الإبادة تُحرق تربة غزة: سموم في باطن الأرض واختلال بيئي
24 فبراير 2026
ما أن أُعلِن عن التوصل إلى اتفاق إنهاء الحرب في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، حتى بدأ مأمون الفالوجي في الاستعداد للعودة إلى أرضه في منطقة السطر الغربي في خان يونس، حاملاً أملاً بموسم يعوض بعض ما فاته بعد شهور من النزوح والدمار. لكن جولة سريعة في أرضه عند وصوله إليها كانت كافية ليُدرك أن العودة إلى الزراعة التي امتهنها لسنوات لن تكون مهمة عادية، بل معركة جديدة مع أرضٍ تغيّرت خصائصها.
الجسيمات الدقيقة الناتجة عن القصف والحرائق تؤدي إلى تغيير البنية الفيزيائية للتربة، فتقلل قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، وترفع ملوحتها وتزيد من خطر تعرضها للتلوث، وتعيق نمو الجذور
فبعد عامين من التدمير، باتت الحقول التي كانت يومًا عنوانًا للاستقرار ومصدرًا للرزق عبئًا على أصحابها. وكلما غاصت المحاريث في أراضي قطاع غزة الزراعية، تكشّفت طبقاتٌ من الأذى الخفي: شظايا معادن، وبقايا مقذوفات، وتشققات عميقة في تربة فقدت تماسكها وخصوبتها.
خسائر ثقيلة للمزارعين
شرع الفالوجي في إزالة مخلفات الحرب التي غطّت أرضه: بقايا صواريخ، رؤوس قذائف، قطع حديد من آليات عسكرية، فضلاً عن حفر عميقة خلّفتها الانفجارات. وبعد تسوية التربة وإعادة تجريفها، قرر زراعة عشرة دونمات بمحصول الكوسا، مستدينًا مبالغ كبيرة لتوفير البذور والغطاء البلاستيكي، وتعقيم التربة بالغاز، وإصلاح شبكات الري المتضررة، إلى جانب استئجار ألواح طاقة شمسية لتشغيل البئر.
لكن بعد أسابيع قليلة، بدأت الشتلات تصفرّ وتتوقف عن النمو، لم تُثمر النباتات، وبدت المساحات التي طالها القصف أكثر جفافًا وصلابة. "المحصول لم يعطِ ثمارًا… كأن الأرض مسمومة" يقول الفالوجي بأسى. وبعد ما يقارب من 60 يومًا اضطر إلى اقتلاع المحصول كاملًا، بخسارة قاربت 80 ألف شيكل.
"الموضوع مش خسارة محصول، بل خسارة عمر وتعب سنين" أضاف الفالوجي وهو ينظر إلى أرضه بحسرة. ثم أوضح: "كل ما زرعته دين، فلا يوجد دعم، وغالبية المؤسسات والجمعيات تخاف العمل في المناطق القريبة من تمركز الاحتلال، نحن نعمل على مسؤوليتنا".
لجأ الفالوجي إلى استشارة عدد من المهندسين الزراعيين الذين أخبروه باحتمال تلوث التربة ببقايا متفجرات ومعادن ثقيلة، وتعرضها لانضغاط شديد بفعل الآليات، ما أفقدها التهوية وأغلق مسامها، وهذا يستدعي حراثة عميقة، وفحوصات مخبرية، ومعالجات طويلة الأمد قد تمتد لسنوات.
وبالنسبة له، لم تكن خسارة محصول الكوسا مجرد خسارة عابرة، بل مؤشرًا على أن آثار الحرب قد تسللت إلى عمق الأرض نفسها. ورغم ذلك يصرّ الفالوجي على المحاولة من جديد، مؤمنًا بأن الأرض إن تُركت بلا زراعة خمدت فيها الحياة، ومتمسكًا بأمل استعادة خضرتها يومًا ما.
على بعد أمتار من أرض الفالوجي، يعيش المزارع محمد الأغا (50 عامًا) القصة ذاتها، فقد حاول استصلاح أرضه ثم زرع ثمانية دونمات بالسبانخ والكوسا والفجل، ليُمنى هو الآخر بخسارة ثقيلة.
يقول الأغا: "الجرافات الثقيلة التي جرفت الأراضي، وبعضها يصل وزنها إلى نحو 120 طنًا، تسببت في تدبيك التربة وضغطها بشكل كبير، إلى جانب انتشار مخلفات الصواريخ والقنابل في الحقول"، مشيرًا إلى أنه عثر على ذخائر محترقة وقذائف لم تنفجر أثناء تهيئة الأرض. فضلاً عن ذلك، فإن الأرض "مشققة ويابسة، كأن النار سكنت فيها" وفق تعبيره.
بعد أسبوعين فقط، بدأت مؤشرات الفشل تظهر بوضوح: اصفرّت الأوراق، وتباطأ النمو، وبدت النباتات ذابلة رغم ريّها يوميًا، ولم يتجاوز الإنتاج 30% من المتوقع، بعائد لم يزد على 8 آلاف شيكل، وهي نسبة لا تغطي تكاليف استصلاح الأرض للزراعة وشراء البذور وريّ الأرض، التي بلغت نحو 30 ألف شيكل.
يعلق الأغا بحسرة: "زرعت كثيرًا، لكن 70% من الشتلات فسدت. الفرق كبير بين إنتاج اليوم وما كان قبل الحرب".
ورغم تكرار حراثة الأرض وريّها وتعقيمها، لم يطرأ تحسّن يُذكر على النتائج، إذ تشير زيارات ميدانية لمهندسين زراعيين إلى أن التربة بحاجة إلى تهوية عميقة وإعادة تأهيل شاملة بسبب الانضغاط الشديد الذي تعرضت له، إضافة إلى احتمال تراكم مواد سامة في باطنها. هذا كله جزء من المشكلة فقط، أما الجزء الآخر فهو الكلفة الباهظة لهذه المعالجات، إلى جانب نقص المياه وشحّ البذور وتدمير المعدات وغياب الدعم الكافي للمزارعين.
اليوم، يستعد الأغا لحراثة أرضه مجددًا واقتلاع المحاصيل التي توقف إنتاجها شبه كليًا. ومع نقص المياه وشح البذور وتدمير المعدات، يجد نفسه أمام تحديات متراكمة تعيق استئناف حياته كما كانت قبل الحرب.
وأكدت سلطة جودة البيئة الفلسطينية أن جيش الاحتلال ألقى خلال عامين أكثر من 85 ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة، وهي كمية غير مسبوقة في تاريخ الصراعات الحديثة.
وأوضحت في بيان بمناسبة اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب، أن الأضرار الناتجة عن هذه القنابل لم تقتصر على التربة، بل امتدت إلى البنية التحتية للمياه، مع تسرب ملوثات إلى الأحواض الجوفية، ما ينذر بتداعيات صحية وبيئية خطيرة تهدد مئات آلاف السكان.
تدهور خصوبة التربة
يقول رئيس اتحاد الفلاحين في خان يونس خالد أبو زر إن الاحتلال لا يكتفي بتجريف الأراضي الزراعية، بل يحرقها ويغيّر خصائصها الكيميائية والبيولوجية، ما يجعلها غير صالحة للزراعة لسنوات، مؤكدًا أن التربة في غزة تحتاج إلى نحو خمس سنوات على الأقل للتعافي بعد الحرق.
ويوضح أبو زر أن الجسيمات الدقيقة الناتجة عن القصف والحرائق تؤدي إلى تغيير البنية الفيزيائية للتربة، فتقلل قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، وترفع ملوحتها وتزيد من خطر تعرضها للتلوث، وتعيق نمو الجذور، وتلحق أضرارًا بالكائنات الدقيقة النافعة المسؤولة عن خصوبتها.
وحذر أبو زر من أن استمرار هذا الواقع سينعكس سلبًا على الإنتاج الزراعي بما يهدد الأمن الغذائي ويزيد من هشاشة القطاع الزراعي في غزة.
وحتى تستعيد التربة عافيتها، تحتاج إلى "تدخلات فنية معقدة" وفق وصف أبو زر، وهذه التدخلات تشمل إزالة الطبقات الملوثة أو اللجوء إلى زراعة نباتات قادرة على امتصاص المعادن الثقيلة والتخلص منها بطرق آمنة.
كارثة بيئية وزراعية غير مسبوقة
أظهرت تقديراتٌ صادرةٌ عن منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية أنه حتى تشرين الأول/أكتوبر 2025 بلغت نسبة الأراضي الزراعية التي تعرضت للتدمير نحو 87% من إجمالي أراضي قطاع غزة.
بقايا المتفجرات والمعادن الثقيلة قد تبقى في التربة لسنوات طويلة، وتتسرب إلى المزروعات، ثم تنتقل إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية
ولذلك فإن مدير عام التربة والري في وزارة الزراعة بغزة بهاء الدين يوسف الأغا يصف ما لحق بالأراضي الزراعية في القطاع بأنه "كارثة بيئية وزراعية غير مسبوقة"، مبينًا أن تحليل "الفاو" أظهر تفاوتًا في حجم الدمار بين محافظة وأخرى، "ما يعكس اتساع نطاق الكارثة".
ويحذّر الأغا من التداعيات الخطيرة للتلوث الكيميائي الناجم عن بقايا المتفجرات والمعادن الثقيلة، موضحًا أن هذه المُركّبات قد تبقى في التربة لسنوات طويلة، وتتسرب إلى المزروعات، ثم تنتقل إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة والأمن الغذائي.
وبيّن أن التقييم الدقيق لحجم التلوث لا يزال تحديًا كبيرًا، في ظل تعذر إجراء تحاليل مخبرية متخصصة للتربة بسبب التدمير الكامل لمقرات الوزارة ومختبراتها، وفقدان أجهزتها ومعداتها، إضافة إلى استمرار الحصار ومنع إدخال تجهيزات مخبرية جديدة، ووجود نحو 60% من الأراضي الزراعية خلف ما يُعرف بالخط الأصفر، ما يعيق الوصول إليها وإجراء مسوحات ميدانية شاملة.
ويؤكد الأغا أن معالجة هذا الدمار تحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات مالية ضخمة تُقدّر بمليارات الدولارات، لافتًا إلى أن الأمم المتحدة قدّرت الأضرار في قطاع المياه والصرف الصحي وحده بأكثر من 500 مليون دولار.
وتحدث الأغا عن "جهود أولية" تُبذل بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين لاستصلاح بعض الأراضي ودعم المزارعين، إلا أنها ما تزال محدودة التأثير، في ظل استمرار القيود المفروضة، ومنع إدخال المعدات والآليات، وارتفاع تكاليف الوقود اللازم لتشغيلها.
تصحر وخلل في التوازن البيولوجي للتربة
ويثير الدمار الذي طال الأراضي في قطاع غزة مخاوف من تحول مساحاتٍ واسعةٍ إلى أراضٍ مهددة بالتصحر، وفقًا لأستاذ العلوم البيئية والبحرية في الجامعة الإسلامية عبد الفتاح عبد ربه، الذي أكد هو الآخر أن كثافة القصف ونوعية الأسلحة المستخدمة فيه، إلى جانب توغل الآليات الثقيلة فوق الأراضي الزراعية هما سبب ما حل بالتربة الزراعية في قطاع غزة.
ويوضح عبد ربه أن أبرز الملوثات الخطرة التي خلفها القصف في التربة هي المعادن الثقيلة السامة مثل الزئبق والرصاص والنحاس والكروم، مبينًا أن هذه العناصر لا تتحلل بسهولة، بل تتراكم في الطبقات السطحية للتربة، مسببة تلوثًا طويل الأمد يؤثر على سلامة المحاصيل وجودتها الغذائية.
ويضيف أن شدة الانفجارات والحرائق ودرجات الحرارة العالية، إضافة إلى مركبات متفجرة مثل "تي أن تي"، تسببت في القضاء على الكائنات الدقيقة النافعة – من بكتيريا وفطريات وطحالب – المسؤولة عن تثبيت النيتروجين وتحليل العناصر الغذائية، ما أخلّ بالتوازن البيولوجي للتربة وأفقدها جزءًا كبيرًا من خصوبتها.
شدة الانفجارات والحرائق ودرجات الحرارة العالية، إضافة إلى مركبات متفجرة مثل "تي أن تي"، تسببت في القضاء على الكائنات الدقيقة النافعة – من بكتيريا وفطريات وطحالب – المسؤولة عن تثبيت النيتروجين وتحليل العناصر الغذائية
ويحذر عبد ربه من أن طبيعة التربة الرملية في غزة تزيد احتمالية تسرّب الملوثات إلى المياه الجوفية، ما يفاقم المخاطر على الزراعة ومصادر المياه لنحو مليوني فلسطيني في القطاع.
وتقدَّر المساحة الإجمالية للأراضي الزراعية في غزة بنحو 186 ألف دونم، منها 93 ألف دونم كانت مزروعة بالخضروات، غير أن قرابة 90% منها خرجت عن الخدمة بفعل القصف والتجريف أو لوقوعها ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي حددته قوات الاحتلال عقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
ووفقًا لوزارة الزراعة في غزة، فإن نحو 60% من الأراضي الزراعية باتت تقع اليوم خلف هذا الخط، من بينها ما يقارب 30 ألف دونم بمحاذاة الحدود الشرقية.
الكلمات المفتاحية
أزمة الخبز في غزة تتفاقم: ما أسبابها؟
أكد مصدر مطلع على الأزمة، رفض الكشف عن هويته، خلال حديثه مع "الترا فلسطين" أن الأزمة تفاقمت نتيجة خفض برنامج الغذاء العالمي إنتاج الخبز بنسبة تتراوح بين 30 و40%
اقتصاد البقاء في غزة: حين يعيد الحصار تشكيل الحياة
يعيشون الناس في غزة "اقتصاد البقاء"، ويتركز تفكيرهم على تأمين احتياجاتهم اليومية، في ظل غياب فرص العمل وارتفاع معدل البطالة لأكثر من 80%
إغلاق الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال.. نهاية 35 عامًا من توثيق انتهاكات الاحتلال
توقفت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال - فلسطين عن العمل، منهيةً مسيرة امتدت لنحو 35 عامًا في توثيق انتهاكات حقوق الطفل الفلسطيني
الغارديان: نتنياهو مُني بسجل من الفشل الذريع في غزة ولبنان وإيران
قال جوناثان فريدلاند إنه بعد عامين ونصف من الحروب على إيران وغزة ولبنان مُني بنيامين نتنياهو بـ"سجل من الفشل الذريع"
معلومات استخباراتية أميركية: الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران
تشير معلومات استخباراتية أميركية إلى أن الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران خلال الأسابيع القليلة المقبلة
غزة: 6 شهداء و3 جرحى في خروقات مستمرة لوقف إطلاق النار
استُشهد ستة أشخاص وأصيب ثلاثة آخرون إثر غارة وسط قطاع غزة وإلقاء قنبلة على خيمة جنوب القطاع ليلة السبت
حُكام بريطانيا شركاء في إبادة قطاع غزة
يسعى بيتر أوبورن في كتابه "متواطئون"، إلى توثيق دور المملكة المتحدة في تدمير قطاع غزة وقتل سكانه، كاشفًا ما خلّفه ذلك من آثار عميقة في السياسة والمجتمع البريطانيَّين.