ultracheck
قول

الحريديم في المستوطنات: ديموغرافيا غير أيديولوجية تعمّق الاستيطان وتُفشل أي حل سياسي

30 ديسمبر 2025
الحريديم في المستوطنات: ديموغرافيا غير أيديولوجية تعمّق الاستيطان وتُفشل أي حل سياسي
Photo by HAZEM BADER/AFP via Getty Images
أنس أبو عرقوب
أنس أبو عرقوبصحفي مختص بالشأن الإسرائيلي

يُقدَّم التزايد المتسارع في أعداد الحريديم، اليهود المتشددين دينيًا المقيمين في المستوطنات المقامة بالضفة الغربية، في الخطاب الإسرائيلي السائد، على أنه تطور اجتماعي–اقتصادي "طبيعي": حلّ لأزمة السكن، استجابة للنمو السكاني المرتفع داخل المجتمع الحريدي، أو نتيجة مباشرة لارتفاع أسعار العقارات داخل الخط الأخضر. غير أن هذا التفسير، من منظور فلسطيني ودولي، يخفي حقيقة أكثر خطورة: نحن أمام مسار سياسي بنيوي يعمّق المشروع الاستيطاني الإحلالي، لا عبر خطاب أيديولوجي صريح، بل من خلال آليات مدنية–ميزانياتية تُنتج استيطانًا صامتًا، أكثر رسوخًا وأشد مناعة في وجه النقد والمساءلة.

الاستيطان الحريدي يخلق وضعًا خاصًا: توسيع الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية لا يتم عبر قرارات سياسية صاخبة أو إعلانات ضم رسمية، بل من خلال ممارسات يومية تتعلق بالإسكان، والتعليم، والرفاه الاجتماعي

مصطلح "الصهيونية الدينية" يُطلق على التيارات الدينية الإسرائيلية التي تزاوج بين التطرّف القومي والديني، وتعتمد على التوراة بصفتها تعطي الحقّ لليهود باحتلال كافة الأراضي الفلسطينية. ويؤمن أتباع هذا التيار بضرورة الفعل البشري النشط لتحقيق سيادة يهودية على كامل أرض إسرائيل التوراتية/فلسطين التاريخية، بخلاف تيارات دينية حريدية ترى أن قيام دولة "إسرائيل" يتحقق فقط من خلال إرادة إلهية بنزول المسيح، وأنصار هذه التيارات يرفضون تأدية الخدمة العسكرية.

بعكس المستوطنين المنتمين إلى التيار القومي–الديني، لا يتحرك الحريديم في الغالب بدوافع قومية أو رؤى دينية–خلاصية مرتبطة بـ“أرض إسرائيل الكاملة”. لكن المفارقة أن هذا الغياب النسبي للأيديولوجيا هو ما يجعل حضورهم في المستوطنات أكثر خطورة؛ إذ يجري تطبيع الاستيطان وتحويله من مشروع سياسي استعماري إلى “مسألة مدنية” تتعلق بالسكن والخدمات، بما يطمس طابعه غير القانوني كونه انتهاكًا مستمرًا وجسيمًا للقانون الدولي.

المستوطنات الحريدية، وفي مقدمتها موديعين عيليت، بيتار عيليت، وجفعات زئيف، لا تُقدّم نفسها كبؤر أيديولوجية، بل كمدن مكتملة. لا تتحدث بلغة الخلاص الديني، بل بلغة “الحقوق”: الحق في السكن، والتعليم، والدعم الحكومي. إلا أن هذا الخطاب لا يغيّر الحقيقة القانونية: فوفقًا للقانون الدولي الإنساني، لا فرق بين مستوطنة “أيديولوجية” وأخرى “اجتماعية”. كلاهما يشكّل نقلًا منظّمًا لسكان مدنيين تابعين للقوة القائمة بالسيطرة إلى أرض محتلة، في خرق واضح لاتفاقية جنيف الرابعة.

الاستيطان الحريدي يخلق وضعًا خاصًا: توسيع الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية لا يتم عبر قرارات سياسية صاخبة أو إعلانات ضم رسمية، بل من خلال ممارسات يومية تتعلق بالإسكان، والتعليم، والرفاه الاجتماعي. إنه استعمار هادئ، لكنه بالغ الفاعلية، لأنه ينتج كتلة سكانية مدنية ضخمة، شابة، ومعتمدة بالكامل على استمرار السيطرة الإسرائيلية، ما يجعل أي محاولة مستقبلية للتفكيك أو الانسحاب شبه مستحيلة.

تشير المعطيات الرسمية إلى أن الحريديم يشكّلون اليوم نحو 38% من مجموع الإسرائيليين المقيمين في مستوطنات الضفة الغربية، أي ما يقارب 200 ألف شخص. أكثر من نصف هذه الكتلة السكانية دون سن التاسعة عشرة، وفي المدن الحريدية الاستيطانية الكبرى تصل نسبة الأطفال إلى 60% وأكثر. الدلالة واضحة: حتى من دون إقامة مستوطنات جديدة، فإن “النمو الطبيعي” وحده كفيل بضمان تعميق التوسع الديموغرافي الاستيطاني.

وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الإسرائيلي حتى سبتمبر 2025، يشكّل الحريديم حوالي 38% من جميع الإسرائيليين في الأراضي (197,397 من أصل 517,319)، بزيادة من 32% قبل 15 عامًا. نصف الإسرائيليين في المستوطنات هم من الأطفال تحت 19 عامًا، و44% منهم من أطفال ثلاث المستوطنات الحريدية الكبرى: موديعين عيليت، بيتار عيليت، وجفعات زئيف.

84% من الحريديم موجودون في المستويات الاجتماعية–الاقتصادية الدنيا، ما يبرز العبء الاقتصادي على الدولة. يعيش الحريديم في 16 مستوطنة فقط من أصل 167 في الضفة الغربية، حيث يتركز 94% منهم في 9 مستوطنات فقط، والباقي في مستوطنات يتراوح فيها السكان بين 10–30%.

المدن الاستيطانية الكبرى مثل موديعين عيليت (90,927 نسمة) وبيتار عيليت (72,157 نسمة) مكتظة جدًا (23,535 نسمة لكل كم²)، مع نسبة أطفال دون 19 عامًا تتراوح بين 59–61%. رغم معدل نمو طبيعي يقارب 6,000 نسمة سنويًا، فإن ميزان الهجرة سلبي، حيث غادر 5,530 نسمة بين 2021–2025.

حوالي 85–90% من ميزانية هذه المدن الاستيطانية تأتي من وزارة الداخلية، وفي ميزانيات التنمية قد تصل التمويلات الحكومية إلى 95%. الإيرادات الذاتية ضئيلة، ما يجعل هذه المدن تعتمد تقريبًا بالكامل على خزينة الدولة. أما الإنفاق المتوسط على الطفل في رياض الأطفال فهو مرتفع جدًا – 16 ألف شيكل – لكنه لا يضمن مستقبلًا من حيث التشغيل أو الاستقلال الاقتصادي.

السلوك الانتخابي في الانتخابات الأخيرة في موديعين عيليت وبيتار عيليت أحادي الجانب: حزب «يهودوت هتوراة» (الذي يمثل اليهود الغربيين المتشددين دينيًا الإشكناز) و«شاس» الذي يمثل المتشددين دينيًا الشرقيين، حصلا معًا على 98% و90% من الأصوات على التوالي، بينما الدعم لـ«الليكود» والصهيونية الدينية ضئيل جدًا. إنه عالم مغلق يحمي نفسه، لكنه يعتمد كليًا على تمويل الدولة.

يُشكّل المستوطنون الحريديم في الضفة الغربية حوالي 200 ألف نسمة (خُمس جميع الحريديم في إسرائيل)، مما يجعلهم قوة ديموغرافية رئيسية، لكنه يشكّل أيضًا عبئًا اقتصاديًا ثقيلًا. ومع ذلك، تتخذ القيادة الحريدية موقفًا سياسيًا يمنع التوصل إلى تسوية ذات سيادة تشمل غالبية السكان ضمن حدود معترف بها، ما يؤدي إلى ضياع فرصة تاريخية تقريبًا لضمان مكانة قانونية وآمنة للجمهور الحريدي في إسرائيل.

مع زيادة عدد السكان الحريديم في المستوطنات، يزداد دورها السياسي في المشهد الإسرائيلي. يُستخدم هذا النمو السكاني كأداة من قبل القوى السياسية المعارضة لأي عملية إخلاء أو تجميد للبناء الاستيطاني، بحجة أن هذه المستوطنات تحولت إلى مدن كبيرة وليست مجرد مستوطنات صغيرة يمكن شرعنتها ضمن تسوية سياسية. وبالتالي، حتى السكان غير المدفوعين بالضرورة بمبادئ أيديولوجية يساهمون عمليًا في ترسيخ المستوطنات على المدى الطويل.

على عكس الصهيونية الدينية التي قادت الجهود السياسية من أجل توسيع المستوطنات، يركز الجمهور الحريدي بالدرجة الأولى على الحفاظ على نمط الحياة الحريدي وتمويل أنظمة التعليم والرعاية الاجتماعية الخاصة بهم. ومع ذلك، كلما زاد حضوره في المستوطنات، يتشكل تلاقي مصالح بين الحريديم ومعسكر اليمين حول معارضة إخلاء المستوطنات واستمرار البناء، حتى لو كان بدوافع مختلفة. هذا الارتباط يعزز الارتباط البنيوي بين الكتل السياسية المعارضة لأي تسويات، ويصعّب دفع المبادرات نحو اتفاق مستقبلي.

في التسعينيات، عندما قررت القيادة الحريدية عبور الخط الأخضر نحو الضفة الغربية، لم يتخيل أحد أنه بعد 30 عامًا سيصبح الحريديم القوة الديموغرافية المهيمنة في مشروع الاستيطان في الضفة الغربية. القرار آنذاك جاء بدافع الحاجة الاقتصادية: أزمة الإسكان في المدن الحريدية وفي القدس، والحاجة إلى مساحة معيشية ميسورة وقريبة، وليس من أيديولوجيا صهيونية.

بالنسبة للفلسطينيين، لا يتعلق الأمر بزيادة عددية فحسب، بل بتحول نوعي. فالمستوطنات لم تعد “نقاط ضغط” يمكن التفاوض حولها، بل تحوّلت إلى تجمعات استيطانية حضرية كثيفة، تضم عشرات آلاف السكان، ومنظومات تعليمية كاملة، وبنية تحتية مرتبطة عضويًا بالدولة الإسرائيلية. هكذا تتحول الديموغرافيا إلى أداة سياسية تحل محل الاستراتيجية: لا حاجة لقرارات ضم رسمية، لأن الواقع المفروض على الأرض بات يفرض الضم بحكم الأمر الواقع.

من منظور فلسطيني، تكمن الخطورة في أن الدولة الإسرائيلية لا تكتفي بترسيخ سيطرتها على أرض محتلة، بل تفعل ذلك عبر تصدير الفقر إلى هذه الأرض. تُنقل جماعات مهمّشة اقتصاديًا إلى مناطق احتكاك، مع خلق تبعية بنيوية لاستمرار السيطرة الإسرائيلية. هذا نموذج استعماري كلاسيكي: سكان فقراء يُستخدمون كـ“حاجز ديموغرافي”، فيما تلتزم الدولة بحمايتهم وتمويلهم وترسيخ وجودهم – مهما كان الثمن السياسي أو الإنساني.

تحتل الأحزاب الحريدية موقعًا محوريًا في النظام السياسي الإسرائيلي، وغالبًا ما تمسك بمفاتيح تشكيل الحكومات. النمو المتسارع لعدد الحريديم في المستوطنات يتحول إلى قوة ضغط سياسية دائمة، تُستخدم للمطالبة بمزيد من البناء، والتوسّع، والاستثمارات.

بالنسبة للقيادة الحريدية، لا تُعد المستوطنات هدفًا أيديولوجيًا بحد ذاته، بل ورقة مساومة في لعبة الائتلافات: ميزانيات للتعليم الديني، دعم لنمط الحياة الحريدي، وحماية للمصالح الفئوية. النتيجة هي شلل سياسي مزمن: كل محاولة لتجميد الاستيطان أو إعادة إطلاق مسار سياسي تصطدم بحسابات الاستقرار الحكومي، لا برفض أيديولوجي معلن. وهكذا يتحول المشروع الاستعماري من سياسة قابلة للنقاش إلى شرط لبقاء الحكومة.

كلما ازداد عدد الإسرائيليين في الأراضي المحتلة، وكلما كانت هذه الكتلة السكانية أصغر سنًا وأكثر اعتمادًا على الدولة، تضاءلت فرص أي حكومة إسرائيلية في القبول بتفكيك هذا الواقع، حتى لو ارتفعت الكلفة الدولية. هكذا ينزلق الوضع من نزاع سياسي قابل – نظريًا – للحل، إلى بنية هيمنة طويلة الأمد تشبه أنظمة استعمارية عرفها التاريخ الحديث.

الاستيطان الحريدي ليس نتيجة قرار استراتيجي واحد، بل ثمرة غياب القرار: لا ضم رسمي، ولا انسحاب. فقط بناء متواصل، وتمويل متواصل، ونمو ديموغرافي لا يتوقف. هذا “الوضع الوسطي” مريح لصنّاع القرار في إسرائيل، لكنه مدمّر للفلسطينيين.

من دون شعارات كبرى، ومن دون رؤية معلنة، تتشكل على الأرض وقائع يصعب التراجع عنها. ليس باسم الأيديولوجيا، بل باسم السكن. ليس باسم “الأمن”، بل باسم الميزانيات. إنه استيطان فاتر، يومي، وبلا ضجيج – ولذلك تحديدًا هو الأخطر.

الكلمات المفتاحية

كيف لَوّنت إسرائيل حياتنا؟

كيف لوّنت إسرائيل حياتنا؟

لوّنت حياتنا ليس لتُجمّلها بل لتَحدّها وتجعلها أكثر كآبةً، حتى باتت الألوان لا تخبرنا بما نشعر بل بما هو مسمحٌ لنا أن نفعل، الأمر الذي حَوّل اللون في حياتنا من أداة إحساس إلى أداة ضبط، ومن خيار جمالي إلى قرار سيادي


اقتصاد الصمود.. فلسطين

اقتصاد الصمود.. أم اقتصاد الإنهاك؟

انهيار الاقتصاد بعد الحرب يعكس أن أطر الصمود الاقتصادية التي تعتمد على مشاريع ذات أثر محدود لا تكفي لمعالجة الصدمات العميقة


ذاكرة الطحين أثقل من الجسد

ذاكرة الطحين أثقل من الجسد

الطحين عاد سلعة..لكن في هذه المدينة، لم يعد مجرد طعام.. صار ذاكرة.. وصار دليلًا على أن الحرب يمكن أن تبدأ بالقذائف، لكنها قد تبلغ ذروتها عند الرغيف.


قصّة انقلاب مُعلن.. قراءة في قرارات الكابينيت الإسرائيلي بالضفة الغربية

قصّة انقلاب مُعلن.. قراءة في قرارات الكابينيت الإسرائيلي بالضفة الغربية

بالنسبة لمن ما زالوا متمسكين بحل الدولتين أو أوفياء لفكرة الدولة الفلسطينية بوصفها أفقًا سياسيًا واقعيًا، تبدو هذه القرارات كارثية

رؤساء سابقون للشاباك يتهمون بنيامين نتنياهو بالتنصل من مسؤولية 7 أكتوبر
أخبار

رؤساء سابقون للشاباك يتهمون نتنياهو بالتنصل من مسؤولية 7 أكتوبر

أفادت القناة 12 بأن خمسة رؤساء سابقين لجهاز الشاباك وجّهوا رسالة شديدة اللهجة إلى نتنياهو ورئيس الجهاز الحالي دافيد زيني، متهمين إياه بمحاولة التنصل من المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر

مستشفى شهداء الأقصى يحذر من توقف وشيك لخدماته بسبب تعطل المولدات
أخبار

مستشفى شهداء الأقصى يحذر من توقف وشيك لخدماته بسبب تعطل المولدات

حذر مستشفى شهداء الأقصى من خطر وشيك يهدد استمرار عمله، نتيجة توقف المولد الكهربائي الرئيسي الثاني عن العمل، بعد توقف المولد الرئيسي الأول قبل ثلاثة شهور


الكاتبة الهندية البارزة أرونداتي روي تنسحب من مهرجان ألماني بسبب رفضه مناقشة إبادة غزة
منوعات

الكاتبة الهندية البارزة أرونداتي روي تنسحب من مهرجان ألماني بسبب رفضه مناقشة إبادة غزة

انسحبت الكاتبة أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي الدولي بعد أن صرح رئيس لجنة التحكيم في المهرجان بأن على صناع الأفلام الابتعاد عن السياسة

نيكولاي ملادينوف يتبنى الموقف الإسرائيلي: "البداية في نزع سلاح غزة"
أخبار

نيكولاي ملادينوف يتبنى الموقف الإسرائيلي: "البداية في نزع سلاح غزة"

ذكر ملادينوف "ضرورة حصول السلطة الانتقالية على السيطرة المدنية والأمنية الكاملة على غزة، وأن تحقيق ذلك يتطلب استكمال نزع سلاح جميع الفصائل الفلسطينية التي تمتلك أسلحة"

الأكثر قراءة

1
قول

قصّة انقلاب مُعلن.. قراءة في قرارات الكابينيت الإسرائيلي بالضفة الغربية


2
تقارير

وجوه في الثلاجة: رحلة غزة للبحث عن هوية الشهداء


3
تقارير

انتخابات حماس | مصادر لـ"الترا فلسطين": توجه لتأجيل انتخابات رئاسة الحركة للعام القادم


4
تقارير

مصادر لـ"الترا فلسطين": طلب إسرائيلي بإغلاق 2000 حساب في بنك فلسطين وكشف معلومات عن حسابات السلطة والصندوق القومي


5
تقارير

شهادة لـ"الترا فلسطين": قيود وتنكيل بالعائدين عبر معبر رفح من الاحتلال وبمشاركة ميليشيا "أبو شباب"