انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني إصلاحٌ للنظام أم إعادة إنتاجه؟
6 يوليو 2026
مع اقتراب موعد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني التي دعا الرئيس محمود عباس إلى إجرائها في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، تتزايد الدعوات من شخصيات وطنية مستقلة وقوى سياسية للمشاركة فيها، انطلاقًا من قناعة بأن المقاطعة لم تعد مجدية، وأن خوض الانتخابات قد يفتح نافذة لإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وتجديد مؤسساتها واستعادة دورها التمثيلي. وهي دعوات تنطلق، في معظمها، من دوافع وطنية صادقة ورغبة حقيقية في وقف التدهور الذي أصاب النظام السياسي الفلسطيني خلال العقدين الأخيرين.
غير أن السياسة لا تُقاس بالنوايا، وإنما بقراءة موازين القوى، وفهم أهداف الطرف الذي يضع قواعد اللعبة ويحدد شروطها. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل المشاركة في الانتخابات حق مشروع؟ بل هل تستطيع هذه الانتخابات، بصيغتها الحالية، أن تحقق الإصلاح الذي يتطلع إليه أصحاب هذه الدعوات، أم أنها ستتحول، من حيث لا يقصدون، إلى وسيلة تمنح شرعية جديدة لنظام يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه؟
إن الانتخابات إذا بقيت مجرد أداة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام القائم، فإن أصحاب النوايا الحسنة قد يجدون أنفسهم، من دون قصد، يساهمون في تحقيق أهداف تختلف تمامًا عن الأهداف التي خرجوا من أجلها
في تقديري، لا يمكن فهم انتخابات المجلس الوطني بمعزل عن سلسلة الانتخابات التي جرت خلال الأشهر الماضية، سواء في انتخابات الشبيبة الفتحاوية، أو الهيئات المحلية، أو المؤتمر الثامن لحركة فتح، وما انبثق عنه من انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري. فهذه المحطات، على اختلاف مستوياتها، تبدو حلقات في مشروع سياسي واحد، يقوم على إعادة تشكيل النظام الفلسطيني تدريجيًا وفق معادلة الولاء الشخصي للرئيس، مع تهيئة البيئة السياسية والتنظيمية لمرحلة ما بعده.
ولا يتعلق الأمر فقط بإدارة المرحلة الحالية، بل أيضًا ببناء شبكة من القيادات والمؤسسات التي تضمن استمرار النهج نفسه بعد غياب الرئيس، وهو ما يفسر، في نظر كثيرين، صعود شخصيات محددة إلى مواقع النفوذ، وتراجع شخصيات أخرى كانت تتمتع بتاريخ تنظيمي أو جماهيري طويل، لكن ولاءها لم يكن مضمونًا بالقدر الكافي.
إلى جانب هذا الهدف الداخلي، تحمل هذه الانتخابات بعدًا خارجيًا لا يقل أهمية. فمنذ سنوات تتعرض السلطة الفلسطينية لانتقادات أوروبية وأميركية متواصلة بسبب غياب الانتخابات، وتعطل المؤسسات، واستمرار الحكم بقرارات رئاسية، وانتهاء المدد القانونية للمؤسسات المنتخبة. لذلك فإن إجراء انتخابات، حتى وإن كانت محدودة التأثير أو محكومة بنتائج شبه محسومة، يمنح القيادة الفلسطينية فرصة للقول إنها تستجيب لمطالب المجتمع الدولي بالإصلاح وتجديد الشرعيات، وهو خطاب يلقى قبولًا لدى كثير من العواصم الغربية التي تفضل رؤية إجراءات شكلية على الدخول في مواجهة سياسية مع السلطة.
غير أن جوهر الأزمة الفلسطينية لا يتعلق بإجراء انتخابات من عدمه، وإنما بطبيعة النظام السياسي نفسه. فالانتخابات، مهما كانت نتائجها، لا تستطيع أن تعالج أزمة الانقسام الوطني المستمرة منذ ما يقارب العقدين، لأن جزءًا أساسيًا من القوى الفلسطينية، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، ما زال خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية.
ولهذا فإن أي مجلس وطني جديد، حتى لو تم انتخابه بصورة كاملة، سيبقى مجلسًا لا يمثل جميع القوى الفلسطينية، وسيظل الانقسام قائمًا، وربما يتعمق أكثر إذا جرى التعامل مع المجلس الجديد باعتباره اعلى هيئة في المنظمة الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، بينما تبقى قوى وازنة خارجه ترفض الاعتراف بشرعيته أو المشاركة في قراراته.
إن الأزمة الفلسطينية اليوم ليست أزمة مقاعد داخل المجلس الوطني، وإنما أزمة عقد وطني جامع. فالمشكلة لا تكمن في عدد الأعضاء المنتخبين أو المعينين، وإنما في غياب التوافق الوطني حول قواعد النظام السياسي ومستقبله، وهو ما يجعل أي انتخابات جزئية عاجزة عن إنتاج شرعية وطنية جامعة.
ومن المتوقع أيضًا أن تفرض القيادة الفلسطينية شروطًا سياسية على الراغبين في الترشح، وفي مقدمتها التعهد بالالتزام بقرارات منظمة التحرير الفلسطينية والتزاماتها الإقليمية والدولية، بما في ذلك الالتزامات الناشئة عن اتفاق أوسلو وما ترتب عليه من اتفاقات لاحقة،كما حدث في انتخابات المجالس المحلية.
وقد يبدو هذا الشرط، من الناحية القانونية، منسجمًا مع كون المجلس الوطني مؤسسة تابعة لمنظمة التحرير، إلا أن أثره السياسي سيكون بالغًا، لأنه سيستبعد تلقائيًا عددًا كبيرًا من الشخصيات والقوى التي تعارض اتفاق أوسلو أو تعتبره قد انتهى عمليًا بعد السياسات الإسرائيلية المتعاقبة. وسيجد كثير من الوطنيين أنفسهم أمام خيار صعب، إما التوقيع على التزام لا يؤمنون به سياسيًا، وإما الامتناع عن المشاركة. وفي الحالتين ستكون النتيجة واحدة؛ تضييق دائرة المنافسة، وإفساح المجال أمام القوى الأقرب إلى الرئيس وإلى خياراته السياسية، بحيث تصبح الانتخابات أقل تنافسية وأكثر قدرة على إنتاج أغلبية منسجمة مع توجهات القيادة الحالية.
يضاف إلى ذلك أن الرئيس سيحتفظ، وفق الآليات المعلنة، بحق تعيين نحو 150 عضوًا من خارج فلسطين، بحجة تعذر إجراء الانتخابات في أماكن وجود اللاجئين الفلسطينيين. ولا خلاف على أن إجراء انتخابات شاملة في الشتات يواجه صعوبات حقيقية، لكن تحويل هذه الصعوبة إلى حق واسع في التعيين يمنح القيادة قدرة كبيرة على التأثير في تركيبة المجلس، ويجعل الأغلبية المطلوبة متاحة حتى قبل فتح صناديق الاقتراع.
وعند هذه النقطة تحديدًا ينبغي أن يتوقف أصحاب الدعوات الصادقة إلى المشاركة للتفكير مليًا. فليس السؤال: هل سينجح بعض المستقلين أو الشخصيات الوطنية؟ فمن المرجح أن ينجح عدد منهم فعلًا، وهذا أمر قد يكون مطلوبًا لإضفاء قدر من التعددية على المجلس. لكن السؤال الأهم هو: "هل سيملكون القدرة على تغيير اتجاه المجلس أو تعديل موازين القوى داخله؟ أم أنهم سيكونون أقلية رمزية داخل مؤسسة حُسمت أغلبية مكوناتها مسبقاً بفعل شروط الترشح، وآليات التعيين، وطبيعة التحالفات القائمة؟".
إن أخطر ما في هذه المشاركة أنها قد تمنح العملية السياسية كلها شرعية وطنية يحتاجها النظام أكثر مما يحتاج إلى بضعة مقاعد إضافية. فوجود شخصيات وطنية مستقلة ومحترمة داخل المجلس سيُستخدم دليلًا على انفتاح النظام وتعدديته، بينما تبقى مراكز القرار الفعلية على حالها، دون تغيير جوهري في آليات صناعة القرار أو توزيع السلطة.
وهذا لا يعني الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات باعتبارها خيارًا مبدئيًا، ولا التقليل من قيمة أي محاولة إصلاحية، وإنما يعني ضرورة قراءة المشهد السياسي بواقعية، وعدم الخلط بين المشاركة بوصفها وسيلة للإصلاح، والمشاركة التي تتحول، من حيث لا يشعر أصحابها، إلى عنصر يمنح الشرعية لمسار صُمم أساساً لإعادة إنتاج الواقع القائم.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية خلال السنوات الماضية أن الانتخابات وحدها لا تصنع الديمقراطية، كما أن صناديق الاقتراع لا تؤدي تلقائياً إلى تداول السلطة أو إصلاح المؤسسات إذا كانت قواعد اللعبة نفسها مصممة بحيث تضمن نتيجة معينة سلفًا. فالديمقراطية ليست مجرد عملية اقتراع، بل منظومة متكاملة تقوم على التعددية، واستقلال القضاء، وتكافؤ الفرص، وحرية العمل السياسي، واحترام نتائج الانتخابات، ووجود مؤسسات قادرة على محاسبة السلطة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي حديث عن المشاركة: هل الهدف هو مجرد انتخاب مجلس وطني جديد، أم إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة الوطنية والتمثيل الحقيقي؟ فإذا كان الهدف هو الثاني، فإن الطريق إليه لا يبدأ بصناديق الاقتراع وحدها، بل بحوار وطني شامل يعيد تعريف العلاقة بين جميع القوى الفلسطينية، ويؤسس لعقد سياسي جديد يشارك فيه الجميع دون إقصاء.
إن الانتخابات إذا بقيت مجرد أداة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام القائم، فإن أصحاب النوايا الحسنة قد يجدون أنفسهم، من دون قصد، يساهمون في تحقيق أهداف تختلف تمامًا عن الأهداف التي خرجوا من أجلها. وفي السياسة، كما في التاريخ، كثيرًا ما كانت النوايا الطيبة جسرًا عبرت عليه مشاريع لم يكن أصحابها يريدونها، ولذلك بقيت الحكمة القديمة صالحة للتذكير دائمًا: إن الطريق إلى الجحيم معبّد بالنوايا الحسنة.
الكلمات المفتاحية
هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟
الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له
في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم
في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر
نحو صياغة عهد تربوي جديد
إن فكرة المعهد الوطني التربوي، ضرورة وطنية ملحّة، فما نراه من ارتجالية في رسم السياسات التعليمية، ينذر بذهابنا في التعليم إلى هناك.
تحقيق: إسرائيل تداولت في مستويات رسمية كذبة اختلقها حساب هندي
بدأ التصريح الكاذب من حساب هندي قومي ثم عاد إلى الهند نفسها باعتباره خبرًا أكده الإعلام الإسرائيلي
مصادر التعليم المفتوحة: اعتراضات واسعة والوزارة تؤكد مضيها في التنفيذ
شهدت المنصات الرسمية لوزارة التربية والتعليم حملة ترويجية ونشرًا مكثفًا لمقاطع فيديو تستعرض حصصًا دراسية تعتمد نظام مصادر التعليم المفتوحة
ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية
هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق الذي يتيح إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة
تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي