العدوان على إيران.. حسابات إسرائيل بين الطموح والواقع
5 مارس 2026
تجد إسرائيل نفسها أمام مواجهة آخذة في الاتساع من دون أفق زمني واضح لنهايتها، في ظل تصاعد العمليات العسكرية وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية. ومع ذلك، يبدو أن إسرائيل تتحرك ضمن تصور استراتيجي أعدته مسبقًا يحدد جملة من الغايات التي تسعى إلى تحقيقها مع بقاء القدرة على بلوغ هذه الغايات موضع تقدير غير محسوم في ضوء تعقيدات المشهد الميداني والحاجة إلى وقت لتحقيقها.
تشير تقارير متقاطعة في الإعلام الإسرائيلي إلى أن المستويين السياسي والعسكري يستعدان لاحتمال استمرار القتال لأسابيع. في هذا السياق نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت، أن القيادة الإسرائيلية تترقب ما وصفته بـ"نقطة تحوّل" يمكن أن تعيد توجيه مسار الحرب إما عبر إضعاف ملموس للقدرات العسكرية الإيرانية أو عبر إحداث زعزعة في بنية النظام السياسي في طهران.
وقد عزز هذا التقدير ما كشفته القناة 12 الإسرائيلية عن جلسة المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية التي استمرت حتى ساعات الفجر، حيث تم إبلاغ الوزراء في حكومة نتنياهو بأن الحرب "مرشحة للاستمرار عدة أسابيع على الأقل" مع صعوبة تحديد سقفها الزمني في هذه المرحلة في ظل تنسيق وثيق ومكثف مع الولايات المتحدة على مختلف المستويات.
أهداف الحرب وحدود الضربة الأولى
تقدّم إسرائيل والولايات المتحدة الضربة الافتتاحية للحرب بوصفها عملية ناجحة ومباغتة. غير أن استهداف شخصيات قيادية بارزة في النظام الإيراني، وفي مقدمتها المرشد الأعلى علي خامنئي، لم يؤد إلى انهيار في بنية السلطة في طهران. وكما لم تُظهر القيادة الإيرانية مؤشرات على التراجع أو الاستسلام، بينما تحركت مؤسسات الدولة بسرعة لاحتواء الضربة وإعادة تنظيم مراكز القرار وسد أي فراغ قيادي. يطرح هذا المسار تساؤلات مبكرة حول مدى نجاح الرؤية الأميركية الإسرائيلية التي افترضت أن ضرب رأس النظام قد يقود إلى إرباك داخلي واسع أو إلى تآكل سريع في تماسك السلطة.
في هذا السياق حاول بنيامين نتنياهو الانتقال إلى المرحلة التالية من التصعيد قبل التأكد من تحقق نتائج الضربة الأولى. وجّه رسالة مباشرة إلى الإيرانيين دعاهم فيها إلى الخروج إلى الشارع ضد النظام، وأكد أن لدى إسرائيل "أدوات خاصة" يمكن أن تدفع الحرب نحو تحقيق أهدافها من دون أن يكشف عن طبيعة هذه الأدوات أو حدود استخدامها.
وهنا يرى داني سيترونيفيتش، المسؤول السابق لملف إيران في شعبة الاستخبارات العسكرية، أن طهران لا تبدو فاقدة للسيطرة كما يصوّر الخطاب السائد في إسرائيل. تتحرك القيادة الإيرانية، بحسب تقديره، وفق حسابات استراتيجية باردة ومدروسة يتركز هدفها على تجنب الهزيمة وفرض كلفة مرتفعة في المواجهة.
في المقابل، يلفت عدد من الباحثين الإسرائيليين إلى أن الحديث عن إسقاط النظام الإيراني عبر الضربات العسكرية أو الضغط الخارجي يفتقر إلى سوابق تاريخية ناجحة. إذ يشير البروفيسور مئير ليتباك رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب، إلى أن "القصف وحده لا يُسقط نظامًا ولا توجد سابقة تاريخية تثبت ذلك، إذ يحتاج سقوط أي نظام إلى تصدعات داخلية في بنيته"، وفق ما نقلته صحيفة هآرتس.
