إسرائيل تشرع بتسوية الأراضي في مناطق "ج" وتسجيلها كملكيات خاصة للمستوطنين.. أي سياق؟
6 نوفمبر 2025
في أيار/مايو 2025، قررت الحكومة الإسرائيلية "إبطال" عمليات التسوية التي أجرتها السلطة الفلسطينية في المنطقة "ج"، والبدء بتنفيذ مشروع تسوية شامل لتسهيل التوسع الاستيطاني. هذه المقالة تستعرض الوضع القانوني للأراضي "ج"، واستخداماتها، وصولًا الى المشروع الإسرائيلي الجديد الذي يشرف عليه سموتريتش والذي يعتبر بمثابة "سرقة القرن".
قرار الحكومة الإسرائيلية الجديد في أيار/مايو 2025، والذي أمر بالشروع بتسوية شاملة لأراضي المنطقة "ج"، سيسمح للمستوطنين بتسجيل الأراضي كملكيات خاصة (طابو)
تقسيمات أوسلو لأراضي الضفة الغربية
في عام 1993 تم توقيع اتفاق أوسلو الأول (أوسلو أ) بين شمعون بيرس ومحمود عباس برعاية أميركية، حيث نصّ على إقامة حكم ذاتي فلسطيني مؤقت استنادًا إلى قراري مجلس الأمن 242 و338. وفي أيلول/سبتمبر 1995، وُقّع اتفاق أوسلو الثاني (أوسلو ب) في واشنطن، مانحًا الفلسطينيين سلطة مدنية على المدن وقرابة 450 قرية تشمل نحو 90% من السكان الفلسطينيين. نص الاتفاق على تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج) لمدة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات. بين عامي 1995 و1999 جرى تحويل تدريجي للأراضي من تصنيف "ج" إلى "ب" أو "أ"، بحيث استقر الوضع مع نهاية الفترة على نحو ظل قائمًا حتى اليوم:
- المنطقة "أ": ومساحتها حوالي نحو 1000 كيلومتر مربع (17%) وتشمل المدن الفلسطينية والتجمعات ذات الكثافة الفلسطينية وهي خاضعة لسيطرة مدنية وأمنية فلسطينية. ومع ذلك، استمرت الدوريات المشتركة مع الجيش الإسرائيلي حتى اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، حين أعادت إسرائيل فتحها أمام حرية العمل العسكري الإسرائيلي.
- المنطقة "ب"، ومساحتها نحو 1030 كيلومترًا مربعًا (18%) تحت إدارة مدنية فلسطينية وسيطرة أمنية إسرائيلية، ولا تضم مستوطنات رسميًا، غير أن المستوطنين توسعوا فيها بعد عام 2025 وأقاموا ثلاث بؤر جديدة.
- منطقة "ب/المحمية"، وهي منطقة صحراء القدس (برية الضفة)، وتبلغ مساحتها 167 كيلومترًا مربعًا وتم تصنيفها كمحمية طبيعية ضمن المنطقة "ب"، ويتطلب أي نشاط فيها موافقة إسرائيلية. في العام 2024، قررت إسرائيل إعادتها إلى تصنيف "ج".
- المنطقة "ج"، وتبلغ نحو 3641 كيلومترًا مربعًا قبل إعادة المحمية (أي 62% من الضفة) وتخضع كليًا للسيطرة الإسرائيلية، وارتفعت نسبتها إلى نحو 65% بعد ضم محمية القدس.
ماذا يوجد في المنطقة "ج"
فلسطينيًا، يقدر عدد السكان الفلسطينيين في المنطقة "ج" ما بين 230 و297 ألف نسمة، بينهم نحو 27 ألفًا من البدو، يتوزعون على حوالي 180 قرية بالإضافة الى التجمعات البدوية. وبشكل عام، تضم المنطقة "ج" نحو 60 ألف مبنى فلسطيني موزعة على مساحة تبلغ عند جمعها حوالي 80 كم²، إضافة إلى أراضٍ زراعية فلسطينية تقدر بـ910 كم²، جزء كبير منها مزروعة بأشجار الزيتون.
في المقابل، يعيش نحو 530 ألف مستوطن يهودي في المنطقة "ج" حسب تقديرات العام 2025، أي ما يعادل 7% من سكان إسرائيل، موزعين على حوالي 150 مستوطنة تشمل ست مدن وأربعة مجالس محلية وثلاثة عشر مجلسًا إقليميًا، بالإضافة الى أكثر من 350 مستوطنة أخرى كرفانية، بالإضافة إلى 35 منطقة صناعية. تقدر مساحات الأراضي الزراعية اليهودية في المنطقة "ج" بحوالي 223 كم². من الناحية القانونية، تعتبر إسرائيل المنطقة "ج" أراضٍ متنازعًا عليها وليست محتلة، وترى أن التزاماتها تجاه الفلسطينيين فيها طوعية، ولا تعترف بانطباق اتفاقية جنيف الرابعة عليها.
كيف تصنف إسرائيل الأراضي "ج"؟
وفق التصنيف الإسرائيلي، تنقسم أنواع الملكية في منطقة "ج" إلى أربع فئات رئيسية:
- الفئة الأولى هي "أراضي الدولة"، وتشمل الأراضي التي كانت مسجلة باسم حكومة الانتداب البريطاني أو المملكة الأردنية، ثم أعلنتها إسرائيل بعد عام 1967 أراضيَ دولة. تمت أكبر عمليات الإعلان في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتبلغ مساحتها الإجمالية نحو 1200 كيلومتر مربع، أي ما يعادل 33–34% من مساحة المنطقة.
- الفئة الثانية هي ما تسميه إسرائيل بـ "أراضي المسح"، وهي أراضٍ تُفحص تمهيدًا لإعلانها لاحقًا "أراضي دولة"، أو تسجيلها في الطابو كملكيات خاصة، وتُقدَّر مساحتها حاليًا بنحو 720 كيلومترًا مربعًا (20%).
- الفئة الثالثة فهي "الأراضي المصادَرة عسكريًا"، وتُستخدم لأغراض أمنية مؤقتة وتُقدّر مساحتها بنحو 1000 كيلومتر مربع (27%). جزء كبير منها مناطق إطلاق نار وتدريب عسكري.
- الفئة الرابعة هي "الملكيات الخاصة"، سواء كانت بملكية فلسطينية (لمن يمتلك كوشان أراضي أو وثيقة إخراج قيد) أو يهودية (للمستوطنين الذي اشتروا أراضي)، وتشكل قرابة 20% من مساحة المنطقة.
إسرائيل تلغي مشروع تسوية الأراضي للسلطة الفلسطينية
بدأت السلطة الفلسطينية نظام تسجيل الأراضي (الطابو) في المنطقة "ج" بعد العام 2009، تحت إشراف مباشر من الحكومة الفلسطينية، بالتعاون مع مؤسسات أجنبية وأوروبية، مثل الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي، والأمم المتحدة. بدأ تنفيذ المشروع فعليًا عام 2016 وتديره هيئة تسجيل الأراضي الفلسطينية بالتعاون مع وزارة الحكم المحلي ومكتب التخطيط الاستراتيجي الفلسطيني، وبدعم فني ومالي من الاتحاد الأوروبي.
كان الهدف إنشاء سجل فلسطيني موازٍ للطابو الإسرائيلي في المنطقة "ج"، وتثبيت الملكيات الفلسطينية في وجه عمليات "إعلان أراضي الدولة" الإسرائيلية. حتى نهاية 2019، تمكّن المشروع من تسجيل نحو 45% من القطع في الضفة الغربية. بخلاف إسرائيل التي تجعل السجلات المتعلقة بالمنطقة "ج" مغلقة وسرية، اعتمدت السلطة نهجًا ميدانيًا يتيح للمجالس المحلية والمواطنين المطالبة بالملكية وتثبيتها أمام لجان تسجيل تابعة للسلطة، ولهذه الغاية، حصلت السلطة الفلسطينية من تركيا على أرشيف الكوشان العثماني (113 ألف سجل)، واستخدمته كـ"سلاح قانوني" في إثبات الملكيات الفلسطينية.
ولأن إسرائيل هي صاحبة السلطة الإدارية على المنطقة "ج"، فإن مشروع الطابو الذي نفذته السلطة كان بمثابة "تسجيل ظل"، أي أنه يأتي بغرض إعداد سجلات داخلية غير معترف بها إسرائيليًا، لكنها تساعد السكان على إثبات ملكياتهم وإدارة أراضيهم قدر الإمكان. في 12 أيار/مايو 2025 قرر مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر:
- البدء في تنفيذ إجراءات تسوية الأراضي (الطابو) في الضفة الغربية.
- منع عمليات التسجيل التي تقوم بها السلطة الفلسطينية واعتبارها "باطلة قانونيًا"، حيث قام الجيش الإسرائيلي على الفور بمطالبة السلطة الفلسطينية بوقف نشاطها فورًا.
- منع تحويل الأموال الدولية المخصصة لمشاريع تسوية الأراضي الفلسطينية.
- منع المساحين والعاملين الميدانيين من الوصول إلى الأراضي أو تنفيذ أعمال المسح اللازمة.
كيف تسهل إسرائيل تسريب الأراضي في المنطقة "ج"؟
الوضع القانوني للأراضي في المنطقة "ج" يتسم بدرجة عالية من التعقيد والغموض، نتيجة تراكم أنظمة قانونية وسجلات عقارية متعددة من فترات تاريخية مختلفة تشمل العثمانية، والبريطانية، والأردنية، والإسرائيلية، وأخيرًا الفلسطينية (التي ألغتها إسرائيل عام 2025).
تعمل وحدة تسجيل الأراضي في الضفة الغربية تحت إشراف الإدارة المدنية الإسرائيلية، ويتولى إدارتها موظف من وزارة العدل الإسرائيلية. يقع مقرها في مستوطنة بيت إيل، وتضم مكاتب فرعية للإسرائيليين في آريئيل ومعاليه أدوميم، وأخرى للفلسطينيين في مكاتب التنسيق (DCO) في رام الله، والخليل، ونابلس، وجنين، وقلقيلية، وطولكرم، وبيت لحم، وأريحا. يعمل في الوحدة 10 إسرائيليين و15 فلسطينيًا، وتُعنى بتسجيل الملكيات والمعاملات العقارية، وإصدار التراخيص والمستخرجات، والإشراف على لجان التسجيل الأول. وتعتمد على سجلات ورقية قديمة من العهدين البريطاني والأردني، مكتوبة بالعربية ولا يمكن الاطلاع عليها إلا بتصريح خاص.
أما الأراضي غير المسجلة، وتشكل نحو ثلثي مساحة الضفة أي حوالي 67%، فتخضع لآلية "التسجيل الأول" التي تنظر فيها لجنة شبه قضائية منذ تجميد عمليات التسوية بأمر رقم 291 لعام 1968. هذه العملية بطيئة جدًا؛ إذ بلغ متوسط مدة البت في كل ملف نحو خمس سنوات، ولم تصدر سوى قرارات معدودة (أقل من 30 كل عام).
يُضاف إلى ذلك غياب التوثيق الإلكتروني والحوسبة. فجميع السجلات ورقية ومعرّضة للتلف أو الضياع. بدأ مشروع المسح الرقمي عام 2013 لكنه لم يكتمل، إذ جرى مسح جزئي للسجلات في أريئيل ومعاليه أدوميم ورام الله وقلقيلية، من دون رقمنة لنماذج نقل الحقوق.
كما فشل مشروع النظام الإلكتروني المقترح عام 2015 بالاستناد إلى نظام "Rimon" الإسرائيلي، بسبب خلافات بين وزارة العدل والإدارة المدنية. ونتيجة لذلك، ما تزال جميع الإجراءات تُجرى يدويًا، مما يعرقل الرقابة ويزيد احتمالات التزوير.
قرار الحكومة الإسرائيلية الجديد في أيار/مايو 2025، والذي أمر بالشروع بتسوية شاملة لأراضي المنطقة "ج"، سيسمح للمستوطنين بتسجيل الأراضي كملكيات خاصة (طابو)، الأمر الذي يفتح أراضي "ج" أمام سوق البيع والشراء، يخلط ما بين البعد الاستعماري (حيث تقوم دولة إسرائيل بالتوسع الاستيطان عن طريق أوامر عسكرية) مع البعد الربحي النيوليبرالي (حيث من المتوقع ان تنشط شركات إسرائيلي وأجنبية في عمليات شراء وبيع).
الكلمات المفتاحية
العدوان على إيران.. حسابات إسرائيل بين الطموح والواقع
تشير تقارير متقاطعة في الإعلام الإسرائيلي إلى أن المستويين السياسي والعسكري يستعدان لاحتمال استمرار القتال لأسابيع
القنصلية الأميركية في مستوطنات الضفة ... خدمة أم تثبيت واقع جديد؟
يتقاطع القرار مع مسار عملي سابق تمثل في إغلاق القنصلية الأميركية في القدس عام 2019 ودمجها بالسفارة الأميركية هناك وهو إجراء أعاد هيكلة التمثيل الدبلوماسي الأميركي وقلّص قناة الاتصال المستقلة مع الفلسطينيين
من خطة "الحسم" إلى التهجير الشامل: قراءة في خطاب سموتريتش الجديد
يدخل الخطاب السياسي الإسرائيلي مع بتسلئيل سموتريتش مرحلة أيديولوجية جديدة، تحمل طابعًا "انقلابيًا" يتجاوز المفاهيم التقليدية للأمن والمناورات التكتيكية، ليصل إلى أفق "الإحلال" الوجودي
قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48
قتل مواطنين اثنين اليوم السبت، أحدهما بجريمة إطلاق نار، داخل أراضي الـ48، والتي شهدت في الآونة الأخيرة احتجاجات ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في مواجهتها
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا
أفادت مصادر محلية مساء اليوم السبت، باستشهاد أمير محمد شناران وإصابة شقيقه برصاص المستوطنين في منطقة "واد الرخيم" جنوب يطا في الخليل
إدارة ترامب توافق على بيع ذخائر بقيمة 151 مليون دولار إلى إسرائيل
وافقت وزارة الخارجية الأميركية على بيع ذخائر بقيمة 151,8 مليون دولار إلى إسرائيل دون الحصول على موافقة الكونغرس على الصفقة