حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟
18 يناير 2026
في العام 2025؛ مرّ مرور الكرام خبر التهام الجوع لمثقف فلسطيني ارتقى شهيدًا، د. عمر حرب؛ الذي فقد عائلته خلال حرب الإبادة؛ ليلتحق بهم بعد أشهر قليلة جائعًا؛ وهو الكاتب الذي لم يتوقف عن الكتابة حتى حين نهش السرطان جسده.
ثمّة فاجعة، لكنها تحوّلت إلى رقم كبقية الأرقام التي سُجّلت في هذه الحرب؛ بيد أن هذا الحوار يكشف كيف أدارت إسرائيل حربًا صامتة في تدميرها للثقافة في غزة؛ وكيف حاصرت المثقفين؛ وكيف التهمت حربها أحشاءهم وأجسادهم؛ دون أن تنال شيئًا من عزائمهم أو إرادتهم. "الترا فلسطين" يحاور عارف بكر، مدير عام وزارة الثقافة في غزة؛ الذي يقف أمام شواهد تعبّر عن حرب لم ترصدها الكاميرات.
كيف تصفون المشهد الثقافي في غزة بعد حرب الإبادة، وما حجم الخسارة؟
المشهد الثقافي في غزة بعد حرب الإبادة يبدو مُثقلاً بالخسارة والغياب. العشرات من المواقع الأثرية والمراكز والمؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر دُمّرت كليًا أو جزئيًا، ما أدى إلى تفريغ الساحة من بيئتها الحاضنة للإبداع. فُقدت آلاف الكتب والوثائق والأعمال الفنية، واستُشهد عدد كبير من الكتّاب والفنانين والمبدعين، بينما اضطر آخرون إلى النزوح أو التوقف عن الإنتاج.
الثقافة في غزة لم تكن بمنأى عن الاستهداف، بل كانت هدفًا مباشرًا ضمن المحاولات الممنهجة المستمرة منذ عقود لطمس الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني ومحو ذاكرته الجمعية. ومع ذلك، يبقى المثقفون أكثر شرائح المجتمع قدرة على التكيف والتعبير، مما يمنح الأمل بإمكانية استعادة النشاط الثقافي ولو من تحت الركام.
عارف بكر: بعد الحرب، فقد تضررت البنية الثقافية بشكل بالغ، وتوقّفت البرامج والأنشطة الثقافية نتيجة التدمير المباشر، والنزوح، وفقدان البنية التحتية
هل يمكن القول إن الثقافة كانت أحد الأهداف المباشرة لهذه الحرب؟ ولماذا؟
نعم، بكل تأكيد، يمكن القول إن الثقافة كانت من الأهداف المباشرة لهذه الحرب. فاستهداف المواقع الأثرية، والمسارح، والمكتبات، والمراكز الثقافية، والمؤسسات التعليمية، ودور النشر، لا يمكن اعتباره أضرارًا جانبية، بل هو فعل ممنهج يستهدف ركائز الوعي الجمعي الفلسطيني.
لأن الاحتلال يدرك أن الثقافة تحمل رواية الشعب الفلسطيني إلى العالم، وتعرّي روايته المضللة، وتُعيد إنتاج الهوية الفلسطينية، وتُجسّد حق الشعب الفلسطيني في أرضه؛ لذا فإن ضرب البنية الثقافية هو محاولة لطمس هذه الرواية، وكسر أدوات التعبير عنها، وإضعاف قدرة المجتمع على الصمود والتوثيق. إنها حرب على الثقافة والذاكرة بقدر ما هي حرب على الجغرافيا والإنسان.
ما الفرق بين وضع الثقافة في غزة قبل الحرب وبعدها على مستوى الإنتاج والتأثير؟
قبل الحرب، ورغم التحديات والحصار، لعبت وزارة الثقافة دورًا مهمًا في توجيه ودعم المشهد الثقافي في قطاع غزة، من خلال تنفيذ مشاريع ثقافية مهمة، ورعاية الأنشطة والمبادرات التي تخدم القضايا الوطنية، وتعزز الهوية الفلسطينية، وتدعم الفنون والآداب.
كانت الوزارة تُنسّق جهود المؤسسات الثقافية، وتعمل على خلق بيئة إنتاج ثقافي تعبّر عن الواقع الفلسطيني.
أما بعد الحرب، فقد تضررت البنية الثقافية بشكل بالغ، وتوقّفت البرامج والأنشطة الثقافية نتيجة التدمير المباشر، والنزوح، وفقدان البنية التحتية. التأثير الثقافي بات محدودًا، مع تحوّل العمل إلى مبادرات فردية تحاول حفظ الرواية الفلسطينية وسط الدمار.
كيف تقرؤون استهداف المسارح، والمراكز الثقافية، والمكتبات، ودور النشر ضمن سياق الحرب؟
استهداف المسارح، والمراكز الثقافية، والمكتبات، ودور النشر لم يكن عشوائيًا أو هامشيًا، بل يُقرأ في سياق حرب ممنهجة ضد الذاكرة والهوية الفلسطينية.
فهذه المؤسسات كانت أشبه بخلايا نحل للنشاط الثقافي، وتُعدّ خزّانات للوعي الجمعي، وأدوات لتعزيز الانتماء الوطني، ومنابر لحفظ الرواية الفلسطينية في مواجهة رواية المحتل.
تدميرها هو محاولة لشلّ أدوات التعبير الثقافي، وكسر روح المجتمع، وتجفيف منابع الإنتاج الفكري، كي لا يبقى للفلسطينيين صوت يروي حكايتهم أو يُعبّر عن معاناتهم. بهذا المعنى، فإن الحرب الثقافية لم تكن أقل شراسة من الحرب العسكرية.
إلى أي حد كان تدمير الثقافة محاولة لطمس الهوية الفلسطينية وكسر الذاكرة الجمعية؟
تدمير الثقافة في غزة لم يكن مجرد خسائر في المباني أو الكتب، بل كان محاولة ممنهجة لطمس الهوية الفلسطينية وكسر الذاكرة الجمعية. الاحتلال يدرك أن الثقافة هي الحصن الأخير الذي يحمي روح الشعب ونضاله، ويصون تاريخه وسرديته الوطنية؛ لذلك جاء استهدافها كأداة استراتيجية لكسر إرادة الفلسطينيين ومحو روايتهم.
حين تُدمَّر المسارح والمكتبات، وتُقصف المراكز والمؤسسات الثقافية، وتُغتال الكلمة، فإن الهدف هو تفريغ المجتمع من رموزه الثقافية ومصادر وعيه، وتحويله إلى كيان بلا ذاكرة أو مستقبل.
هل لديكم أرقام أو تقديرات أولية لحجم الخسائر في المؤسسات والمرافق الثقافية؟
نعم، هناك تقديرات أولية تشير إلى خسائر فادحة لحقت بالبنية الثقافية في قطاع غزة، حيث تم إحداث دمار واسع جدًا في البنية التحتية الثقافية. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام لا تزال غير شاملة أو تفصيلية، نظرًا للعديد من المعوّقات وصعوبة الوصول إلى كثير من المواقع المستهدفة والمناطق الخطرة.
وحرصًا على التوثيق المهني والدقيق، يجري الإعداد حاليًا لتشكيل لجان مختصة بالتعاون مع مؤسسات عاملة في الشأن الثقافي، بهدف رصد وتوثيق جميع الاعتداءات والانتهاكات التي طالت الثقافة الفلسطينية، والعمل على إعداد تقرير ممنهج وموثّق يُعتمد كمرجع وطني.
كيف أثّرت الحرب على المثقفين والكتّاب والفنانين في غزة إنسانيًا ومهنيًا؟
أثّرت الحرب بشكل بالغ القسوة على المثقفين والكتّاب والفنانين في غزة، سواء على الصعيد الإنساني أو المهني. فقد عدد كبير منهم أسرهم أو منازلهم، واضطر كثيرون إلى النزوح أو العيش في ظروف قاسية وغير إنسانية. كما تضررت أدواتهم ومرافق عملهم، وانقطع تواصلهم مع مؤسساتهم ومصادر إلهامهم.
