيي، إنه هتاف يبعث على الفرقة والانقسام والتخوين الصريح.
وتوجه حديثها أكثر نحو القناعات العميقة بضرورة الفعل الجماعي المنظم القائم على قيم الحق والوجود الفلسطيني، ومواجهة الإبادة بصوت واحد لا يحمل إلا هم الإنسان الفلسطيني ومعاناته. لكن اجترار شعارات دون مراجعة نقدية للواقع يضعف الحراك الشعبي.
وأشارت إلى أن بعض الشعارات تخدم توجهات فئوية معينة ولا تعبّر عن الاحتياج العام، وهذا ما قادها إلى طرح الآتي: هل هناك اتساق مع الشارع فعلًا وقت المسيرات؟ من تجربتي الشخصية والمشاركة في بعضها، أو سماعي لهتافات رُفعت بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، الاتساق مفقود إلى حدٍّ ما.
وأكملت: علينا أن نراجع أنفسنا ونُطوّر الشعارات ونتحد حول خطاب جامع يعكس الواقع والمرحلة، ويدعم الحق الفلسطيني في الوجود والحياة. قد يتجاوز الأمر حدود الهتاف والشعار إلى معركة على الوعي والتأثير، ما يتطلب منا أن نعيد تعريف أدواتنا وخطابنا بما يليق بحجم الدم الذي يُراق، وبعظمة تضحيات المواطنين التي تُقدَّم كل يوم في غزة والضفة.
"الهتافات" في إطارها العام
شارك الباحث والأكاديمي الفلسطيني أحمد عز الدين أسعد، في وضع إطار عام للمسيرات والهتافات، وما الهدف من خلفها؟ وما يرافقها من أسئلة متعلقة بطبيعة المرحلة الحالية.
وبدأ حديثه بأهمية الهتافات في إيصال خطاب وهوية الحراكات السلمية ومطالبها، ويمكن التجاوز هنا عن عفوية الهتافات أو تنظيمها في سبيل الهدف منها، وهو التعبير عن موقف أو احتجاج أو رفض. وأضاف: الشعارات تُعطي بُعدًا حماسيًا للناس وتقوم بتحشيدهم ورفع معنوياتهم؛ لأن جزءًا من فكرة الحراك هو التحشيد وإيصال الصوت، ليس بالمعنى المادي فقط بل الرمزي أيضًا، بوجود مسيرات في الشارع.
وتابع: "الهدف الأساسي من الحراكات الشعبية والاجتماعية هو تنظيم الناس وتعبئتهم، بغض النظر عمّا إذا كان الشعار تناول وقف الإبادة أو دعا لإدخال المساعدات أو إنهاء الانقسام أو إصلاح منظمة التحرير أو لأمور سياسية أخرى قد لا تتوافق مع الهدف الذي خرجت من أجله المسيرة. لذلك، يمكن قراءة الشعارات التي خرجت من أجل غزة أو في سياق الإبادة عليها بأنها لم تكن جميعها تتحدث عنها أو عن الإبادة، بل تنوّعت؛ لأن تاريخ 7 تشرين الأول/أكتوبر ليس بداية القضية الفلسطينية ولا نهايتها، وإنما هي متواصلة ومركبة.
وطرح مرةً أخرى أن الهتاف ليس هو الأمر المركزي، وإنما ما وراءه من تحشيد؛ لأن الشعارات عادةً لا تقول أو تصيغ برنامجًا سياسيًا، وهي على عكس الحراكات الاجتماعية ذات البنية الواضحة والخطاب والقيادة. وتدرّج أسعد في الحديث عن الشعارات في الإطار العام الاجتماعي والسياسي، والمقارنة مع فترات سابقة كالانتفاضة الأولى، على سبيل المثال، حيث تختلف أدوات الأخيرة ومسيراتها وبرنامجها في ظل وجود بنية حزبية منظمة ومنتِجة، وهذا ما تراجع اليوم. لذلك، تُطرح أسئلة حول قدرة الأحزاب على حشد الناس، وعن هشاشة الحقل السياسي الفلسطيني، وعن خروج الناس وحدهم إلى الشارع بالعاطفة. ولهذا، فالمشكلة ليست في الشعارات أو مقارنتها بفترات سابقة من تاريخ القضية الفلسطينية، وإنما في الحقل السياسي المترهل، لا سيما وأن الهتاف يأتي نتيجة إفراز لبنية ولمسار سياسي، وهذا ما هو مفقود اليوم.
الكلمات المفتاحية
العدوان على إيران.. حسابات إسرائيل بين الطموح والواقع
تشير تقارير متقاطعة في الإعلام الإسرائيلي إلى أن المستويين السياسي والعسكري يستعدان لاحتمال استمرار القتال لأسابيع
القنصلية الأميركية في مستوطنات الضفة ... خدمة أم تثبيت واقع جديد؟
يتقاطع القرار مع مسار عملي سابق تمثل في إغلاق القنصلية الأميركية في القدس عام 2019 ودمجها بالسفارة الأميركية هناك وهو إجراء أعاد هيكلة التمثيل الدبلوماسي الأميركي وقلّص قناة الاتصال المستقلة مع الفلسطينيين
من خطة "الحسم" إلى التهجير الشامل: قراءة في خطاب سموتريتش الجديد
يدخل الخطاب السياسي الإسرائيلي مع بتسلئيل سموتريتش مرحلة أيديولوجية جديدة، تحمل طابعًا "انقلابيًا" يتجاوز المفاهيم التقليدية للأمن والمناورات التكتيكية، ليصل إلى أفق "الإحلال" الوجودي
إصابات وتسييج أراضٍ خلال هجمات للمستوطنين في نابلس والخليل وطوباس
سُجّلت 4 إصابات برضوض في اعتداءات للمستوطنين في بلدات جنوب نابلس خلال اليوم.
هآرتس: سلاح إيراني بيد حزب الله يثير قلق الجيش الإسرائيلي
المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعرب عن قلق متزايد من الاستخدام المتصاعد لدى حزب الله لصاروخ إيراني متطور مضاد للدروع.
حرب الإبادة الديموغرافية: كيف عمل الاحتلال على خفض عدد المواليد في غزة؟
ما يجري في غزة سياسة عنف إنجابي تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي
هآرتس: الجيش يغض النظر عن جرائم المستوطنين أو يشارك فيها والحكومة تدعمها
جيش الاحتلال يغض الطرف في أفضل الأحوال، ويسهم في الهجمات في أسوأ الأحوال، والمستوطنون المتطرفون الجالسون في الحكومة يمنحون ذلك دعمًا