المُرافِق للبيع في غزة
10 مايو 2026
قبل أن يُفتَح باب الحافلة عند المعبر، كان "محمود" -اسم مستعار- قد حفظ كل تفاصيل المريض المرافق له. تفاصيل الحالة لا تعنيه، لكنها كافية لعبور الحاجز.
لم يعد الخروج مرتبطًا فقط بالحاجة الطبية، بل بالقدرة على الدفع. حيث يصبح المريض بوابة، والمرافق سلعة، والسفر امتيازًا يُشترى.
جلس "محمود" إلى جانب رجلٍ ممددٍ بصمت، يراقب أنفاسه أكثر مما يراقب الطريق. لم يسأله عن اسمه، ولم يكن ذلك مهمًا. على الورق، كانا أقرباء. في الواقع، لم يجمعهما سوى اتفاقٍ غير مكتوب: هذا مريض يحتاج إلى الخروج، وهذا رجل يحتاج إلى فرصة.
حين ناداه الموظف، أجاب بالصفة المُثبتة في الأوراق. التفت المريض نحوه لثوانٍ، ثم عاد إلى صمته. "أنا بصراحة ما كنت بعرفه قبل، ولا كان في بينا أي علاقة. كنت موجود جنبه بس عشان الأمور تمشي، وبعدها كل واحد راح بطريقه"، يقول محمود.
بهذه البساطة، تتحول صفة "المرافق" من ضرورة طبية إلى وسيلة عبور، ومن علاقة إنسانية مفترضة إلى صفقة لها سعر.
سوق يتشكّل في الظل
في غزة، حيث يكاد الخروج يصبح استثناءً، تتشكل مسارات موازية، وأحد هذه المسارات يمر عبر التحويلات الطبية.
أكثر من 22 ألف مريض ينتظرون السفر للعلاج في الخارج، منهم نحو 19 ألفًا أتموا إجراءاتهم وحصلوا على تحويلات رسمية، ومع ذلك لا يزالون داخل القطاع. في المقابل، لم يتجاوز عدد من تمكنوا فعليًا من المغادرة بدعم منظمة الصحة العالمية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 نحو 7300 مريض.
هذا الفارق الهائل لا يبقى فراغًا، بل يتحول إلى سوق. داخل هذه المساحة، تظهر "المرافقة" كفرصة قانونية في أصلها، لكنها قابلة لإعادة الاستخدام.
شخص يريد السفر، ومريض لديه تحويلة، وعائلة تقف بين الحاجة والقرار. في بعض الحالات، لم يعد السؤال: من هو المريض؟ بل، كم ثمن المرافقة؟ بعض المرضى لا يزالون ينتظرون دورهم، بينما آخرون أصبحوا طريقًا لنجاة غيرهم.
حين يُعرض المرض للبيع
لم يكن القرار سهلاً بالنسبة لـ"سامي"، فابنه بحاجة إلى علاج خارج غزة، وهو ينتظر منذ شهور. يقول: "كل يوم بنسمع عن ناس ماتت وهي بتستنى الدور. لما إجاني واحد وعرض يدفع مقابل يطلع مرافق، ترددت كثير".
العرض كان أربعة آلاف دولار، مبلغ لا يمكن تجاهله في بقعة تبلغ فيها نسبة البطالة نحو 68% من القوى العاملة. يضيف: "أنا بعرف إنه هذا مش صح بس شو أعمل؟ إحنا محتاجين، والعلاج مكلف. قلنا يمكن هذا رزق إجا بهيك طريقة".
بهذا المعنى، لا تعود المرافقة مجرد إجراء طبي، بل تتحول إلى مورد مالي في بيئة بلا موارد.
في حالات أخرى، تأخذ الصفقة شكلًا مختلفًا.
"سمية" -اسم مستعار- خرجت من غزة كمرافقة لمريضة لا تربطها بها أي صلة، بعدما دفعت خمسة آلاف دولار، جزءٌ منها قبل السفر، والبقية بعد وصولها إلى مصر.
بقيت "سمية" مع المريضة لأسابيع، تتنقل معها بين المستشفيات، لكن هدفها كان واضحًا منذ البداية. تقول: "كنت عارفة إني أول ما أقدر راح أكمل طريقي لحالي"، مبينة أن وجودها لم يكن بدافع الرعاية، بل كوسيلة عبور.
من فرصة إلى فخ
لكن هذه السوق لا تعمل دائمًا كما يُتفق عليه. فـ"خالد" -اسم مستعار- دفع خمسة آلاف دولار على أمل الخروج كمرافق. الاتفاق تم عبر وسيط، والوعود كانت واضحة.
يقول: "دفعت دفعة أولى، وبعدها بقيت أنتظر شهرين وكل مرة كانت هناك حجة. في النهاية، اختفى الوسيط. لا سفر، ولا استرداد للأموال".
