الاختناق البطيء: الحرب والحصار يفاقمان معاناة مرضى الربو في غزة
29 أبريل 2026
لم يعد منير أبو سرور (55 عامًا)، المريض بالربو، يقيس يومه بعدد الساعات، بل بعدد الأنفاس التي يتمكن من التقاطها دون ألم. فبعد عودته إلى منزله المتضرر في خان يونس، وجد نفسه محاطًا بالركام والغبار، داخل المنزل وخارجه، ما جعل نوبات الاختناق أكثر تكرارًا وحدّة، حتى لم يعد الربو مرضًا يمكن التعايش معه، خصوصًا مع غياب الأدوية وصعوبة الحصول على البخاخات أو أجهزة التنفس.
يقول منير بصوت متقطع وهو يحاول التقاط أنفاسه: "الغبار لا يتوقف. مع كل نسمة هواء أشعر أن صدري يضيق أكثر، وكأنني أتنفس من داخل كومة تراب".
سُجل في قطاع غزة ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بنوبات الربو الحاد وحساسية الصدر خلال فترة الحرب، ويُعزى ذلك إلى التدهور البيئي الحاد
حتى أبسط الأنشطة باتت تستنزف طاقة منير، وأحيانًا يستيقظ ليلًا على نوبة اختناق حادة، يبحث عن البخاخ فلا يجده، أو يكون قد نفد، فلا يكون أمامه مكان يهرب إليه من الهواء الملوث.
وخلال الحرب، اضطر منير إلى المبيت في المستشفى عدة مرات نتيجة نوبات اختناق شديدة، كانت تصل إلى حد تغيّر لون وجهه إلى الأزرق، في مؤشر خطير على نقص الأكسجين، وهي حالة لم تكن مألوفة قبل الحرب، إذ كانت نوبات الربو لديه أقل حدّة ونادرًا ما تستدعي تدخلاً طبيًا طارئًا.
أزمة الدواء تفاقم الألم
يروي منير أبو سرور أنه وصل ذات مرة إلى حالة حرجة، ما اضطر ابنه إلى البحث لمسافات طويلة بين صيدليات القطاع عن بخاخ للربو، قبل أن يعثر أخيرًا على عبوة واحدة فقط، واصفًا تلك اللحظة بأنها "فرحة كبيرة" لأنها تعني شيئًا من الطمأنينة وإن كانت مؤقتة بإمكانية إنقاذه عند اشتداد النوبة.
يشير منير إلى أنه كان يعتمد سابقًا على جهاز التبخيرة الذي يحول الدواء إلى رذاذ يصل مباشرة إلى الرئتين، إلا أنه لم يعد قادرًا على استخدامه بسبب انقطاع الكهرباء، ما حرمه من وسيلة علاج أساسية في الطوارئ. والآن، يحتاج منير إلى استخدام البخاخ ثلاث مرات يوميًا، لكنه يضطر للاكتفاء باستخدامه عند الضرورة بسبب الغلاء وشحّ الدواء.
بدائل ذات تأثير محدود
الطفلة سما بدوان (10 أعوام) تعيش في مخيم في خان يونس، وقد كان مرضها "تحت السيطرة نسبيًا" قبل الحرب، أما الآن فهي تعاني من نوبات بحدّة لم تعرفها من قبل، "ولا يكاد يمر يوم دون أن تصاب بنوبة سعال أو ضيق في التنفس" وفق والدتها.
تحاول الأم التخفيف من معاناة طفلتها بكل الوسائل المتاحة، عبر غلق فتحات الخيمة بإحكام ومنعها من الخروج أو اللعب بعيدًا عنها، إلا أن الغبار المتصاعد من الركام يجد طريقه إلى الداخل، ومع كل هبة ريح، تتجدد معاناة الطفلة، ويعلو صوت أنفاسها المتقطعة في مشهد يثقل قلب والدتها.
ولا تنسى والدة سما حين تعرّضت طفلتها لنوبة ربو حادة دون توفر بخاخ، وكادت تفقد حياتها لولا تدخل أحد الجيران الذي قدّم لها بخاخًا في اللحظة الأخيرة. تقول: "أخاف أن أفقدها في أي لحظة، فعندما تبدأ النوبة أشعر أنني عاجزة، لا دواء كافيًا ولا مكانًا نظيفًا نحتمي فيه".
ومع نقص العلاج، لجأت أسرة سما إلى بدائل مثل النعناع والبابونج، أو استنشاق بخار الماء الناتج عن غلي هذه النباتات، في محاولة لتخفيف الأعراض، وهي خيارات ذات تأثير محدود خصوصًا في النوبات الشديدة، حيث تحتاج الطفلة إلى تدخل دوائي سريع.
تنام سما في مساحة مشتركة مع عدد من الأطفال، ما يزيد من شعورها بالاختناق، خصوصًا في الليل، فتضطر أحيانًا للخروج إلى ساحة مفتوحة في ساعات متأخرة رغم البرد، فقط لتتمكن من التقاط أنفاسها.
ارتفاع حاد في نوبات الربو
يؤكد استشاري الأمراض الصدرية والباطنية في مستشفى الشفاء في غزة، محمد عبد المنعم تسجيل ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بنوبات الربو الحاد وحساسية الصدر خلال فترة الحرب، ويُعزى ذلك إلى التدهور البيئي الحاد، وما رافقه من انتشار واسع للغبار والركام، إلى جانب الدخان والملوثات وتراكم النفايات.
ويوضح عبد المنعم في حديث لـ"الترا فلسطين" أن هذا التأثير طال مختلف الفئات، إلا أن الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل والمصابين بأمراض مزمنة كانوا الأكثر تأثرًا، بمن فيهم من كانت حالاتهم مستقرة سابقًا ولا يحتاجون إلى استخدام منتظم للبخاخات.
