العطش يسبق الصيف في غزة… الماء يتحول إلى معركة يومية للبقاء
9 مايو 2026
لم يعد صيف غزة بحاجة لبلوغ ذروته ليكشف قسوته؛ فالعطش يسبقه إلى خيام النازحين وركام البيوت، متسللًا إلى تفاصيل الحياة اليومية. هنا لا تُقاس الحرارة بالطقس فقط، بل بلهيب الحاجة، حيث تختلط أنفاس الحر بنداءات الأطفال الظامئين، وتتراجع كل الأولويات أمام بحثٍ مُرهق عن جرعة ماء تُبقي الحياة ممكنة.
في ساحة مكتظة بالخيام والرمال الملتهبة بفعل ارتفاع درجات الحرارة، تتجلى ملامح أزمة إنسانية عميقة؛ وجوه مرهقة، وأجساد أنهكها الحر، وطوابير لا تنتهي من الباحثين عن قطرة ماء
في مشهدٍ يختزل جانبًا من المعاناة اليومية في قطاع غزة، يقف الطفل قصي أبو حسين (13 عامًا) تحت شمسٍ حارقة تتوسط كبد السماء، منتظرًا دوره في طابور طويل للحصول على مياه الشرب، حيث يصطف مع عشرات الأطفال والنساء والرجال في ساحة رملية بمواصي مدينة خان يونس، واضعًا أمامه غالونات فارغة، على أمل تعبئتها بما يكفي أسرته ليوم أو يومين، في ظل أزمة مائية خانقة تعيشها العائلات النازحة.
في هذه الساحة المكتظة بالخيام والرمال الملتهبة بفعل ارتفاع درجات الحرارة، تتجلى ملامح أزمة إنسانية عميقة؛ وجوه مرهقة، وأجساد أنهكها الحر، وطوابير لا تنتهي من الباحثين عن قطرة ماء، ورغم قسوة المشهد، لا مجال للتراجع، فالمياه هنا ليست مجرد خدمة، بل شرط أساسي للاستمرار في الحياة.
وقدم معظم الواقفين في الطابور من مخيمات نزوح قريبة، أقيمت بشكل عشوائي بعد أن فقدوا منازلهم أو أُجبروا على النزوح منها، خاصة من المناطق الواقعة خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، هذه التجمعات، المنتشرة في مواصي خان يونس ومناطق أخرى من القطاع، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وعلى رأسها المياه الصالحة للشرب.
رحلة يومية مع الغالونات الفارغة
الطفل قصي، الذي نزحت أسرته من مدينة رفح قبل عامين، يروي تفاصيل هذا المشهد اليومي لـ"الترا فلسطين" قائلاً: "كل يوم نترقب وصول الشاحنة ونتعرف عليها من صوتها، وأحيانًا نشوفها من قدام الخيام، وقتها الكل بيحمل الغالونات وبيجري عشان يلحق الدور ويصف في أول الطابور".
رحلة الحصول على الماء، كما يصفها قصي، قد تمتد لساعات، في ظل منافسة شديدة بين النازحين على نقاط التوزيع المحدودة، وعلى الرغم من انتظاره المبكر، لا يتمكن غالبًا إلا من تعبئة غالونين أو ثلاثة صغيرة، بالكاد تسد حاجة أسرته اليومية.
وبجهد يفوق طاقته، يحمل الطفل غالونين سعة كل منهما 20 لترًا، بينما يترك غالونًا ثالثًا مع شقيقه الأصغر ليعود لاحقًا لنقله، يقطع مسافة تقارب 300 متر بين نقطة التوزيع وخيمة أسرته، في رحلة شاقة تتكرر يوميًا، شأنه شأن عشرات الأطفال وكبار السن الذين يثقلهم عبء البحث عن الماء تحت حرارة قاسية.
وتعكس هذه المشاهد واقعًا أوسع، إذ يعتمد سكان غزة بشكل كبير على شاحنات صهاريج المياه التي تصل عبر تبرعات خارجية أو من خلال منظمات إغاثية، في ظل تعطل شبكات المياه المحلية.
أما المياه المخصصة للاستخدامات المنزلية، فتصل بكميات محدودة للغاية، ووفق جداول توزيع متقطعة قد لا تتجاوز مرة واحدة أسبوعيًا لكل منطقة، بما في ذلك مناطق النزوح.
الطوابير نمط حياة
عاد الخمسيني إبراهيم عاشور إلى خيمته في مواصي خان يونس بعد ساعاتٍ من الانتظار تحت أشعة الشمس الحارقة، مثقلًا بالإرهاق وقلقٍ يزداد يومًا بعد آخر. الرجل، الذي دُمّر منزله خلال الحرب، يختصر واقعه اليومي بعبارة موجعة: "لم نكن نتصور بأنه يمكن أن يصل بنا الحال إلى هذا الحد… الميه طوابير، والأكل طوابير، والحمام طوابير، تلقي العلاج طوابير"، في إشارة إلى حياة باتت قائمة بالكامل على الانتظار لتأمين أبسط مقومات العيش.
واستعاد إبراهيم، وهو أب لخمس بنات وولدين، ملامح حياته قبل الحرب، حين كانت المياه تصل بانتظام إلى منزله، وتُخزن في خزانات كبيرة فوق السطح، كما هو حال معظم سكان غزة، أما اليوم، فقد تقلّصت هذه الوفرة إلى كميات محدودة تُحفظ في غالونات صغيرة، تُستخدم بحذر شديد ولا تكاد تلبي الحد الأدنى من احتياجات الشرب.
وأشار لـ"الترا فلسطين" إلى أنه خلال الأسابيع الأخيرة، تفاقمت الأزمة بشكل ملحوظ، مع توقف جهات كانت توفّر المياه النظيفة للنازحين في مناطق واسعة بسبب نقص التمويل، لذلك أصبحت رحلة الحصول على المياه صعبة للغاية.
وبحسب إبراهيم، لا تقتصر الأزمة على مياه الشرب، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، فالمياه اللازمة للغسيل والتنظيف والاستحمام باتت شحيحة للغاية، إذ تصل مرة واحدة أسبوعيًا إلى مناطق بعيدة، ما يفرض على العائلات تقنين استخدامها إلى أقصى حد.
احتياجات لا تنتهي
هذا الواقع دفع إبراهيم إلى اللجوء لبدائل مكلفة وشاقة، إذ يضطر أحيانًا لشراء المياه من عربات تجرها الحيوانات، بسعر يصل إلى 100 شيكل للكوب الواحد (35 دولارًا)، ثم نقلها يدويًا باستخدام الغالونات، في ظل غياب الكهرباء والمضخات.
ومع اقتراب فصل الصيف، تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة، خاصة في ظل العيش داخل خيام لا تقي من الحرارة. وأضاف، "نشعر وكأننا نعيش داخل فرن كبير يصهر الأجساد، ومع نقص المياه، الوضع رح يكون صعب وكارثي".
ويختصر حجم المأساة بعبارةٍ موجعة: "كأننا أفلتنا من الموت جوعًا، لنواجه اليوم موتًا بطيئًا من العطش".
معاناة مستمرة
هذه المعاناة لا تقتصر على النازحين في الخيام، بل تمتد أيضًا إلى سكان المنازل المتضررة، في مدينة خان يونس، تعيش سهى عياش (45 عامًا) مع أسرتها في منزل أصيب بدمار جزئي، لكنها ترى أن معاناتهم مع المياه لا تقل قسوة.
قالت سهى لـ"الترا فلسطين"، إن عائلتها تضطر إلى نقل غالونات المياه يدويًا إلى الطابق الثالث في مهمة شاقة، انعكست سلبًا على صحة زوجها الذي يعاني آلامًا مزمنة في الظهر نتيجة هذا الجهد المتكرر، مشيرة إلى أن هذه الكمية لا تكفي لتلبية احتياجاتهم اليومية بشكل طبيعي، إلا أنهم مضطرون للتكيف معها نظرًا لوصول المياه مرة واحدة أسبوعيًا.
وأوضحت سهى أن شحّ المياه فرض واقعًا قاسيًا غيّر تفاصيل حياتها اليومية، إذ اضطرت لتقنين الاستهلاك بشكل صارم بين الغسيل والطبخ والاستحمام. وقالت: "لم أعد أستطيع تحميم أطفالي سوى مرة واحدة أسبوعيًا، وأكتفي بغسل الضروري فقط من الملابس". وعبرت عن قلقها من جودة المياه المتوفرة للشرب، لافتة إلى إصابة أفراد من أسرتها، خصوصًا الأطفال، بنزلات معوية وحالات إسهال، إلى جانب انتشار أمراض جلدية نتيجة قلة النظافة.
وأكدت أن هذه الظروف باتت شائعة بين سكان القطاع، في ظل محدودية المياه وصعوبة الحصول عليها. وقالت إنها تضطر في بعض الأوقات، حين لا يوجد زوجها أو نجلها الكبير في المكان، إلى الاصطفاف في طابور الحصول على المياه المخصصة للشرب.
أزمة مياه غير مسبوقة
أكد المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا، أن أزمة المياه في قطاع غزة ليست طارئة، بل هي نتيجة تراكمية لتداعيات الحرب، إلا أنها تفاقمت بشكل غير مسبوق خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح مهنا لـ"الترا فلسطين" أن الأسباب الرئيسية للأزمة تتمثل في التدمير الواسع للبنية التحتية، خاصة شبكات المياه والمرافق الحيوية، حيث تم تدمير 72 بئرًا من أصل 86 بئرًا كانت تخدم مدينة غزة، كما ساهمت أزمة الكهرباء ونقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات الاحتياطية، إلى جانب شح المواد والمعدات الضرورية لأعمال الصيانة، في تعميق الأزمة.
وفيما يتعلق بحجم العجز، بين مهنا أن الفجوة بين الاحتياج الفعلي والمتوفر من المياه تتجاوز 50%، ما يعني أن المواطنين لا يحصلون إلا على جزء محدود من احتياجاتهم اليومية، خاصة في مناطق النزوح والمناطق الأكثر تضررًا.
ولفت إلى أن شبكات توزيع المياه تعرضت لدمار واسع تجاوز 150 ألف متر طولي، إلى جانب تدمير عدد كبير من الآبار ومحطة تحلية مياه البحر شمال غرب مدينة غزة، ما أدى إلى خروج مناطق كبيرة عن الخدمة وحرمان آلاف الأسر من الوصول المنتظم إلى المياه.
وأشار إلى أن البلدية تعمل ضمن خطة طوارئ للتخفيف من حدة الأزمة، تشمل تشغيل الآبار المتاحة بأقصى طاقة ممكنة، وزيادة ساعات ضخ المياه وفق كميات الوقود المتوفرة، إضافة إلى توزيع المياه عبر صهاريج في المناطق المتضررة، بالتعاون مع المؤسسات المانحة وسلطة المياه الفلسطينية.
ونبه حسني مهنا إلى أن هذه الجهود لا تزال محدودة التأثير في ظل التحديات القائمة، وعلى رأسها النقص الحاد في الوقود ومواد الصيانة، وصعوبة وصول الطواقم الفنية إلى بعض المناطق، إلى جانب القيود المفروضة على إدخال المعدات والآليات اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة.
وفي تقرير حمل عنوان "المياه كسلاح"، قالت منظمة "أطباء بلا حدود"، إن إسرائيل تتعمد حرمان سكان قطاع غزة من المياه اللازمة للحياة، ووصفت ذلك بأنه "عقاب جماعي".
وأوضحت أن التدمير الواسع للبنية التحتية للمياه، إلى جانب عرقلة الوصول إليها، يُعد جزءًا من الإبادة الجارية، مشيرة إلى أن "الندرة المُهندسة" للمياه تتزامن مع قتل المدنيين وتدمير المرافق الصحية والمنازل.
كما ذكرت المنظمة أن ثلث طلباتها لإدخال إمدادات أساسية، مثل وحدات التحلية والمضخات والخزانات ومواد معالجة المياه، قوبلت بالرفض أو لم يتلقَّ عليها أي رد.
وتبرز أهمية التقرير لصدوره عن منظمة إنسانية دولية تعمل ميدانيًا داخل غزة وتعتمد على بيانات مباشرة وشهادات ميدانية.
ووفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد تسببت الحرب في أزمة مياه غير مسبوقة، حيث يعاني أكثر من 90% من السكان من نقص المياه الآمنة، مع تدمير نحو 85% من المرافق و75% من شبكات التوزيع، إضافةً إلى مئات الآبار ومحطات التحلية. واتهم المكتب "إسرائيل" باستخدام التعطيش والتجويع كسلاح ضد السكان.
الكلمات المفتاحية
عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه
بعد نحو عام ونصف على نزوح أهالي مخيم طولكرم، عادت بعض العائلات الأربعاء، بشكل مؤقت إلى المخيم لجمع ما تبقى من مقتنياتها، في ظل الدمار الذي طال أجزاء واسعة منه
بعد صورته تحت جسر بالقاهرة.. الأسير المحرر نديم عواد: خرجنا من ذل السجن إلى ذل الحياة
قال عواد: "اضطررت للنوم تحت الجسر لمدة 15 يومًا، والصورة التي انتشرت ليست سوى جزء مما عشته خلال تلك الفترة"
قانون انتخابات التشريعي: أسئلة تتجاوز التعديل إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني
المرسوم الرئاسي بتعديل قانون الانتخابات فتح نقاشًا واسعًا يتجاوز الجانب التقني للتعديلات، ليصل إلى جوهر النظام السياسي
عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.
إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران
قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي
نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية
"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية