ultracheck
تقارير

البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟

11 يونيو 2026
البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟
حلت الخيام والبسطات مكان الاستراحات والمرافق السياحية والميناء
محمد النعامي
محمد النعامي صحفي من غزة

على امتداد ما تبقى من الشريط الساحلي لقطاع غزة، تظهر ملامح الصيف هذا العام كما لم يعهدها الغزيون من قبل، فالبحر الذي شكل على الدوام متنفسًا لعائلاتهم وأطفالهم، تحول اليوم إلى ساحة تختلط فيها مياهٌ ملوثةٌ بخيام نزوحٍ تمتد بمحاذاة الساحل.

 غالبية أصحاب المشاريع السياحية لا يفكرون حاليًا بإعادة تشغيل أعمالهم، ويرجع ذلك إلى حجم الخسائر التي تعرضوا لها، والخشية من تكرار الاجتياحات البرية وعمليات التدمير الواسعة

وعلى الشاطئ تتناثر النفايات بعد أن تحولت مساحات منه إلى مكبات للقمامة، فيما تتدفق مياه الصرف الصحي إلى البحر بشكل مستمر. وبجوار هذا التلوث سترى أطفالاً يحاولون الهروب من حرارة الصيف المرتفعة بالقفز إلى المياه الملوثة.

أين ذهبت غزة التي نعرفها؟

قبل الحرب، كانت شواطئ غزة تضم آلاف المنشآت السياحية ما بين منتجعات واستراحات وشاليهات ومسابح، إلى جانب مدن الملاهي والمرافق السياحية التي كانت تستقبل آلاف الزوار خلال أشهر الصيف. أما اليوم، فقد تعرضت معظم هذه المرافق للتدمير، فيما خرجت مرافق أخرى من الخدمة نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية.

كما تحولت مساحات واسعة من المناطق الساحلية التي كانت تستقطب العائلات إلى مخيمات نزوح مكتظة بالخيام. ووفقًا للهيئة الفلسطينية للمطاعم والفنادق والخدمات السياحية، فإن الإبادة الجماعية تسببت في تدمير أكثر من 97% من المنشآت السياحية بشكل كلي، فيما تجاوزت الخسائر المباشرة 3.9 مليارات دولار.

منشأة سياحية وسط القطاع دمرها الاحتلال

وأدى توقف النشاط السياحي إلى تعطيل جميع العاملين في هذا القطاع، والبالغ عددهم نحو 15 ألفًا و265 عاملاً وعاملة، ما أفقد آلاف الأسر مصدر دخلها الرئيسي، فيما قدرت الخسائر المالية المباشرة وغير المباشرة للعاملين بنحو 720 مليون دولار.

أما فيما يتعلق بقطاع الاصطياف، فقد دمرت 4992 منشأة سياحية، من بينها 17 منتجعًا سياحيًا و22 فندقًا بشكل كامل، إضافة إلى أكثر من 439 شاليها سياحيًا، بحسب الهيئة الفلسطينية للمطاعم والفنادق والخدمات السياحية.

وعلى امتداد شارع الرشيد الساحلي، الذي كان يومًا من أكثر شوارع قطاع غزة حيوية وجمالاً، تظهر آثار الدمار بينما تغيب مواكب الأعراس التي كانت تملأ المكان بالحياة، فيما خرجت جميع الفنادق والمطاعم والاستراحات والمقاهي التي كانت في الشارع عن الخدمة بشكل كامل.

وحلت الخيام والبسطات مكان الاستراحات والمرافق السياحية والميناء، بينما انخفضت حركة المركبات بشكل ملحوظ على امتداد المنطقة الواقعة بين السودانية ودوار النابلسي، وهي المنطقة التي كانت تشهد ازدحامًا كبيرًا خلال مواسم الصيف السابقة.

يقول فادي حمودة، وهو صاحب استراحة دمرها الاحتلال في منطقة الشيخ عجلين، إن موسم عمله كان يبدأ من أيار/مايو وحتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر، وقد استثمر فيها مبالغ كبيرة واقترض من أجل تطويرها باعتبارها "مشروع العمر" كما يقول.

ويوضح حمودة أنه مع اجتياح الاحتلال لمدينة غزة ووصوله إلى الشاطئ دُمّرت الاستراحة بالكامل، وسُوّيت المنطقة بالأرض، رغم أنها كانت مرتفعة عن مستوى البحر بأكثر من عشرة أمتار، كما دُمّرت جميع الاستراحات المجاورة.

وبيّن حمودة أن غالبية أصحاب المشاريع السياحية لا يفكرون حاليًا بإعادة تشغيل أعمالهم، ويعزو ذلك إلى حجم الخسائر التي تعرضوا لها، وحالة انعدام اليقين والخشية من تكرار الاجتياحات البرية وعمليات التدمير الواسعة، مع تصاعد الاستهدافات الدموية مؤخرًا.

بحر من التلوث

وإلى جانب الدمار الذي أصاب المرافق السياحية، يواجه الفلسطينيون في قطاع غزة مشكلة أخرى تتمثل في التلوث المتزايد لمياه البحر. فبحسب بيانات الأمم المتحدة، يتم يوميًا تصريف ما بين 80 ألفًا و100 ألف متر مكعب من المياه العادمة إلى البحر، نتيجة تضرر شبكات ومحطات الصرف الصحي وتدمير الاحتلال لكافة محطات المعالجة.

يقول علي سعد، أحد المنقذين البحريين على شاطئ الزوايدة، إن موسم الاصطياف الحالي يختلف جذريًا عما كان عليه قبل الحرب، فالبحر اليوم تحول بالنسبة لكثيرين إلى مكانٍ للنزوح والتزود بالمياه المخصصة للاستخدام اليومي أكثر من كونه مكانًا للترفيه والاستجمام.

وأضاف: "حتى عندما يقصد الناس البحر للسباحة، فإنهم لا يعرفون أين يمكنهم السباحة بأمان بسبب التلوث الكبير الناتج عن تصريف مياه الصرف الصحي مباشرة إلى الشاطئ، سواء من شبكات المجاري أو من المخيمات والخيام المنتشرة على طول الساحل".

الشاطئ بات مليئًا بجداول مياه الصرف الصحي، ما أدى إلى تلوث معظم المناطق الساحلية وتحول لون المياه في أجزاء واسعة منها إلى السواد

وأشار سعد إلى أن الشاطئ بات مليئًا بجداول مياه الصرف الصحي، ما أدى إلى تلوث معظم المناطق الساحلية وتحول لون المياه في أجزاء واسعة منها إلى السواد، على عكس ما كان عليه الحال قبل الحرب، حيث مناطق تصريف المياه العادمة محددة ومعروفة ويتجنبها الناس.

بحر غزة
أطفال يسبحون بجوار مضخة مياه صرف صحي مركزية قبالة دير البلح

وأكد أن العديد من الأطفال والشبان يتوجهون إلى المناطق الساحلية المقابلة لمحور "نتساريم"، وهي مناطق تفتقر إلى وجود منقذين بحريين أو خدمات بلدية، الأمر الذي تسبب في وقوع العديد من حوادث الغرق، فضلاً عن كون تلك المناطق ملوثة أيضًا.

شاطئ نتساريم الخالي من أي منقذين بحريين

وأضاف المنقذ سعد أن المخاطر لا تقتصر على التلوث فقط، بل تشمل أيضًا استهداف الزوارق الحربية الإسرائيلية للصيادين والشواطئ والخيام الساحلية، ما يجعل التواجد على البحر محفوفًا بالمخاطر، مؤكدًا أن صيف غزة الحالي لا يشبه بأي حال من الأحوال مواسم الصيف التي عرفها الناس قبل الحرب.

أسعار باهظة للاصطياف

ومع تدمير الجزء الأكبر من المرافق السياحية، ارتفعت أسعار ما تبقى من الشاليهات والاستراحات العاملة إلى مستويات غير مسبوقة. وبحسب إعلانات تأجير للشاليهات، فإن تكلفة استئجار شاليه واحد لمدة 24 ساعة وصلت إلى نحو 3000 شيكل أو أكثر، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو أصبحت تعتمد على المساعدات الإنسانية المحدودة، بعد أن كانت أسعار الإيجار تتراوح قبل الحرب ما بين 250 إلى 500 شيكل.

يأتي ذلك في وقت يعيش فيه قطاع غزة أوضاعًا اقتصادية وإنسانية توصف بأنها الأسوأ في تاريخه الحديث، حيث ارتفعت معدلات الفقر إلى نحو 90% من إجمالي السكان، والبطالة إلى نحو 80%، فيما فقدت آلاف الأسر منازلها ومصادر رزقها.

وتعيش غالبية العائلات في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط نقص حاد في الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، وفي ظل درجات الحرارة المرتفعة داخل الخيام، يضطر الأطفال والشبان للبحث عن أي وسيلة للتخفيف من الحر، حتى وإن كان ذلك عبر السباحة في مياه ملوثة أو الجلوس على شاطئ مكتظ بالنفايات والخيام.

المناطق المتاحة للسباحة محدودة جدًا وتقابلها استراحات تتطلب أسعارًا عالية

ويصف الشاب عبد الله أبو دحروج صيف غزة هذا العام بأنه "الأكثر كآبة"، مشيرًا إلى أن آمال السكان باستعادة جزء من حياتهم الطبيعية بعد وقف إطلاق النار اصطدمت بواقع مختلف تمامًا.

وقال أبو دحروج إن الخيارات المتاحة أمام العائلات للاصطياف أو قضاء أوقات من الراحة والترفيه باتت شبه معدومة، في ظل الارتفاع غير المسبوق في أسعار الشاليهات والاستراحات والمنشآت السياحية.

وأضاف أن البحر، الذي كان يمثل المتنفس الوحيد للفلسطينيين في قطاع غزة، لم يعد يوفر هذا الدور بعد تحول أجزاء واسعة من الساحل إلى مناطق مكتظة بالنازحين، بالتزامن مع تفاقم التلوث البحري.

الخيارات المتاحة أمام العائلات للاصطياف أو قضاء أوقات من الراحة والترفيه باتت شبه معدومة، في ظل الارتفاع غير المسبوق في أسعار الشاليهات والاستراحات والمنشآت السياحية

وقال: "انتظرنا نهاية الحرب طويلاً، وكنا نعتقد أن وقف إطلاق النار سيمنح الناس فرصة لالتقاط أنفاسهم واستعادة بعض مظاهر الحياة، لكننا فوجئنا بأن أول موسم صيف بعد الحرب لا يختلف كثيرًا عن أيام الحرب، فالأسعار أصبحت خيالية، واستئجار شاليه أو استراحة ليوم واحد بات مستحيلاً بالنسبة لمعظم الأسر، فيما زادت عودة الاستهدافات الجوية من مشاعر الخوف وانعدام الأمان، وكأن الحرب لم تنته أصلاً".

ويعتقد أبو دحروج أن المرافق الترفيهية المتبقية أصبحت مقتصرة على شريحة محدودة من المجتمع تضم العاملين في المؤسسات الدولية وكبار التجار وأصحاب الدخل المرتفع، بينما يجد المواطن العادي نفسه عاجزًا عن تحمل هذه التكاليف.

وأضاف: "أغلقت أمامنا معظم سبل الحياة الطبيعية. لا خيارات لدينا سوى البقاء داخل الخيام في ظل درجات حرارة مرتفعة وظروف معيشية قاسية. أما الصيف الذي كان يرتبط بالعطل والرحلات والبحر فتحول إلى موسم جديد من المعاناة، يذكر آلاف العائلات بفقدان مصادر رزقها وانتشار البطالة والفقر".

وفي موازاة هذه الظروف، تزايدت التحذيرات من تداعيات السباحة في المياه الملوثة، إذ إنها قد تتسبب بأمراض جلدية والتهابات معوية وأمراض أخرى مرتبطة بتلوث المياه. كما تزداد المخاطر على الأطفال بشكل خاص نتيجة ضعف المناعة وسهولة انتقال العدوى بينهم.

الكلمات المفتاحية

تحفيظ القران في غزة

صيف بلا ترفيه.. وحلقات القرآن "البديل الآمن" لأطفال غزة

مراكز تحفيظ القرآن أصبحت مساحة تربوية آمنة تقدم للأطفال برامج تعليمية وترفيهية هادف


جرحى وأسرى وعائلات شهداء يواصلون الاعتصام في رام الله: "نطالب بكرامتنا لا برواتبنا"

اعتصام الجرحى وذوي شهداء مستمر في رام الله: محاولة انتحار تكشف عمق الأزمة

يشعر المعتصمون أنهم وصلوا إلى "طريق مسدود" بعد نحو شهرين من الاحتجاج المتواصل دون تحقيق أي تقدم ملموس


بعد 32 شهرًا في الحبس المنزلي.. الصحفية سمية جوابرة أمام قضاء الاحتلال مجددًا

بعد 32 شهرًا في الحبس المنزلي.. الصحفية سمية جوابرة أمام قضاء الاحتلال مجددًا

لم تتمكن سمية جوابرة من حضور زفاف إحدى شقيقاتها، ولا مشاركة شقيقتها الأخرى في مناسبة تخرجها، كما غابت عن والدَيها خلال فترات مرضهما


أمّ ترفع الراية البيضاء قرب الخط الأصفر منذ أيام لتستعيد جثمان ابنها

"أم محمد" ترفع الراية البيضاء قرب "الخط الأصفر" منذ أيام لتستعيد جثمان ابنها

تخشى "أم محمد" أن يكون جسد ابنها قد تحلل أو نهشته الكلاب بعد مرور تسعة أيام على استشهاده

6 شهداء في غزة بينهم مرافق الناطق باسم حماس
أخبار

6 شهداء في غزة بينهم مرافق الناطق باسم حماس

بلغ عدد الشهداء منذ اتفاق وقف إطلاق النار حتى صباح الخميس 1092 شهيدًا

من 20 ألفًا إلى 20 فقط.. قوة ترامب الدولية لغزة بلا جنود
راصد

من 20 ألفًا إلى 20 فقط.. قوة ترامب الدولية لغزة بلا جنود

كشفت "وول ستريت جورنال" أن خطة ترامب لنشر قوة دولية قوامها 20 ألف جندي في غزة، لا تزال بعد أشهر من الإعلان عنها بعيدة كل البعد عن التنفيذ الفعلي


المرشح المحتمل لرئاسة وزراء بريطانيا: موقفنا من حرب غزة لم يكن صائبًا ويحتاج إلى تحسين
راصد

المرشح المحتمل لرئاسة وزراء بريطانيا: موقفنا من حرب غزة لم يكن صائبًا ويحتاج إلى تحسين

آندي بيرنهام يعتذر عن موقف حزب العمال بشأن غزة، ويقول إن الحزب "لم يتصرف بالشكل الصحيح"


ترامب: المحادثات مع إيران ستستمر لكن وقف إطلاق النار انتهى
أخبار

ترامب: المحادثات مع إيران ستستمر لكن وقف إطلاق النار انتهى

قال دبلوماسي: "من الواضح أن كلا الجانبين يرغبان في العودة إلى مذكرة التفاهم"

الأكثر قراءة

1
تقارير

شهادات لـ"الترا فلسطين": نساء بالضفّة يتعرضن للإرهاب الجنسي من المستوطنين


2
تقارير

قبل أن يحمل ابنته ويحرس عرين فلسطين.. رصاصة الاحتلال تُسقط حلم الحارس سليم الأشقر


3
تقارير

"بابا تعال عندنا".. آخر مكالمة بين مالك ووالده قبل استشهاده في دير البلح


4
تقارير

"كانت عصفورة الخيمة".. عن ساعات الطفلة ألين الفرا الأخيرة قبل استشهادها


5
فيديو

فيديو | مجاهد بني مفلح.. 14 شهرًا بين الاعتقال والعلاج وأمل العودة