مهنيًا، توقفت معظم الأنشطة الثقافية، وتراجع الإنتاج الأدبي والفني نتيجة الصدمة النفسية وضيق الحيلة. إضافة إلى ذلك كله، تعرّضوا لترهيب نفسي ممنهج عبر استهداف الأصوات الحية والمؤثرة التي تفضح ممارسات الاحتلال، مما خلق مناخًا يحاول إسكاتهم وخنقهم.
ومع ذلك، فإن كثيرًا منهم حاول أن يُبقي صوته حاضرًا، عبر الكتابة أو الرسم أو التعبير الرقمي، كمحاولة لتوثيق الألم ومقاومة النسيان، رغم ما يواجهونه من تحديات وهموم يومية.
هل فقدت غزة أسماء ثقافية خلال الحرب؟ وكيف تنوون تخليدهم؟
نعم، للأسف، فقدت غزة أسماء ثقافية بارزة ووازنة خلال الحرب، من مثقفين وفنانين وكتّاب أثروا الساحة الثقافية بأعمالهم وإبداعاتهم.
تخليدهم يتم من خلال توثيق إبداعاتهم وسيرهم الذاتية، وإقامة فعاليات وملتقيات ثقافية تُكرّم ذكراهم، بالإضافة إلى نشر أعمالهم لتعزيز إرثهم الثقافي والوطني. كما نحرص على أن تبقى قصصهم حيّة في الذاكرة الجمعية، ليكونوا رموزًا للإصرار والصمود أمام محاولات الطمس والتشويه.
كيف تقيّمون دور المثقف الفلسطيني خلال الحرب: هل كان فاعلًا أم مُحاصرًا؟
دور المثقف الفلسطيني خلال الحرب كان معقّدًا ومحصورًا في ظل ظروف صعبة وقاهرة. رغم المحاولات الفردية والمبادرات الصغيرة، فقد تعرّض المثقفون والمبدعون لتهديد وترهيب نفسي مستمر، خاصة مع استهداف كل صوت مسموع ومؤثر يفضح ممارسات الاحتلال ويطالب بحقوق الشعب الفلسطيني.
هذا القمع والضغط والصعوبات المعيشية، كل ذلك حدّ من قدرة المثقف على العمل بحرية، وجعله يعيش حالة من الحصار المهني والإنساني. ومع ذلك، ظل المثقف حاضرًا ومقاومًا من خلال صموده ومحاولاته المستمرة لنقل الحقيقة والتعبير عن الهوية الوطنية، حتى لو كانت أدواته محدودة وأثره جزئيًا.
برأيكم، كيف تحولت الثقافة خلال الحرب إلى شكل من أشكال المقاومة؟
في ظل الحرب، لم يكن هناك مجال للإنتاج الثقافي المؤسسي أو الجماعي، بل اقتصرت الأنشطة الثقافية على مبادرات وجهود فردية من المثقفين والفنانين الذين استمروا في التعبير عن صمودهم وهويتهم رغم الظروف الصعبة.
هذه المبادرات الفردية شكّلت شكلًا من أشكال المقاومة، إذ عبّرت عن الأمل والتمسك بالحقوق الوطنية، وأسهمت في تعزيز حضور الرواية الفلسطينية على المستوى الدولي، وزيادة جهود المناصرة الدولية، رغم قسوة الواقع وغياب الدعم المؤسساتي.
ما أبرز أشكال الإبداع التي وُلدت تحت القصف والحصار؟
برزت خلال الحرب أشكال متعددة من الإبداع الفلسطيني رغم القصف والحصار والظروف القاسية، كان أبرزها إنتاج محتوى رقمي توثيقي على وسائل التواصل الاجتماعي يعكس الواقع المأساوي بلغة مؤثرة.
