الحرب غيّرت قواعد العمل.. كيف أصبح العامل الحلقة الأضعف في غزة؟
29 يونيو 2026
في أحد محال الملابس بغزة، تقضي سوسن داود عشر ساعات يومياً مقابل 25 شيقلًا، أحيانًا أقل. كانت قبل الحرب تعمل في مشغل خياطة، لكن القصف أزاله من الخريطة، فاضطرت إلى القبول بما يُعرض عليها. تقول ببساطة: "شكوى يعني طرد".
حين دمرت الحرب المصانع والورش والأسواق في قطاع غزة، لم تتوقف خطوط الإنتاج فقط، بل توقفت معها حياة مئات آلاف العمال الذين وجدوا أنفسهم خارج سوق العمل، أو داخله بشروط جديدة لا تحكمها العقود بقدر ما تفرضها الحاجة. وبينما يتحدث العالم عن إعادة الإعمار، يخوض آلاف العمال معركة مختلفة، عنوانها البحث عن أي فرصة عمل، حتى لو كانت بلا عقد، أو بأجر لا يكفي ثمن المواصلات، أو من دون أي ضمانة قانونية تحفظ حقوقهم. ولا تبدو الأزمة مجرد موجة بطالة عابرة، بل تحولًا جذريًا أصاب بنية سوق العمل في غزة.
إذا كان آلاف العمال فقدوا وظائفهم بالكامل، فإن من استطاعوا العثور على فرصة جديدة وجدوا أنفسهم في سوق عمل مختلف تماماً، تحكمه وفرة اليد العاملة، وغياب الرقابة، والخوف من فقدان الوظيفة أكثر من الخوف على الحقوق
أرقام تكشف الحجم الحقيقي للكارثة
في الأشهر الأولى من الحرب، قدّرت منظمة العمل الدولية فقدان أكثر من 200 ألف وظيفة، مع خسائر يومية في دخل العمل بلغت نحو 4.1 ملايين دولار. ومع تصاعد الحرب، رفع الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين هذا الرقم إلى نحو 400 ألف عامل فقدوا أعمالهم. وبحلول الربع الأخير من عام 2024، كانت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تُظهر أن 74% من العاملين في غزة فقدوا وظائفهم أو خرجوا من سوق العمل، وأن نسبة البطالة بلغت 68%، فيما تراجعت نسبة المشاركة في القوى العاملة من نحو 40% قبل الحرب إلى 25%. وفي عام 2025، رصد البنك الدولي بطالة بلغت 78%، مع تجاوز نسبة العاطلين في سن العمل 90%، في واحدة من أعلى النسب المسجلة عالميًا.
وفي الخلفية، كان الناتج المحلي الإجمالي للقطاع ينكمش بنحو 84.7%، وهو من أكبر معدلات الانكماش الاقتصادي التي شهدتها مناطق النزاعات في السنوات الأخيرة.
ولا تنعكس هذه الأرقام على سوق العمل وحده، إذ يؤكد البنك الدولي أن الحرب دفعت غزة إلى مستويات غير مسبوقة من الفقر، حتى باتت الغالبية الساحقة من السكان تعيش تحت خط الفقر وتعتمد بدرجات متفاوتة على المساعدات الإنسانية بعد انهيار مصادر الدخل وتوقف النشاط الاقتصادي.
وامتد الانهيار إلى القطاعات التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي. فقد تعرضت نحو 90% من المنشآت الصناعية للتدمير الكلي أو الجزئي، من أصل أكثر من 4500 منشأة كانت تشغل قبل الحرب نحو 53 ألف عامل. كما تعطلت مشاريع الإنشاءات التي كانت توفر فرص عمل لنحو 40 ألف عامل، وتضرر القطاع الزراعي الذي كان يستوعب قرابة 35 ألف عامل، إلى جانب قطاع النقل الذي كان يعمل فيه نحو 20 ألف سائق، وقطاع الصيد الذي يعتمد عليه أكثر من 4 آلاف صياد، وقطاع الخياطة الذي كان يشغل نحو 8 آلاف عامل، فضلاً عن آلاف العاملين في المطاعم والخدمات والسياحة.
ويقول المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن هذه الأرقام لا تعكس حجم البطالة فقط، وإنما تكشف أن الاقتصاد فقد خلال فترة قصيرة جزءاً كبيراً من طاقته الإنتاجية، وهو ما أدى إلى توقف دورة الإنتاج والاستهلاك معاً، وخلق أزمة تتجاوز خسارة الوظيفة إلى تهديد قدرة الاقتصاد على التعافي في المستقبل.
من المصانع المدمرة إلى حقوق معلقة
كان نائل أبو تايه يعمل في أحد مصانع غزة قبل أن تتوقف خطوط الإنتاج مع بداية الحرب. يقول: "بعد توقف المصنع كنا نطالب باستمرار بالحصول على مستحقاتنا، وكان صاحب المصنع يؤكد لنا أن حقوقنا محفوظة وبمجرد أن تهدأ الأوضاع سنحصل عليها". لكن الأيام حملت واقعًا مختلفًا.
ويضيف: "بعد دخول قوات الاحتلال إلى المنطقة الصناعية دمر المصنع بالكامل، ومنذ ذلك الوقت لم أحصل على أي حق من حقوقي، وحتى مكتب العمل الذي كان العمال يلجؤون إليه لم يكن يمارس مهامه خلال الحرب".
ولا تختلف قصة محمود، وهو اسم مستعار، كثيراً عن نائل، وإن جاءت من قطاع مختلف. فبعد نحو خمس سنوات من العمل مع إحدى المؤسسات الصحفية، واصل خلالها أداء مهامه طوال الحرب، وجد نفسه يتلقى رسالة هاتفية بعد الهدنة تبلغه بإنهاء خدماته، مع جدولة مستحقاته المالية على عامين. يقول: "نفذت كل المهام المطلوبة مني طوال الحرب، لكنني فوجئت برسالة تخبرني بالاستغناء عني دون أي مبررات. حاولت مقابلة إدارة المؤسسة ورفعت كتبًا رسميةً، لكن القرار بقي كما هو." ويرى أن عددًا من المؤسسات لجأ إلى إنهاء خدمات موظفين أو إعادة هيكلة عقودهم وجدولة مستحقاتهم المالية بسبب ظروف الحرب وتراجع التمويل، مضيفًا: "في النهاية محدش خسران قد العامل".
وتكشف هاتان الشهادتان أن الحرب لم تدمر أماكن العمل فقط، بل عطلت أيضاً المنظومة التي تنظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل.
ويؤكد رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في غزة، سامي العمصي لـ"الترا فلسطين"، أن نقابة العمال ومكاتب وزارة العمل توقفت عن أداء جزء كبير من مهامها خلال الحرب نتيجة الظروف الميدانية، إلا أنها بدأت تدريجيًا استئناف متابعة المخالصات المالية وترتيب أوضاع العمال في المؤسسات التي ما زالت تعمل.
ويضيف أن المؤسسات التي دمرت بالكامل لا يمكن حاليًا إلزام أصحابها بدفع مستحقات العاملين، لذلك يجري تثبيت الحقوق المالية للعاملين إلى حين تمكن أصحاب تلك المؤسسات من إعادة ترتيب أوضاعها.
ويشير العمصي إلى أن النقابة تتابع شكاوى العمال الذين يتعرضون للظلم، إلا أن الغالبية لا تتقدم بشكاوى خوفًا من خسارة فرص العمل المحدودة، وهو ما خلق بيئة سمحت بزيادة الاستغلال، خاصة مع انتشار التشغيل بالمياومة ومن دون عقود أو تسجيل رسمي لدى الجهات المختصة.
حين تفرض الحاجة شروط العمل
إذا كان آلاف العمال فقدوا وظائفهم بالكامل، فإن من استطاعوا العثور على فرصة جديدة وجدوا أنفسهم في سوق عمل مختلف تماماً، تحكمه وفرة اليد العاملة، وغياب الرقابة، والخوف من فقدان الوظيفة أكثر من الخوف على الحقوق.
سوسن داود، التي خسرت مشغل الخياطة الذي عملت فيه قبل الحرب، تعمل اليوم في محل ملابس عشر ساعات يومياً مقابل 25 شيقلًا، أحيانًا أقل. تقول: "في ظل قلة فرص العمل لا أحد يستطيع الاعتراض. شكوى يعني طرد، وأصحاب العمل يستغلون الواقع، وإذا رفضت العمل هناك ألف شخص مستعد يشتغل بأقل من أجرك".
ولا تختلف تجربة سامر حرارة كثيرًا، بعدما اضطر إلى تغيير مكان عمله أكثر من مرة منذ اندلاع الحرب. يقول: "الناس بتشوف كل يوم مول أو مطعم أو كافيه جديد، وبتقول غزة بتتعافى، لكن داخل هاي المحلات في ظلم كبير للعمال".
ويضيف: "اشتغلت بأكثر من مكان، واليومية وصلت أحياناً إلى 20 شيقلًا مقابل 12 ساعة عمل، وقد تمتد أكثر في المواسم. وإذا تأخرت أو اشتكى زبون منك، يخصمون من يوميتك. هاي اليومية ما بتجيب كيلو لحمة، وبالكاد بتغطي المواصلات".
وتختصر هذه الشهادات واقعاً جديداً فرضته الحرب، حيث لم تعد المنافسة بين أصحاب العمل على استقطاب العمال، بل بين العمال أنفسهم للحصول على أي فرصة عمل، وهو ما أضعف قدرتهم على التفاوض بشأن الأجور أو ظروف العمل، ورسخ أشكالًا من التشغيل المؤقت وغير المنظم.
ويؤكد سامي العمصي أن الأجور السائدة اليوم أصبحت أقل بكثير من مستوياتها قبل الحرب، كما أن عددًا من المؤسسات لجأ إلى تشغيل عمال بالمياومة ومن دون عقود رسمية أو تسجيل لدى وزارة العمل أو النقابة، بسبب خصوصية المرحلة، الأمر الذي حرم كثيراً من العمال من ضمانات أساسية، مثل إثبات علاقة العمل، والمطالبة بالمستحقات، وتوثيق سنوات الخدمة.
ويضيف أن النقابة تعمل، رغم الإمكانات المحدودة، على إعادة متابعة شكاوى العمال والمخالصات المالية في المؤسسات القائمة، إلا أن المهمة تبقى معقدة في ظل حجم الدمار واتساع البطالة، مؤكداً أن كثيراً من العمال يمتنعون عن تقديم شكاوى خوفاً من فقدان مصدر رزقهم الوحيد.
اقتصاد ينتظر فتح المعابر قبل التعافي
ورغم افتتاح بعض المطاعم والمقاهي والمحال التجارية خلال الأشهر الأخيرة، يرى أحمد أبو قمر أن هذه المشاهد لا يمكن اعتبارها مؤشرًا على تعافٍ اقتصادي حقيقي. فمعظم النشاط الاقتصادي القائم اليوم يتركز في القطاع الخدمي، الذي يُقدَّر بنحو 80% من النشاط الاقتصادي الحالي في غزة، بينما ما تزال القطاعات الإنتاجية، الصناعة والزراعة والإنشاءات، تعاني شللاً واسعاً. وهذا التفاوت هو جوهر المشكلة: الاقتصادات تتعافى بالإنتاج والتصدير والاستثمار، لا بالاستهلاك والخدمات وحدها.
ويحذر من أن أي مرحلة مقبلة لا تترافق مع فتح كامل ومستدام للمعابر، وإعادة إدخال المواد الخام، وإحياء القطاعات الإنتاجية كافة، ستبقي قطاع غزة في حالة اقتصاد مغلق يعتمد على التداول الداخلي أكثر من اعتماده على الإنتاج الحقيقي، وهو ما سيحد من قدرة السوق على خلق فرص عمل مستقرة ويؤخر التعافي الاقتصادي.
وتتفق هذه القراءة مع تقديرات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، اللذين يشيران إلى أن استمرار البطالة عند هذه المستويات سيؤدي إلى اتساع رقعة الفقر، وزيادة اعتماد الأسر على المساعدات الإنسانية، وتآكل المهارات المهنية مع طول فترات التعطل، وهو ما يرفع كلفة التعافي الاقتصادي والاجتماعي في السنوات المقبلة.
في غزة اليوم، لم تعد الأزمة تقتصر على فقدان الوظيفة، بل تمتد إلى فقدان الحماية التي يفترض أن ترافقها. فالعامل الذي يقبل بيومية لا تكفي احتياجاته الأساسية، أو يعمل بلا عقد خوفاً من البطالة، لا يخسر جزءاً من دخله فحسب، بل يخسر أيضاً جزءاً من حقوقه.
الحرب لم تدمر المصانع والمنشآت فقط، بل أعادت رسم سوق العمل نفسه، حيث أصبحت الحاجة، لا القانون، هي التي تحدد شروط الوظيفة وأجرها وحقوق صاحبها. وحتى مع بدء إعادة الإعمار يوماً ما، سيبقى تعافي الاقتصاد ناقصاً ما لم يستعد العامل حقه في وظيفة مستقرة، وأجر عادل وحماية قانونية تعيد التوازن إلى سوق أنهكته الحرب.
الكلمات المفتاحية
برصاصة مستوطن.. الممرض محمد مطور يصارع الشلل النصفي ويحلم بالعودة إلى حياته
لم يكن الممرض محمد نبيل مطور، البالغ من العمر 26 عامًا، يتوقع أن تنتهي زيارته إلى منزل ابن خاله في خربة الدوارة، الواقعة بين بلدتي بني نعيم وسعير شرق الخليل، برصاصة إسرائيلية تستقر في عموده الفقري وتغيّر حياته في لحظات.
إجازة بلا لعب.. أطفال غزة يعملون لإعالة أسرهم ويبحثون عن لقمة العيش
لم تعد الإجازة الصيفية في غزة تعني للأطفال وقتًا للراحة أو اللعب، كما كانت في السنوات السابقة، فمع استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، تحولت العطلة إلى رحلة يومية في البحث عن لقمة العيش
أوامر هدم إسرائيلية تهدد نحو 80 فلسطينيًا بالتهجير من كفر صور جنوب طولكرم
أخطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، يوم الخميس، بهدم أربعة مبانٍ سكنية ومزرعة في المنطقة الغربية من قرية كفر صور، جنوب طولكرم، مهددةً نحو 80 فلسطينيًا بالتهجير من منازلهم
أول لقاء معلن منذ بداية الحرب.. حماس بقيادة الحية تلتقي وفدًا من "التيار" يضم محمد دحلان
التقى وفد من قيادة حركة حماس، برئاسة رئيس مكتبها السياسي خليل الحية، ظهر الإثنين، وفدًا من ما يعرف بـ"تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح"، برئاسة محمد دحلان
حماس والفصائل في القاهرة: الاحتلال يعطل خارطة الطريق ويواصل خروقاته
رئيس المكتب السياسي لحماس خليل الحية يلتقي قادة الفصائل في القاهرة لبحث تطورات اتفاق غزة.