بعد الهدنة.. حين يظنّ العالم غزة "بخير" فتتراجع التبرعات
16 فبراير 2026
انتهت الإبادة الجماعية في غزة. "حقيقة" على الورق فقط و"أكبر كذبة" في الواقع، فعدا عن القتل الذي لم يتوقف، والحصار المستمر، وانتهاك الاحتلال لجميع الالتزامات المقررة عليه، فإن تبعات الحرب ما زالت قائمة وبصورة شديدة لا تقل كثيرًا عما كانت عليه قبل اتفاق إنهاء الحرب.
فبعد أربعة أشهرٍ من اتفاق إنهاء الحرب، يزداد الفقير فقرًا، وصاحب البيت المدمر يعيش في خيمة، والمريض ما يزال بحاجة إلى دواء باهظ الثمن، هذا إن توفر، والموظف لا يتقاضى راتبًا كاملاً ولا ثابتًا، والأسعار مرتفعة، و"تحويشة العمر" أنفقها الناس على احتياجات أساسية خصوصًا في المجاعة، وكل شيء صار مكلفًا بينما الجيوب أفرغتها الحرب.
الهدوء النسبي وطول فترة الحرب أوجدا نوعًا من الفتور والإرهاق المالي، فتكوّن عند البعض شعورٌ بأنهم فعلوا كل ما يستطيعون تجاه غزة وعليهم التحول للتركيز في دوائرهم الضيقة، خصوصًا مع غلاء الأسعار والتضخم وركود الأسواق العالمية
ويشتكي المحاصرون في قطاع غزة من أن التبرعات القادمة من الخارج تتأثر بمستوى التصعيد والهدوء، تصل ذروتها في ذروة الحرب، وتنخفض إلى حدِّ الانقطاع مع الإعلان عن التهدئة. لكن هذه العلاقة ليست ثابتة دومًا، فهي تظهر في بعض دوائر التبرعات وليس كلها، منها المبادرات الفردية والمؤسسات الصغيرة والتبرعات المباشرة من شخص في الخارج لآخر في القطاع.
"لم يعد يسأل"
يقول "عمر" -اسمٌ مستعار- أن صديقًا عربيًا قديمًا عاد للتواصل معه في الأشهر الأولى من الحرب بعد سنواتٍ من الانقطاع، وعرض إرسال المال له لكنه رفض لسببين، الأول: شعوره بالحرج، والثاني: أن الحرب لم تكن قد استنزفته ماديًا بعد.
ويوضح "عمر" أن الحرب الطويلة وإلحاح صديقه للمساعدة دفعه إلى قبولها، وكانت الدفعة الأولى ألفي دولار. ويقول: "اتفقت مع صديقي على توزيع جزء من المال على المحتاجين، فراقت له الفكرة، ورفع المبلغ في الدفعة الثانية، ثم أخذ يرسل مبالغ كبيرة، خصوصًا في فترة المجاعة".
وبيّن "عمر" أن الدعم استمر في هدنة كانون الثاني/يناير 2025، لكن مع توقيع اتفاق إنهاء الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2025 تغير الأمر، فقد أرسل المتبرع دفعة بسيطة بعد أيام من الاتفاق، ثم انقطع تمامًا، حتى أنه لم يعد يتواصل مع صديقه.
ويضيف عمر: "في آخر حديث بيننا بارك لي الاتفاق، وتحدث عن سعادته البالغة لأن الفلسطيني في غزة سيرتاح أخيرًا بعد عامين من التعب، وقد كان باديًا من حديثه عدم إدراكه حقيقة الأمر وتبعات الحرب المستمرة".
ويؤكد "عمر" أنه لا يلوم صديقه على وقف تبرعاته، "لكن يؤسفني أن الناس في الخارج يظنون أن حياتنا عادت لمسارها، بينما الواقع الصعب لم ينتهِ، فنحن ما زلنا نعاني في كل شيء، والغلاء أنهكنا وجعل حاجتنا للدعم مستمرة" بحسب قوله.
في يومٍ وليلة
وإن كان "عمر" قد طلب التحدث باسم مستعار حرجًا فإن "هند" طلبت إخفاء هويتها ليس حرجًا، إنما خوفًا على شقيقتها المغتربة في دولة عربية "من تهمة تمويل الإرهاب".
تقول "هند": "يخاف الناس في الدولة التي تقيم فيها أختي من التبرع بالطرق الرسمية لأسباب أمنية، فأي دعم لغزة قد يعرضهم للاعتقال، لذا فإن بعض معارفها يعطونها الأموال سرّا لترسلها لي فأوزعها على المحتاجين الذين أعرفهم".
وتضيف: "المبالغ متفاوتة، كانت كبيرة جدًا في فترتي المجاعة، وقلّت مع دخول المساعدات والبضائع، لكنها كانت مستمرة باستمرار الحرب، أما اليوم فهي شبه معدومة".
وتوضح "هند" أن بعض المتبرعين قللوا المبالغ، ومنهم من واصل التبرع لكن بفترات متباعدة، أما النسبة الأكبر فتوقفت تمامًا منذ اتفاق التهدئة.
وتشير "هند" إلى أن أحد المتوقفين عن التبرع كان صاحب الثقل الأكبر في التبرعات المُرسلة، "فهو مقتدر ماديًا، ويجمع الصدقات من شركائه التجار، وكلهم من أصحاب الأموال والخير، وكانوا يدفعون مبالغ كبيرة" وفقًا لقولها.
وتتساءل: "كيف يظن الناس في الخارج أن حياتنا تحسّنت في يوم وليلة؟"، مبينة: "المعاناة مستمرة، وحاجة الغزيين للدعم لم تتغير بسبب كل ما مرّوا به".
تراجعٌ.. فتوقُّف
يلخص الصيدلاني محمد الفرا قصة انهيار مبادرة "رحماء بينهم" قائلاً: "واجهنا هبوطًا حادًا في الدعم بعد توقيع اتفاق إنهاء الحرب وصل تدريجيًا حد الانهيار حتى توقفنا تمامًا".
أطلق الفرا حملة "رحماء بينهم" بعد عشرة أيام فقط من اندلاع الحرب للمساهمة في توفير العلاج لمحتاجيه، ومنذ ذلك الوقت وهي مستمرة في تقديم المساعدات المختلفة في المجال الطبي، ولكن بتذبذب كبير مرتبط بمستوى شراسة الحرب.
يقول الفرا: "بدأت الحملة بجهود ذاتية وتبرعات محلية من داخل القطاع، ثم توسعت دائرة المتبرعين وبدأنا في استقبال الدعم من الخارج، حتى استعانت بنا مؤسساتٌ في دول عربية خلال فترات تشديد الحصار، ولم يعد الجهد مقتصرًا على توفير الأدوية، فقد ساهمنا في توفير حليب أطفال، ونظارات وسماعات طبية، ومعدات للمستشفيات وعمليات جراحية مهمة لتحسين جودة حياة المريض، لكن وزارة الصحة لا تجريها لكونها غير طارئة مثل عمليات العيون".
ويضيف أن التبرعات كانت متذبذبة حسب موقع غزة في نشرات الأخبار، لذا كانت المجاعتان "فترة ذهبية" من حيث كم التبرعات.
ويتابع: "في أوقات إطباق الحصار، تواصلت معنا مؤسسات من دول عربية، فمع منع إدخال المساعدات لم يكن أمامها سوى الاعتماد على السوق المحلي، وهكذا اشترينا أجهزة ومعدات طبية للمستشفيات بالنيابة عنها".
وبحسب الفرا، فمع السماح بإدخال المساعدات، انقطع هذا التواصل، وعادت الحملة للاكتفاء بتبرعات الأفراد، أما المؤسسات فيأتي ردها مُوحدًا: "لا داعي للتواصل مع أفراد حاليًا، عدنا للعمل مع المؤسسات العاملة في القطاع، نُدخل مساعداتنا من خلالها".
وبعد أكثر من عامين، اضطر القائمون على حملة "رحماء بينهم" إلى تعليقها بهدف ادخار المبالغ التي يرسلها الملتزمون بالدفع شهريًا والانطلاق بها من جديد، ولكن مع اقتراب شهر رمضان، عاد الدعم، فعادت الحملة للعمل. ويقول الفرا: "رمضان من المواسم التي تشهد ارتفاعًا في الدعم، وهذا مرتبط بدوافع دينية، وليس بالأخبار والتصعيد كباقي الفترات".
ويؤكد الفرا أن هناك متبرعين ثابتين لم يتوقفوا عن تقديم الدعم مطلقًا، لكن ما يقدمونه لا يغطي احتياجات الحملة التي ساعدت أكثر من 12 ألف مريض في توفير الدواء، فضلاً عن الخدمات الأخرى، "فأحيانًا أدوية شخص واحد تكلف ألف شيكل".
ويضيف: "الدعم الثابت جيد بالنسبة لنا، لكنه لا يبقي الحملة قائمة، نحتاج متبرعين جدد دومًا، وهؤلاء الجدد كانوا يتواصلون معنا يوميًا خلال الحرب، لكن بعد اتفاق التهدئة تراجع الدعم المتجدد حتى انتهى تمامًا".
ويلخص الفرا النتيجة التي توصل إليها من خبرته في مستوى التبرعات قائلاً: "الإعلام ثم الإعلام ثم الإعلام. هذا هو العامل الأساسي في تعاطف العالم وتقديمه الدعم".
الحاجة شديدة والمعاناة مستمرة
ويوضح الناشط في العمل الإغاثي والإنساني محمد حسنة أن التبرع لمناطق الصراع أو الكوارث الطبيعية يرتبط بحجم الخسائر وأثر الصدمة في نفس المتبرع، بالإضافة إلى مدى توافر المعلومات وتوالي وصولها عن حقيقة الأوضاع الإنسانية.
ويضيف: "هذا ما يفسر وصول التبرعات ذروتها بازدياد أعداد الضحايا وبالآثار المدمرة للحروب أو الكوارث، كونها تُولد الرغبة لدى المتبرع وتزيد حافزية التقديم، وفي المقابل تراجعها عند انكسار حدة الكارثة أو الهدوء النسبي أو طول الأزمة أو شك المتبرع بعدم القدرة على وصول التبرعات وإحداث تغيير حقيقي".
ومع ذلك، فإن حسنة لم يلحظ تراجعًا كبيرًا مرتبطًا باتفاق وقف إطلاق النار في نطاق عمله المرتبط بمؤسسات قديمة ومعروفة، ولكنه لا ينفي أن التبرع يتأثر بالفعل في نطاقات أخرى، وهذا يعود إلى السيرة الذاتية التراكمية للمؤسسة وشبكة العلاقات والخبرة والعمل الميداني المحكم وقدرتها على التغلب على صعوبة الميدان، إضافة إلى الحوكمة والشفافية والثقة بين المؤسسة المنفذة والجهات المانحة، وتنوع مصادر التمويل بين التمويل الفردي والمؤسسي.
ويُبين حسنة أن تراجع الدعم يظهر في التبرعات الفردية والموجهة لمبادرات صغيرة وجديدة أو لأشخاص محددين، خصوصًا من قبل المتبرعين الجدد الذين يرسلون أموالهم وهم أُسارى المشاعر اللحظية والقدرة المالية، لا بفعل الارتباط العضوي بالقضية الفلسطينية.
ويضيف: "الهدوء النسبي وطول فترة الحرب أوجدا نوعًا من الفتور والإرهاق المالي، فتكوّن عند البعض شعورٌ بأنهم فعلوا كل ما يستطيعون تجاه غزة وعليهم التحول للتركيز في دوائرهم الضيقة، خصوصًا مع غلاء الأسعار والتضخم وركود الأسواق العالمية. وكل هذا يحد من قدرة الفرد على مواصلة التبرع بنفس الكثافة والحماسة".
ويتابع: "أما المؤسسات فوضعها مختلف، وهي قائمة على منظومة إدارية مالية وشبكة علاقات توفر لها مانحين متنوعين، فإن حدث انخفاض في دولة عززته دولة أخرى، وإن توقفت مؤسسة مانحة بدأت مؤسسة غيرها، وبالتالي تُحافظ المؤسسات على منسوب مستقر في التبرعات، وإن لم يكن هناك نمو فإنها تحافظ على نفس المستوى".
وأكد حسنة على رأي الفرا حول أهمية دور الإعلام في هذا الوقت، "فالعالم يجب أن يعلم أنه حتى بعد اتفاق إنهاء الحرب ما يزال القتل قائمًا، والحاجة شديدة، والمعاناة مستمرة"، مبينًا أن المؤسسات المختصة والإعلام المحلي مسؤولان عن إيصال الصوت وتصحيح الصورة وإبقاء آثار الحرب والمعاناة ماثلة أمام الجميع، حتى لا يغفل أحدٌ عن غزة.
ويعتقد حسنة أن الإكثار من تصوير مظاهر الحياة في غزة مثل المطاعم "يخلق مشاهد مضللة يستفيد منها الاحتلال لإيهام العالم بعدم وجود مشكلة في الأوضاع الإنسانية"، لكنه استدرك قائلاً: "التقارير الخاصة بالمؤسسات الإنسانية تدحض هذه الصورة، وكذلك الإعلام الذي يسلط الضوء على المعاناة، والمؤثرون الذين يأخذ بعضهم على عاتقه تصحيح الصورة".
الكلمات المفتاحية
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
كيف تأثر قطاع غزة بالعدوان على إيران؟
بدا واضحًا أن إسرائيل ترى في العدوان على إيران فرصة للانقلاب على اتفاق وقف إطلاق النار الذي كانت قد خرقته 1620 مرة حتى تاريخ 10 شباط
رمضان وكورنيش غزة في ذاكرة الغزيين.. عن "المتنفس الاجتماعي" الذي دمره الاحتلال
يُعد كورنيش غزة واجهة المدينة السياحية ومتنفسها الأبرز قبل حرب الإبادة الإسرائيلية، كما شكّل مقصدًا للرياضيين، ومصدر رزق لكثيرين بينهم خريجو الجامعات
قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48
قتل مواطنين اثنين اليوم السبت، أحدهما بجريمة إطلاق نار، داخل أراضي الـ48، والتي شهدت في الآونة الأخيرة احتجاجات ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في مواجهتها
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا
أفادت مصادر محلية مساء اليوم السبت، باستشهاد أمير محمد شناران وإصابة شقيقه برصاص المستوطنين في منطقة "واد الرخيم" جنوب يطا في الخليل
إدارة ترامب توافق على بيع ذخائر بقيمة 151 مليون دولار إلى إسرائيل
وافقت وزارة الخارجية الأميركية على بيع ذخائر بقيمة 151,8 مليون دولار إلى إسرائيل دون الحصول على موافقة الكونغرس على الصفقة