ويوضح "خالد" أن كثيرين غيره تعرضوا للاحتيال ذاته، "والمشكلة أنه ليس هناك جهة نشتكي لها" أضاف.
لا يقع "بيع المرافقة" ضمن جريمة مُعرَّفة بشكل صريح في التشريع الفلسطيني، ما يضعه في منطقة رمادية بين التحايل والنصب، ويترك الضحايا بلا مسار قانوني واضح.
وحتى حين تنجح الصفقة، لا تنتهي القصة عند المعبر. "سليم"، دفع ستة آلاف دولار وتمكن من الخروج بالفعل. لكن ما إن وصل إلى مصر، حتى بدأت مرحلة مختلفة.
يقول: "طلبوا مني مبلغًا إضافيًا لإكمال الإجراءات. وقالوا لي يا بتدفع، يا بتضل عالق هنا". لم يكن أمامه سوى خيار واحد، فاضطر إلى دفع مبلغ إضافي على المبلغ المتفق عليه، لعدم وجود مكان يذهب إليه.
في هذه المرحلة، يفقد "المرافق" أي حماية فعلية، فلا صفة قانونية واضحة تحميه، ولا جهة يمكنه الرجوع إليها.
وتبدو المشكلة أعمق من مجرد سلوك فردي، إذ يؤكد طبيب فضل عدم ذكر اسمه أن هناك "مساحة كبيرة للتقدير في موضوع المرافقين"، مؤكدًا عدم وجود آلية تحقق صارمة من صلة القرابة، أو الحاجة الفعلية لكل مرافق، ومع الضغط الكبير على التحويلات، صار كثيرون يتعاملون مع الموضوع كفرصة، ما يفتح الباب أمام الاستغلال.
وتشير إفادات من داخل القطاع الصحي إلى أنه في بداية الحرب، كانت المنظمات الصحية تشترط أن يكون المرافق من الدرجة الأولى للمريض، كإجراء يهدف إلى ضبط عملية السفر وحصرها في الحالات الأكثر حاجة.
غير أن هذا الشرط يبدو اليوم أقل حضورًا في التطبيق، مع الارتفاع الحاد في أعداد الجرحى والمرضى المنتظرين للخروج. وفي ظل هذا الضغط، تتراجع معايير التحقق، أو على الأقل لا تُطبّق بالصرامة ذاتها.
هذا التغيّر يفتح فجوة يصعب تجاهلها: بين ما يُفترض أنه منظم بضوابط واضحة، وما يجري فعليًا على الأرض. فجوة لا يُعرف على وجه الدقة من يديرها، ولا أين تبدأ مسؤوليتها أو تنتهي، لكنها تظل مساحة قابلة للاستغلال.
ما يجري لا يمكن فصله عن سياق أوسع. في بيئة تتقلص فيها فرص العمل، وتتراكم فيها قوائم الانتظار الطبية، تظهر أسواق غير معلنة، لها أسعارها وسماسرتها وضحاياها.
"المرافقة" ليست استثناءً، بل واحدة من هذه الأسواق، وهو سوق بسيط في شكله، وقاسٍ في نتائجه.
من هو الأحق بالنجاة؟
في مساءٍ آخر، داخل أحد أقسام الانتظار، كان أبٌ يراقب ابنه وهو يحاول أن ينام على كرسي بلاستيكي. الورقة الطبية جاهزة، والتحويلة مكتملة، لكن الاسم الذي سيجلس إلى جانبه في الحافلة لم يُحسم بعد. خارج المستشفى، قد يكون هناك من يدفع الآن ليحجز هذا المقعد.
في هذا التداخل القاسي، لا تبدو المسألة مجرد تحايل، بل إعادة تعريف صامت لمفهوم الحق نفسه.
هكذا، لم يعد الخروج مرتبطًا فقط بالحاجة الطبية، بل بالقدرة على الدفع. حيث يصبح المريض بوابة، والمرافق سلعة، والسفر امتيازًا يُشترى.
الكلمات المفتاحية
عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه
بعد نحو عام ونصف على نزوح أهالي مخيم طولكرم، عادت بعض العائلات الأربعاء، بشكل مؤقت إلى المخيم لجمع ما تبقى من مقتنياتها، في ظل الدمار الذي طال أجزاء واسعة منه
بعد صورته تحت جسر بالقاهرة.. الأسير المحرر نديم عواد: خرجنا من ذل السجن إلى ذل الحياة
قال عواد: "اضطررت للنوم تحت الجسر لمدة 15 يومًا، والصورة التي انتشرت ليست سوى جزء مما عشته خلال تلك الفترة"
قانون انتخابات التشريعي: أسئلة تتجاوز التعديل إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني
المرسوم الرئاسي بتعديل قانون الانتخابات فتح نقاشًا واسعًا يتجاوز الجانب التقني للتعديلات، ليصل إلى جوهر النظام السياسي
عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.
إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران
قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي
نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية
"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية