حرب الإبادة الديموغرافية: كيف عمل الاحتلال على خفض عدد المواليد في غزة؟
9 مارس 2026
"أدت الحرب الإسرائيلية إلى انخفاض معدلات الولادة في قطاع غزة بنسبة 41%". هذا ما توصل إليه تقريرٌ لمنظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" نُشر في شهر كانون الثاني/يناير الماضي، ووُصف بأنه دليلٌ على أن إسرائيل ارتكبت "عنفًا إنجابيًا" في القطاع.
الطبيبة أسماء الصالح: "نستقبل يوميًا عددًا كبيرًا من حالات الإجهاض أو الحمل المهدد أو ولادات يعاني فيها الأطفال من مشاكل صحية"
هذا "العنف الإنجابي" لا يشمل استشهاد 20 ألف طفل على مدار عامين من حرب الإبادة الجماعية، وفق تقرير للمكتب الإعلامي الحكومي منتصف شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، فضلاً عن قصف جيش الاحتلال لمركز "البسمة" للإخصاب، ما تسبب في القضاء على أكثر من 4 آلاف من أجنة أطفال الأنابيب، إضافة إلى ألف عينة أخرى من حيوانات منوية وبويضات غير مخصبة مخزنة في المركز.
كل ذلك يرافقه ارتفاعٌ حاد في وفيات الأمهات وحديثي الولادة، وانتشار حالات الإجهاض والولادات المبكرة، وانهيار كامل لخدمات الرعاية الصحية الإنجابية وفقًا للمؤسسة.
تقول الطبيبة أسماء الصالح إن "انخفاض أعداد المواليد في قطاع غزة يعد نتيجة طبيعية للحرب الإسرائيلية والجرائم المرتكبة والتدمير الممنهج للمنظومة الطبية الذي أدى إلى هذا الواقع الصحي الصعب الذي تعيشه النساء".
وأوضحت الصالح، في حديث لـ"الترا فلسطين"، أن النساء في غزة يعانين من مشاكل صحية كبيرة وغير مسبوقة، مشيرة إلى أن توقف إطلاق النار لم يترجم إلى تحسن ملموس لدى النساء الفلسطينيات في غزة، فالأدوية ما زالت شحيحة، والمؤسسات الطبية المتخصصة في متابعة الصحة النسائية شبه معدومة.
وقالت الصالح: "نستقبل يوميًا عددًا كبيرًا من حالات الإجهاض أو الحمل المهدد أو ولادات يعاني فيها الأطفال من مشاكل صحية. النساء يعانين من مشاكل صحية كبيرة، جميعها ناتجة بشكل أو بآخر عن الحرب وما تسببت به من أمراض وضغط نفسي، وكذلك عن النزوح والتلوث والعدوى، والمجاعة وسوء تغذية".
وأكدت الصالح أن واقع الصحة الإنجابية للنساء في غزة بعد الحرب مختلف تمامًا عما كان قبلها، وهو ما لا يمكن فصله عن الصحة العامة للنساء، "حيث أصيبت العديد منهن بأمراض مزمنة، إضافة إلى مشاكل في الدم أو اختلالات هرمونية، أبرزها نقص هرمون البروجسترون الضروري لتثبيت الحمل، والتهابات شديدة، ونقص في الفيتامينات، ومشاكل في الرحم".
وتابعت: "لا تقتصر المشاكل على الإجهاض فقط، فحتى النساء اللواتي ينجح حملهن ويرزقن بأطفال، كثيرًا ما يواجهن مشاكل صحية للجنين نتيجة سوء متابعة الحمل طبيًا، أو مشاكل في الإرضاع، وتراجع في صحة الأم، وكل هذا يحدث في ظل رعاية طبية ضعيفة للغاية".
وأفادت بأن الأمهات يشعرن بخوف مستمر على حياة أطفالهن، ما يردعهن عن التفكير في الإنجاب، مؤكدة أن الإقامة في الخيام وظروف النزوح تؤثر سلبًا على الأطفال، وخصوصًا الرضع الذين لا تتحمل أجسادهم الصغيرة ومناعتهم المحدودة الأمراض المعدية أو درجات الحرارة المرتفعة أو المنخفضة.
وأشارت إلى أن الخيام تفتقر إلى التهوية ومليئة بالتلوث والحشرات، مما يزيد من خطر إصابة الأطفال ويؤثر على رغبة الأمهات في الإنجاب.
"عنف إنجابي"
وكانت مؤسسة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" قد وصفت ما يجري في غزة بأنها "سياسة عنف إنجابي تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي".
واستعرضت المؤسسة في بيان لها شهادات نساء وبيانات صحية وتقارير ميدانية، وثّقت نحو 2600 حالة إجهاض بين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو 2025، إضافة إلى 220 وفاة مرتبطة بالحمل، و1460 ولادة مبكرة، وأكثر من 1700 مولود ناقص الوزن، كلها في الشهور الستة المذكورة، فضلاً عن أن 2500 رضيع احتاجوا خلال الفترة ذاتها إلى رعاية مكثفة في حضانات لم تعد قادرة على العمل بكامل طاقتها.
سلمى أبو حسين (33 عامًا)، نازحة في وسط قطاع غزة، تقول إنها تعرضت للإجهاض ثلاث مرات متتالية دون معرفة الأسباب المباشرة لذلك، مبينة أن معاناتها تتفاقم في ظل الانهيار الحاد في الخدمات الطبية، واستمرار الأوضاع الإنسانية والمعيشية الصعبة التي يشهدها قطاع غزة.
وتشعر أبو حسين بحالة من الإحباط والحزن والتعب نتيجة ما تعانيه من حالات الإجهاض المتكررة، خصوصًا أنها فقدت طفلها الوحيد خلال الحرب. وتقول: "كنا نأمل أن نبدأ حياتنا من جديد، وأن نتجاوز المأساة التي عشناها بإنجاب طفل آخر يعيد إحياء عائلتنا، لكنني اصطدمت بواقع صحي يجعلني عاجزة في الوقت الحالي عن إتمام الحمل".
وأوضحت أنها راجعت المراكز الطبية مرات عديدة لتحصل على تفسيرات طبية متنوعة لحالتها: سوء التغذية، أو نقص الفيتامينات، أو مشكلات في الرحم، وربما العامل النفسي وفقر الدم، وغيرها من الأسباب التي أُرجِع إليها الإجهاض المتكرر وعدم اكتمال الحمل.
وأضافت: "في كل مرة أراجع فيها أحد المراكز الطبية وأشرح وضعي الصحي، ألتقي بالعديد من النساء اللواتي يعانين من حالات إجهاض ومشكلات صحية مرتبطة بالإنجاب، مشابهة لحالتي. كما يخبرنا الأطباء أن هذا الواقع بات شائعًا بين كثير من النساء في قطاع غزة بعد الحرب".
وتابعت: "غالبًا ما نتلقى وعودًا بأن هذه الحالة مؤقتة ولن تستمر، وأن المرحلة المقبلة ستشهد توفير رعاية طبية أفضل وأكثر تخصصًا في مجال صحة المرأة".
هندسة قتل المواليد
وتشير تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى استشهاد أكثر من 6000 أم في الأشهر الستة الأولى من الحرب، بمعدل امرأتين كل ساعة، كما أُجبرت نحو 150 ألف امرأة حامل ومرضعة على النزوح خلال الأشهر الأولى. وأكدت الهيئة أن تدمير منظومة الرعاية الإنجابية، وما رافقه من وفيات وإجهاضات قسرية وانخفاض معدلات الولادة، يعد سببًا رئيسيًا لإعلان أن أفعال إسرائيل تُشكّل إبادة جماعية.
وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان في أيلول/سبتمبر 2025 أن الحوامل في غزة "يتضورون جوعًا، ويعشن في خوف دائم، ويُجبرن على الولادة في ظروف غير إنسانية".
وأضاف أن حالة حمل واحدة من كل ثلاث حالات تُصنَّف بأنها عالية الخطورة، فيما يولد طفلٌ من كل خمسة مبكرًا أو ناقص الوزن، بينما تعاني 40% من الحوامل والمرضعات من سوء تغذية حاد.
وأكد الصندوق أن هذه ليست أزمة صحية فحسب، بل "حكم بالموت" يتهدد حياة الأمهات وأجنتهن في ظل عجز المجتمع الدولي عن وقف الانهيار الإنساني.
الإنجاب في الخيمة قرار معقد
وتقول الناشطة في شؤون المرأة إسراء بن سعيد إن معاناة المرأة الفلسطينية في غزة خلال الحرب وما بعدها، وما رافقها من ظروف قاسية، جعلت حياتها غير طبيعية في مختلف المجالات، وقد كانت أكثر الجوانب تأثرًا قضايا الأمومة والأسرة والإنجاب، نتيجة النزوح المتكرر، وسوء التغذية والجوع، والمشكلات الاجتماعية، وتفاقم الفقر.
وأوضحت بن سعيد أنه خلال عملها الإغاثي الموجَّه للنساء في مواصي خان يونس، رأت كيف أصبح قرار الحمل وإنجاب طفل جديد بالغ الصعوبة، وأكثر ما يؤثر على هذا القرار هو حالة الفقر الهائلة والمستفحلة، إلى جانب النزوح وعدم الاستقرار.
وأشارت بن سعيد إلى أن الفقر والأوضاع الاقتصادية الراهنة تمنع العديد من الآباء في قطاع غزة من تأمين الاحتياجات الأساسية، سواء لرعاية الأم الحامل أو الطفل المولود حديثًا، الذي يحتاج إلى رعاية فائقة خصوصًا في الأشهر الأولى من حياته، وهذا يعني مصاريف باهظة، فضلاً عن حاجته لظروف معيشية جيدة.
خلال عملها الإغاثي الموجَّه للنساء في مواصي خان يونس، رأت إسراء بن سعيد كيف أصبح قرار الحمل وإنجاب طفل جديد بالغ الصعوبة، وأكثر ما يؤثر عليه حالة الفقر الهائلة والمستفحلة
وأضافت أن هذه التحديات تجعل قرار الحمل معقدًا للغاية في ظل الفقر المستشري وارتفاع معدلات البطالة.
وأفادت بأن حياة النزوح والتشرد في الخيام لا تناسب أبدًا الحمل وإنجاب طفل جديد، "فظروف الحياة في الخيمة سيئة للغاية لحياة للإنسان الناضج، فما بالك بطفل رضيع يحتاج لمكان خالٍ من التلوث ومعقم، وكذلك الأم التي تكون في أضعف مراحلها وبحاجة أيضًا إلى بيئة ملائمة".
وأكدت بن سعيد: "المرأة الفلسطينية في غزة تعيش مرحلة عصيبة في كل المقاييس، إذ خلفت الحرب آلاف الأرامل وآلاف الأيتام ودمرت عائلات وسلبت رزق معظم العائلات وتسببت في وضع اجتماعي كارثي. وفي المقابل لا تجد المرأة الدعم الكافي في ظل تحملها لهذا الكم الهائل من المسؤوليات والأعباء".
الكلمات المفتاحية
أزمة الخبز في غزة تتفاقم: ما أسبابها؟
أكد مصدر مطلع على الأزمة، رفض الكشف عن هويته، خلال حديثه مع "الترا فلسطين" أن الأزمة تفاقمت نتيجة خفض برنامج الغذاء العالمي إنتاج الخبز بنسبة تتراوح بين 30 و40%
اقتصاد البقاء في غزة: حين يعيد الحصار تشكيل الحياة
يعيشون الناس في غزة "اقتصاد البقاء"، ويتركز تفكيرهم على تأمين احتياجاتهم اليومية، في ظل غياب فرص العمل وارتفاع معدل البطالة لأكثر من 80%
إغلاق الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال.. نهاية 35 عامًا من توثيق انتهاكات الاحتلال
توقفت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال - فلسطين عن العمل، منهيةً مسيرة امتدت لنحو 35 عامًا في توثيق انتهاكات حقوق الطفل الفلسطيني
الغارديان: نتنياهو مُني بسجل من الفشل الذريع في غزة ولبنان وإيران
قال جوناثان فريدلاند إنه بعد عامين ونصف من الحروب على إيران وغزة ولبنان مُني بنيامين نتنياهو بـ"سجل من الفشل الذريع"
معلومات استخباراتية أميركية: الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران
تشير معلومات استخباراتية أميركية إلى أن الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران خلال الأسابيع القليلة المقبلة
غزة: 6 شهداء و3 جرحى في خروقات مستمرة لوقف إطلاق النار
استُشهد ستة أشخاص وأصيب ثلاثة آخرون إثر غارة وسط قطاع غزة وإلقاء قنبلة على خيمة جنوب القطاع ليلة السبت
حُكام بريطانيا شركاء في إبادة قطاع غزة
يسعى بيتر أوبورن في كتابه "متواطئون"، إلى توثيق دور المملكة المتحدة في تدمير قطاع غزة وقتل سكانه، كاشفًا ما خلّفه ذلك من آثار عميقة في السياسة والمجتمع البريطانيَّين.