ويُبين عبد المنعم أن الجسيمات الدقيقة الناتجة عن القصف والركام تحمل ملوثات كيميائية وميكروبية تصل إلى أعماق الجهاز التنفسي، فتسبب تهيّجًا حادًا في الشعب الهوائية وزيادةً في إفراز المخاط، وبالتالي تضييق المجاري التنفسية وحدوث نوبات اختناق متكررة.
ويضيف أن التعرض المتكرر لهذه الجسيمات يفاقم الأمراض المزمنة، مثل الانسداد الرئوي، خصوصًا لدى المرضى الأكثر هشاشة.
مضاعفات صحية طويلة الأمد
ويحذر عبد المنعم من أن التعرض المستمر للغبار والدخان والرماد لا يقتصر على الأعراض المؤقتة، بل قد يقود إلى مضاعفات بعيدة المدى، تشمل التهابات مزمنة في الشعب الهوائية، وربما تليّفًا رئويًا في بعض الحالات، خصوصًا لدى الأطفال الذين لا تزال رئاتهم في طور النمو.
ويؤكد أن هناك نقصًا حادًا في الأدوية الأساسية، خصوصًا موسعات الشعب الهوائية وأدوية الكورتيزون المستنشقة، إضافة إلى غياب بعض أجهزة التنفس، ما أثر سلبًا على المرضى ودفع كثيرين إلى استخدام بدائل محدودة وغير كافية، وأسهم في تدهور حالتهم. وبلغت نسبة انقطاع بعض أدوية العلاج طويل الأمد نحو 90% خلال فترة الحرب.
ويشدد الطبيب عبد المنعم على أهمية الوقاية عبر تجنب الغبار والازدحام والدخان، والحفاظ على بيئة جيدة التهوية، والالتزام بالإرشادات الطبية، إلى جانب تعزيز وعي الأهالي بكيفية التعامل مع نوبات الاختناق للحد من المخاطر وإنقاذ حياة المرضى.
مواد خطرة في الهواء
يؤكد الخبير في شؤون البيئة سعيد العكلوك أن الغبار الناتج عن الأنقاض يختلف في نوعه وخطورته عن الغبار الطبيعي، كونه ينشأ بفعل القصف والانفجارات التي تُفتّت المباني والمنشآت إلى جسيمات دقيقة جدًا.
الغبار الناتج عن الأنقاض يختلف في نوعه وخطورته عن الغبار الطبيعي، كونه ينشأ بفعل القصف والانفجارات التي تُفتّت المباني والمنشآت إلى جسيمات دقيقة جدًا
ويوضح العكلوك في حديث لـ"الترا فلسطين" أن هذا الغبار مزيج معقد لا يقتصر على الرمال، بل يضم جسيمات إسمنتية وفتاتًا حجريًا وبقايا بلاستيكية وأليافًا قد تحتوي على مواد خطرة مثل الأسبستوس، إلى جانب مركبات كيميائية ناتجة عن مواد البناء والمتفجرات.
ويبيّن أن خطورة هذا النوع من الغبار تكمن في طبيعته الفيزيائية والكيميائية، إذ تحمل هذه الجسيمات ملوثات قد تشمل معادن ثقيلة ومواد سامة وربما مسرطِنة، إضافة إلى مركبات خطرة مثل بقايا الفوسفور الأبيض.
ويضيف العكلوك أن هذه الجسيمات تصنف ضمن "بي أم 10" التي تترسب في الشعب الهوائية، و"بي أم 2.5" التي تصل إلى الحويصلات الرئوية وتبقى لفترات طويلة، ما يؤدي إلى زيادة أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو وضيق التنفس، وإضعاف المناعة وارتفاع مخاطر الأمراض المزمنة، بما فيها السرطانات.
أما بيئيًا، فبحسب العكلوك، يشكّل غبار الركام مصدر تلوث مستمر يُعاد إطلاقه مع الرياح أو أي نشاط بشري، ما يُبقي السكان تحت تعرض يومي، ولذلك فإن إزالة الركام شرط أساسي للحد من هذا التلوث.
ويشدد العكلوك على أن الواقع البيئي يشهد حالة من الانهيار، محذرًا من أن استمرار الوضع القائم دون معالجة شاملة تشمل وقف التدهور وإزالة الملوثات والبدء بعمليات التعافي البيئي، قد يؤدي إلى أضرار طويلة الأمد تستمر لعقود، وربما تصل إلى مستويات يصعب عكسها أو معالجتها مستقبلًا.
الكلمات المفتاحية
عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه
بعد نحو عام ونصف على نزوح أهالي مخيم طولكرم، عادت بعض العائلات الأربعاء، بشكل مؤقت إلى المخيم لجمع ما تبقى من مقتنياتها، في ظل الدمار الذي طال أجزاء واسعة منه
بعد صورته تحت جسر بالقاهرة.. الأسير المحرر نديم عواد: خرجنا من ذل السجن إلى ذل الحياة
قال عواد: "اضطررت للنوم تحت الجسر لمدة 15 يومًا، والصورة التي انتشرت ليست سوى جزء مما عشته خلال تلك الفترة"
قانون انتخابات التشريعي: أسئلة تتجاوز التعديل إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني
المرسوم الرئاسي بتعديل قانون الانتخابات فتح نقاشًا واسعًا يتجاوز الجانب التقني للتعديلات، ليصل إلى جوهر النظام السياسي
عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.
إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران
قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي
نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية
"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية