تحت المحو: كيف تحولت الثقافة في غزة إلى شهادة حياة؟
2 فبراير 2026
لم تكن الحرب في غزة حدثًا عسكريًا فحسب، بل لحظة انهيار شاملة طالت المكان، والزمن، والمعنى. ومع امتداد القصف، وانهيار الإيقاع اليومي للحياة، لم يعد ممكنًا الحديث عن الثقافة بوصفها نشاطًا منفصلًا عن الواقع، أو فعلًا مؤجّلًا إلى ما بعد الكارثة.
كان على الثقافة نفسها، إذن، أن تُغيّر وظيفتها. في هذه الحرب، لم تعد الكتابة مسألة جمالية أو خيارًا شخصيًا، بل مسألة عملية. لم يُكتب النص بعد الحدث، بل كُتب فيه، في ظل ظروفه القاسية: الجوع، والنزوح، والخوف، وفقدان الأحبة، والشعور بزمن مفتوح ومتحرّك. وهكذا، تشكّلت في غزة تجربة ثقافية جديدة كليًا، ليست «أدب حرب» بالمعنى المعتاد، بل أدب شهادة.
رغم شروط الحرب، لم يتوقّف الإنتاج الثقافي في غزة عند حدود النشر الرقمي. خلال عامي الحرب، صدرت عشرات الأعمال الأدبية بين شعر ورواية ويوميات، بعضها طُبع داخل القطاع بوسائل بدائية، وبعضها خرج عبر دور نشر عربية ودولية
حين سقطت المسافة بين الكاتب والحدث
لا سبيل إلى تناول ما كُتب في غزة أثناء الحرب بالأدوات النقدية المعتادة. لقد خرجت الرواية من عالم الخيال والحياة اليومية، وتخلّت القصيدة عن الاستعارات المعقّدة لصالح اللغة المجرّدة، ولم تُكتب اليوميات للتأمّل أو التوثيق الجاف، بل لحماية الأحداث من الطمس.
لم يعد هناك فصل بين الكاتب والحدث. لم يعد الكاتب يراقب الحرب من الخارج، بل يعيشها بكل تفاصيلها: يقف في الصفوف، ويركض تحت نيران العدو، ويجوع، وينزح، ويفقد، ويكتب من داخل كل هذا. حتى اللغة تغيّرت؛ أصبحت أقصر، وأكثر مباشرة، وأقل زخرفة، وأكثر ارتباطًا بالجسد والتجربة الحسية.
في هذا السياق، لم يعد الأدب فضاءً رمزيًا، بل وثيقة حيّة. وثيقة لا تنتظر الوقت ليمنحها الشرعية أو النقد ليصنّفها، بل تسابق الموت في محاولة لالتقاط تلك التفاصيل الصغيرة التي تختبئ في ضباب الحرب ولا تصل أبدًا إلى بيانات الجيش أو خرائط الأخبار.
من غزة إلى العالم: حين اخترقت الشهادة المركز
في عام 2025، أعلنت لجنة جوائز بوليتزر فوز الشاعر والكاتب الفلسطيني مصعب أبو توهة بجائزة بوليتزر للتعليق الصحفي، عن سلسلة مقالات نُشرت في مجلة "نيويوركر"، وثّق فيها تفاصيل الحياة اليومية في غزة خلال الحرب. لم يكن هذا الفوز حدثًا أدبيًا فرديًا، بل لحظة اعتراف عالمية نادرة. نصّ كُتب من داخل الحصار، وبعين ناجٍ، وصل إلى واحدة من أرفع المنصات الصحفية والأدبية في العالم.
كتب أبو توهة عن التردّد الطويل قبل مغادرة غزة، وعن تدمير مخيم جباليا، وعن التنقّل القسري بين بيوت ومدارس مكتظّة، وعن لحظة الاعتقال أثناء محاولته الخروج من غزة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، حيث تعرّض للإذلال والتحقيق والاحتجاز قبل الإفراج عنه لاحقًا. بعد خروجه، لم يخرج من النص، بل واصل الكتابة بوصفه حاملًا لسردية لا يمكن اختزالها، مؤكدًا أن الأمل ليس شعارًا أخلاقيًا، بل فعلًا يوميًا شاقًا يُزرع وسط الخراب.
لم يكن بوليتزر نهاية المسار، بل ذروته. نصوص كُتبت في غزة خلال الحرب نوقشت في جامعات غربية، ودُعيت إلى مهرجانات أدبية، وتُرجمت إلى لغات عدة، فيما فُتحت قنوات تواصل مباشرة بين كتّاب من القطاع ومؤسسات ثقافية دولية، بوصفهم شهودًا على لحظة تاريخية لا بوصفهم "ضحايا".
كيف تغيّرت نظرة الخارج؟
لم يكن هذا التلقّي الخارجي محايدًا ولا عابرًا. قبل هذه النصوص، كانت غزة في المخيال الغربي تُختزل غالبًا في صورتين: مساحة عنف دائم، أو أزمة إنسانية بلا صوت ذاتي. تُروى دائمًا من الخارج، وتُقدَّم كموضوع للتقارير أو الإغاثة أو التحليل الأمني.
ما فعلته الكتابة الغزية خلال الحرب هو كسر هذا القالب. نقلت غزة من كونها "موضوعًا يُكتب عنه" إلى ذات تكتب نفسها، ومن مكان يُستدعى للتعاطف إلى خطاب إنساني مكتمل يُفرض على القارئ التعامل معه معرفيًا وأخلاقيًا. لم يعد النص الغزي يُقرأ بوصفه شهادة ألم فقط، بل بوصفه إنتاجًا ثقافيًا قادرًا على مساءلة اللغة، والزمن، والعدالة، والحياة نفسها.
هذا التحوّل لم يكن تعاطفًا أخلاقيًا طارئًا، بل إعادة تموضع معرفي، اضطر القارئ الغربي إلى الإصغاء لغزة بوصفها ذاتًا متكلّمة، لا هامشًا صامتًا.
الشعر وهو يواجه الصوت اليومي للموت
في قلب هذا المشهد، برز صوت الشاعر ناصر رباح، الذي كتب قصائده من داخل مراكز الإيواء، محوّلًا الصوت اليومي للطائرة المسيّرة "الزنانة" من أداة قتل إلى محور شعري. ديوانه "الزنانة تأكل معي" لم يكن مجموعة شعرية تقليدية، بل مواجهة لغوية مباشرة مع الرعب اليومي. القصيدة هنا لا تهرب من الصوت، بل تواجهه، وتحوّله إلى شاهد لغوي على اختلال الحياة الطبيعية، وعلى قدرة الشعر على التقاط ما يتكرّر حتى يفقد غرابته.
وصول أعمال رباح إلى قوائم دولية، وصدورها ضمن إصدارات وزارة الثقافة الفلسطينية، يعكس كيف خرج الشعر الغزي من المحلي إلى الإنساني، ومن اللحظة إلى الذاكرة.
آلاء القطراوي: كتابة الأبناء كي لا يُمحوا
تمثّل تجربة الشاعرة والناقدة الأدبية آلاء القطراوي ذروة التحام الفقد بالكتابة في هذه الحرب. فقدت أطفالها الأربعة: أوركيدا، كنان، يامن، وكرمل، في قصف استهدف منزلهم في خانيونس، وبقوا تحت الركام لأشهر.
لم تكتب آلاء عن أطفالها بوصفهم رموزًا، ولا باعتبارهم أسماء في سجل الشهداء، بل أعادت كتابتهم كأشخاص كاملين: بأسمائهم، وملامحهم، وأسئلتهم اليومية، وخوفهم من الطائرات، وتفاصيل حياتهم الصغيرة التي كان يمكن أن تُمحى إلى الأبد.
أصدرت خلال الحرب أربعة أعمال أدبية، بينها مسرحية "أوركيدا"، وديوان "خيمة في السماء"، وكتاب "يكلّمني كنان"، الذي نسجت فيه حوارًا متخيّلًا مع طفلها الشهيد، كأن الكتابة كانت الطريقة الوحيدة لإبقائه داخل دائرة الكلام، لا في دائرة الصمت.
في هذه النصوص، لا تعمل الكتابة كفعل رثاء، بل كفعل ذاكرة. ذاكرة شخصية تحوّلت سريعًا إلى ذاكرة جمعية، وجد فيها قرّاء كُثر مساحة لتسمية فُقدانهم هم أيضًا، ومشاركة حزنهم، في مواجهة محاولة تحويل الموت إلى إحصاء.
حين تقول آلاء: "الذي يكتب، فهو يعيش"، فهي لا تتحدّث عن نجاتها وحدها، بل عن نجاة أطفالها من المحو، وعن حقّهم في البقاء أحياء في اللغة وفي ذاكرة من قرأ وتأثّر.
أصوات من الداخل: حين تُكتب التجربة لتبقى
لم تكن هذه التجربة حكرًا على اسم أو نوع أدبي واحد، بل تشكّلت بوصفها كتابة جماعية من الداخل، حيث كتب الشعراء والروائيون من مواقع متشابهة: الخيمة، الطابور، الجوع، والخوف اليومي من فقدان ما تبقّى.
دوّن يسري الغول يوميات الجوع والبقاء في شمال القطاع، بوصفها شهادة مباشرة عن الحياة تحت الحصار الكامل، حيث لم يعد الجوع إحساسًا عابرًا، بل حالة دائمة، وصار الموت مشهدًا يوميًا يرهق الوعي أكثر مما يفجعه.
وكتبت مريم قوش بنبرة منخفضة شديدة الكثافة، عن فقدان والدها دون وداع بسبب إغلاق المعابر، حيث تسلّلت الحرب في نصوصها عبر التفاصيل الصغيرة، دون صراخ أو خطاب مباشر.
أما سمية وادي، الشاعرة التي أنجزت الدكتوراه في اللغة العربية خلال الحرب، فقد كتبت من موقع النزوح والتشظّي. طبعت ديوان "وجوهٌ للأقنعة" في كانون الأول/ديسمبر 2023، ثم أصدرت "قصائد ناجية من الخوارزمية" في كانون الأول/ديسمبر 2025. حازت المركز الثاني في جائزة ديوان العرب عام 2024 عن قصيدتها "غواية في حضرة الموت"، وتأهّلت إلى المرحلة المباشرة في مسابقة أمير الشعراء، لكنها لم تتمكّن من المشاركة بسبب إغلاق المعبر والحرب، في مفارقة تختزل حضور المثقّف الفلسطيني نصّيًا وغيابه القسري جسديًا.
في الخيام، كتب أمير العجلة روايته "ظل الموت"، أرشفةً مباشرة لزمن النزوح والطوابير والخذلان، فيما قدّمت أمل يوسف في روايتها "أثير غزة" سردًا نسويًا عن الحرب، لا بطولة فيه، بل ذاكرة مفتوحة تعكس هشاشة العيش تحت القصف. في هذه النصوص جميعها، تتقدّم الكتابة بوصفها وظيفة واحدة: منع التجربة من الذوبان في النسيان.
الثقافة كفعل جماعي لا كمبادرات فردية
رغم شروط الحرب، لم يتوقّف الإنتاج الثقافي في غزة عند حدود النشر الرقمي. خلال عامي الحرب، صدرت عشرات الأعمال الأدبية بين شعر ورواية ويوميات، بعضها طُبع داخل القطاع بوسائل بدائية، وبعضها خرج عبر دور نشر عربية ودولية.
أصدرت وزارة الثقافة الفلسطينية ستة كتب أدبية لكُتّاب من غزة، إلى جانب مجلة أدبية جامعة ضمّت أكثر من ثلاثين اسمًا من شعراء وكتّاب القطاع، في محاولة واضحة لتثبيت المشهد الثقافي وعدم تركه عرضة للانقطاع.
ومع كل هذا الثقل، يظل سؤال مفتوح يفرض نفسه: هل ستبقى هذه الكتابة بعد انقضاء الكارثة؟ هل ستُقرأ نصوص الحرب بوصفها أدبًا قائمًا بذاته، أم ستظل مشروطة بزمنها القاسي؟
يدرك كثير من الكتّاب هذا القلق مبكرًا، ويعرفون أن التوثيق الفوري، على ضرورته، يحمل خطر استثمار الألم. غير أن ما يمنح هذه التجربة فرصتها في البقاء هو أنها لم تُكتب لتنال تعاطفًا سريعًا، بل لتثبّت الذاكرة في مواجهة المحو. غزة لم تكتب عن الحرب. غزة كتبت نفسها كي لا تُمحى.
في هذه اللحظة التاريخية، تحوّل المثقّف الفلسطيني من منتج إلى شاهد وجودي، لا يطلب دورًا، ولا يدّعي بطولة، بل يكتب لأن الصمت صار شراكة في المحو. وحين تهدأ الحرب يومًا ما، ستبقى هذه النصوص لتقول: كان هنا بشر. وكان لهم أسماء. وكتبوا لأن الكتابة كانت آخر ما يملكونه للدفاع عن ذاكرتهم.
الكلمات المفتاحية
"صحاب الأرض"… دراما رمضان 2026 توثّق حرب الإبادة على قطاع غزة
على كلمات أحمد فؤاد نجم، افتتح المسلسل المصري "صحاب الأرض" في رمضان 2026، متناولًا حرب الإبادة على قطاع غزة
الكاتبة الهندية البارزة أرونداتي روي تنسحب من مهرجان ألماني بسبب رفضه مناقشة إبادة غزة
انسحبت الكاتبة أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي الدولي بعد أن صرح رئيس لجنة التحكيم في المهرجان بأن على صناع الأفلام الابتعاد عن السياسة
"لا يُكسر: في سبيل حرية فلسطين".. كتاب لمروان البرغوثي يصدر في نوفمبر المقبل
سيُنشَر في 5 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل كتابٌ يضم مجموعة من كتابات الأسير مروان البرغوثي، ووثائق تمتد على مدى العقود الثلاثة الأخيرة من حياته
قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48
قتل مواطنين اثنين اليوم السبت، أحدهما بجريمة إطلاق نار، داخل أراضي الـ48، والتي شهدت في الآونة الأخيرة احتجاجات ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في مواجهتها
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا
أفادت مصادر محلية مساء اليوم السبت، باستشهاد أمير محمد شناران وإصابة شقيقه برصاص المستوطنين في منطقة "واد الرخيم" جنوب يطا في الخليل
إدارة ترامب توافق على بيع ذخائر بقيمة 151 مليون دولار إلى إسرائيل
وافقت وزارة الخارجية الأميركية على بيع ذخائر بقيمة 151,8 مليون دولار إلى إسرائيل دون الحصول على موافقة الكونغرس على الصفقة