كما يرى البروفيسور بني ميلر، الخبير في العلاقات الدولية في جامعة حيفا، أن سجل محاولات تغيير الأنظمة من الخارج "ليس جيدًا تاريخيًا" مستشهدًا بتجارب مثل العراق وأفغانستان حيث قاد التدخل الخارجي إلى نتائج عكسية تمثلت في الفوضى وصعود قوى متطرفة. بناءً على ذلك، يشير الباحثون إلى أن إسقاط نظام مثل النظام الإيراني يتطلب تفككًا داخليًا في مؤسسات القوة، وخصوصًا داخل الحرس الثوري، وهو ما لا تظهر مؤشراته حتى الآن.
يبدو أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعمل على إعادة تقييم أهدافها العسكرية، إذ لم يعد الحديث يدور عن القضاء الكامل على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني. وتشير التقديرات التي عُرضت في اجتماع الكابينت، وفق ما نقلته القناة 12، إلى أن جزءًا من الصواريخ سيبقى في حوزة إيران. لذلك، يتركز الهدف في هذه المرحلة على تقليص حجم الترسانة الصاروخية والحد من قدرة طهران على إعادة إنتاجها بسرعة.
بالتالي، يركز الجيش الإسرائيلي في المرحلة الحالية على ملاحقة منصات إطلاق الصواريخ واستهداف مراكز الإنتاج العسكري إلى جانب محاولة فرض تفوق جوي يتيح له حرية العمل داخل المجال الجوي الإيراني.
تستند هذه المقاربة إلى تجربة المواجهة السابقة في حزيران/يونيو 2025 حين تمكنت إيران وفق التصور الإسرائيلي خلال أشهر قليلة من إعادة ترميم جزء من قدراتها العسكرية بعد جولة قتال قصيرة استمرت اثني عشر يومًا.
الرهان على الضغط الداخلي والتحركات الأميركية
إلى جانب الأهداف العسكرية المباشرة يظهر في الاستراتيجية الإسرائيلية رهان واضح على إحداث ضغط داخلي داخل إيران. فقد تحدثت شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" عن استهداف الأجهزة المسؤولة عن قمع المعارضة مثل الحرس الثوري ومجموعات الباسيج انطلاقًا من تقدير أن إضعاف هذه الأجهزة قد يفتح المجال أمام عودة الاحتجاجات الشعبية. غير أن المعطيات المتوافرة حتى الآن لا تشير إلى وجود انشقاقات داخل هذه المؤسسات الأمنية وهو عنصر حاسم في أي سيناريو يراهن على تغيير داخلي في بنية النظام.
في هذا السياق، يرى رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق عاموس يادلين، أن الضربات الإسرائيلية لا تركز على المنشآت العسكرية فقط، بل تستهدف أيضًا "مراكز ثقل النظام والحرس الثوري بهدف توليد ضغط داخلي مباشر على القيادة الإيرانية".
ويعتقد يادلين أن هذه الاستراتيجية قد تعزز موقع التيارات البراغماتية داخل النظام وتفتح المجال أمام تغيير سياسي ينبع من الداخل. كما يعتبر أن الحرب تمثل اختبارًا حساسًا لمستوى التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، إذ إن مقتل جنود أميركيين قد يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام خيارين صعبين إما رد عسكري واسع قد يوسع نطاق الحرب أو محاولة ضبط التصعيد مع تحمل كلفة سياسية داخلية.
أما في تقدير يوسي كوبرفاسر، رئيس شعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية سابقًا، فيرى أن المواجهة مع إيران قد تكون طويلة ومعقدة. فقد قال في مقابلة مع صحيفة ديلي ميل، إن المواجهة ستستمر "طالما استدعى الأمر لتحقيق شرق أوسط مستقر خالٍ من التدخل الإيراني". واعتبر أن اغتيال المرشد الإيراني يمثل "نقطة تحول مهمة"؛ لأنه كان صانع القرار الرئيسي في السياسة الإيرانية. ومع ذلك حذر من توقع نتائج سريعة، مؤكدًا أن سقوط النظام الإيراني قد يتطلب "وقتًا وصبرًا طويلين".
في موازاة العمليات العسكرية تشير تقارير إعلامية إلى تحركات أمريكية تهدف إلى إضعاف النظام الإيراني من الداخل. فقد ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت نقلًا عن تقرير لشبكة CNN أن وكالة الاستخبارات المركزية بدأت برنامجًا سريًا لتسليح مجموعات معارضة كردية داخل إيران.
ووفق التقرير تركز الاستراتيجية الأميركية على دعم الأقليات الإثنية وعلى رأسها الكُرد؛ بهدف إشعال انتفاضة داخلية تكمل الضغط العسكري الخارجي. غير أن هذا الخيار يثير مخاوف من احتمال اندلاع حرب أهلية أو تفكك الدولة الإيرانية كما أثار قلق دول مجاورة مثل تركيا التي تخشى أن يؤدي تعاظم الدور الكردي إلى تشجيع النزعات الانفصالية في المنطقة.
اتساع الحرب إقليميًا
في الواقع، لم تعد الحرب محصورة في المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران وإنما أخذت تمتد إلى ساحات إقليمية أخرى. فقد شهدت الجبهة اللبنانية تطورًا لافتًا مع دخول حزب الله على خط المواجهة ورغم أن هذا التطور لم يفاجئ إسرائيل، فإنه منحها مبررًا لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية. في أعقاب ذلك صادقت الحكومة الإسرائيلية على تكثيف الضربات الجوية في لبنان مع السماح للجيش بالسيطرة على مواقع مرتفعة إضافية داخل الأراضي اللبنانية لمنع إطلاق الصواريخ نحو المستوطنات الحدودية.
وذكرت صحيفة هآرتس أن إسرائيل بدأت بإخلاء القرى الواقعة في الخطين الأول والثاني قرب الحدود مع نشر الفرقة 91 في مواقع متقدمة بهدف إنشاء حزام أمني إضافي يحمي مستوطنات الشمال. كذلك، تشمل الخطة الإسرائيلية توسيع الضربات ضد مخازن السلاح والبنى الاستخباراتية في جنوب لبنان وفي بيروت، إضافة إلى استهداف المؤسسات المالية التي تعتبرها إسرائيل جزءًا من شبكة تمويل الحزب إلى جانب تنفيذ عمليات اغتيال تستهدف قيادات وعناصر فيه بهدف تقويض قدرته القيادية.
في الوقت نفسه، تتسع دائرة المواجهة إقليميًا مع إطلاق إيران صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه دول في الخليج العربي، في محاولة لرفع أسعار الطاقة وتحويل الهجمات إلى عامل ضغط للتأثير على واشنطن من أجل إنهاء الحرب. لكن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن هذه الاستراتيجية لم تحقق حتى الآن نتائج حاسمة.
في الخلفية يبرز عامل الجبهة الداخلية الإسرائيلية بوصفه عنصرًا حاسمًا في إدارة الحرب. فالتوازن بين مخزون صواريخ الاعتراض الدفاعية وحجم الترسانة الصاروخية الإيرانية يشكل معادلة أساسية في استمرار العمليات. فكلما نجح الجيش الإسرائيلي في تدمير منصات الإطلاق وتقليص المخزون الإيراني القابل للاستخدام تراجع خطر الهجمات على المدن الإسرائيلية، أما إذا استمرت الحرب من دون تقليص ملموس لهذا التهديد فقد ترتفع الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب ويتزايد الضغط على صناع القرار في إسرائيل.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الحرب. السيناريو الأول يتمثل في حرب تستمر عدة أسابيع تنجح خلالها إسرائيل في إلحاق ضرر كبير بالقدرات العسكرية الإيرانية من دون إسقاط النظام، وينتهي هذا المسار بترتيب سياسي جديد يعيد رسم قواعد الردع بين الطرفين. أما السيناريو الثاني فيقوم على تصعيد إقليمي أوسع يشمل انخراطًا أكبر من لبنان واليمن وربما استهداف منشآت نفطية في الخليج، وهو مسار قد يرفع كلفة الحرب عالميًا ويضع الولايات المتحدة أمام قرار بتوسيع تدخلها العسكري. أما السيناريو الثالث فيراهن على حدوث تحول داخلي داخل إيران عبر احتجاجات واسعة أو انشقاقات داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية.
في الوقت الراهن تحاول إسرائيل استثمار اللحظة إلى أقصى حد، في ظل توافق واسع بين الحكومة والمؤسسة الأمنية والمعارضة على أن الفرصة الحالية قد لا تتكرر. لكن استمرار الحرب لفترة أطول قد يضع هذا التوافق تحت ضغط متزايد، إذ تبدأ التباينات عادة بالظهور مع ارتفاع الكلفة العسكرية والاقتصادية واتساع تأثيرات الحرب على الجبهة الداخلية. ومع امتداد القتال قد يتراجع مستوى الإجماع السياسي، لتظهر نقاشات أوسع حول أهداف الحرب وحدودها وجدوى استمرارها.
فيما يبقى مسار الحرب مفتوحًا على احتمالات متعددة وغير محسومة، إذ يتوقف تطور الأحداث على قدرة إيران على الثبات وموقف الولايات المتحدة من استمرار الحرب، ومدى قدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية على تحمل أعباء حرب طويلة.
الكلمات المفتاحية
كيف أعادت إسرائيل تشكيل لغتنا اليومية؟
هذه اللغة الجديدة خلقتْ معانٍ أخرى لكلمات قديمة، وأضافت لوازم كلامية بدأت بحزام ناري ونزوح ولم تنتهِ بالخيمة، حتى أصبحَ القَول بالنسبة للغزيين ليسَ فِعل تعبير بل وسيلة بقاء يتكئون عليها، ويطوون بها أيامهم الثقيلة
السلام بالقوة.. الحرب كمدخل للتطبيع في الشرق الأوسط
دخلت إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 مرحلة إعادة تعريف شاملة لوظيفة القوة في سياقها الإقليمي
العيد في غزة.. معمول مغمس بالدم
في مدينة كانت تعدّ المعمول والكعك علامة على الفرح صار العيد أحيانًا بطعم آخر. طعم يعرفه جيدًا آباء وأمهات كثيرون هنا
الغارديان: نتنياهو مُني بسجل من الفشل الذريع في غزة ولبنان وإيران
قال جوناثان فريدلاند إنه بعد عامين ونصف من الحروب على إيران وغزة ولبنان مُني بنيامين نتنياهو بـ"سجل من الفشل الذريع"
معلومات استخباراتية أميركية: الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران
تشير معلومات استخباراتية أميركية إلى أن الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران خلال الأسابيع القليلة المقبلة
غزة: 6 شهداء و3 جرحى في خروقات مستمرة لوقف إطلاق النار
استُشهد ستة أشخاص وأصيب ثلاثة آخرون إثر غارة وسط قطاع غزة وإلقاء قنبلة على خيمة جنوب القطاع ليلة السبت
حُكام بريطانيا شركاء في إبادة قطاع غزة
يسعى بيتر أوبورن في كتابه "متواطئون"، إلى توثيق دور المملكة المتحدة في تدمير قطاع غزة وقتل سكانه، كاشفًا ما خلّفه ذلك من آثار عميقة في السياسة والمجتمع البريطانيَّين.