ظهرت أيضًا رسوم كاريكاتيرية، ولوحات وجداريات فنية رسمها شباب مبدعون تعبيرًا عن الألم والحنين والصمود والتحدي. إضافة إلى كتابة نصوص شعرية وأدبية وقصص إنسانية من داخل المخيمات ومراكز الإيواء والنزوح والمنازل المدمّرة، ومبادرات سرد حكايات للناجين على منصات إلكترونية.
هذا الإبداع الفردي، رغم بساطة أدواته، شكّل مقاومة رمزية ووسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية وتعزيز الحضور الفلسطيني في الوعي العالمي.
هل نجحت الثقافة في نقل رواية غزة إلى العالم في ظل اختلال ميزان الإعلام الدولي؟
رغم اختلال ميزان الإعلام الدولي وتحيّزه، إلا أن الثقافة الرقمية لعبت دورًا مهمًا في نقل رواية غزة إلى العالم. فقد استطاع المثقفون والمبدعون الفلسطينيون، عبر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، تجاوز الرقابة والانحياز الإعلامي، والوصول إلى جمهور عالمي بلغة إنسانية تتجاوز الحواجز الجغرافية والثقافية.
هذا الدور ساهم في تحشيد الرأي العام العالمي، وفضح جرائم الاحتلال بأساليب سردية وفنية مؤثرة، ما جعل الثقافة الفلسطينية أداة مقاومة فعّالة وصوتًا حرًا أمام حملات التضليل والتزييف الإعلامي.
ما أبرز التحديات التي واجهتكم كوزارة خلال العدوان؟
أبرز التحديات التي واجهتنا تمثلت في الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية الثقافية من مراكز ومكتبات ومسارح، إضافة إلى انقطاع وسائل الاتصال والكهرباء، مما صعّب عملية التوثيق والتواصل.
كما واجهنا صعوبة في دعم المثقفين نفسيًا ومهنيًا بسبب النزوح والتشريد وفقدان عدد من الكفاءات. غياب التمويل الطارئ، وقلة الموارد اللوجستية، وغياب بيئة آمنة للعمل الثقافي، كلها عوائق كبّلت عمل الوزارة، لكنها لم توقف الجهود في حماية الذاكرة وتوثيق الجرائم بحق الثقافة الفلسطينية.
ما أولويات وزارة الثقافة في مرحلة ما بعد الإبادة؟
أولويات وزارة الثقافة في مرحلة ما بعد الإبادة تتركز في ثلاثة مسارات رئيسية، وهي:
جمع وتوثيق كافة الاعتداءات على المراكز الثقافية والموروث الوطني، وإعداد أرشيف وطني للذاكرة الثقافية في زمن الإبادة.
العمل على إعادة تأهيل ما دمره الاحتلال من مؤسسات ثقافية، وبناء بنية تحتية حديثة قادرة على استيعاب النشاط الثقافي وتطويره.
توفير برامج دعم للمبدعين والمثقفين، وتطوير مشاريع ثقافية موجهة للأطفال والشباب، تساهم في تعزيز الهوية والانتماء، ومداواة الآثار النفسية والاجتماعية للحرب.
هل هناك خطة وطنية لإعادة إعمار البنية الثقافية المدمرة؟
حتى اللحظة، لا يوجد عمل فعلي مكتمل لوضع خطة وطنية شاملة لإعادة إعمار البنية الثقافية في قطاع غزة، وذلك بسبب حجم التحديات الهائل، والانشغال شبه الكامل بالأولويات الإنسانية والإغاثية في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها الناس.
ومع ذلك، هناك نوايا جدية وحقيقية لإعداد خطة وطنية متكاملة، على أن تكون الخطة جزءًا من استراتيجية وطنية أوسع للتعافي، يشارك في وضعها مثقفون وخبراء لضمان استجابة حقيقية لحجم الكارثة.
الخطة لن تكون سهلة، لكنها ضرورة وجودية لضمان استمرار الرواية الفلسطينية وتثبيت الذاكرة الوطنية في وجه محاولات الطمس والتهويد.
من المتوقع أن تعالج الخطة عدة جوانب، أبرزها:
حصر الأضرار الثقافية بشكل شامل ومهني.
إعادة تأهيل المؤسسات والمرافق الثقافية المدمرة جزئيًا أو كليًا.
دعم الكتّاب والفنانين والمبدعين.
كيف يمكن إعادة إحياء الحياة الثقافية في مجتمع مثخن بالجراح؟
إعادة إحياء الحياة الثقافية في قطاع غزة بعد حرب الإبادة يتطلب في المقام الأول الاعتراف بالثقافة كأداة للتعافي النفسي والاجتماعي، وأنها ليست ترفًا يمكن تأجيله. الثقافة في الحالة الفلسطينية وسيلة مقاومة ونضال ضد الاحتلال الذي يستهدف كل مكونات الهوية والوجود الفلسطيني، كما أنها أداة لبناء الوعي وحمايته.
ما الدور المنتظر من المثقفين في مرحلة التعافي الوطني؟
يُنتظر من المثقفين والمبدعين الفلسطينيين أن يلعبوا دورًا محوريًا في إعادة بناء الوعي الجمعي الفلسطيني، والعمل على تحصين الهوية الوطنية التي حاول الاحتلال طمسها.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تقع على عاتقهم مسؤولية توثيق ما حدث، ونقله إلى العالم، وإنتاج أعمال أدبية وفنية تجسّد حجم الوجع وتبث الأمل في آنٍ واحد.
كما يُعوّل عليهم في احتضان الأجيال الجديدة، وتوجيهها نحو الانتماء والتمسك بالثوابت الوطنية، وتعزيز الوعي الوطني، والنهوض من تحت الركام.
كيف أثّرت الحرب على الأطفال والشباب ثقافيًا ونفسيًا؟
أثّرت الحرب على الأطفال والشباب في غزة بشكل بالغ من الناحيتين الثقافية والنفسية. فقد حُرموا من أبسط حقوقهم في التعليم، واللعب، والتعبير، نتيجة الدمار الهائل الذي طال المدارس والمراكز الثقافية والمساحات الآمنة.
ثقافيًا، تراجع انخراطهم في الأنشطة الإبداعية، وتوقفت أغلب المبادرات التي كانت تستهدف تنمية مواهبهم وتعزيز وعيهم الوطني. أما نفسيًا، فقد تسببت مشاهد القصف والدمار وفقدان الأحبة في ترك آثار عميقة على نفوسهم.
ما البرامج التي تفكرون بها لحماية الجيل الجديد من فقدان الأمل والهوية؟
سيتم العمل على إعداد حزمة برامج متكاملة تستهدف حماية الجيل الجديد من آثار الحرب النفسية والثقافية، ومعالجة آثارها والحفاظ على الهوية الوطنية. أبرزها برامج الدعم النفسي والثقافي، والمكتبات المتنقلة، ومشاريع الكتابة الإبداعية والتوثيق، وبرامج الفنون التعبيرية. وسيكون التركيز في هذه البرامج على شريحة الشباب والأطفال باعتبارهم قادة المستقبل، وليسوا ضحايا للحرب فقط.
هل تخشون من فجوة ثقافية طويلة الأمد بسبب الحرب؟
نعم، هذه مخاوف مشروعة؛ فالحرب تسببت في ضغوط نفسية هائلة، وترهيب ممنهج، وعزلة قسرية عن العالم، ناهيك عن التدمير الواسع للبنية التحتية الثقافية من مراكز ومكتبات ومدارس وجامعات.
هذا قد يترك فجوة ثقافية طويلة الأمد، خصوصًا لدى الأجيال الناشئة التي حُرمت من أدوات المعرفة والتعبير. لكننا نؤمن أن العمل الثقافي هو جبهة نضال حقيقية، ومكوّن أساسي من مقاومة الاحتلال الذي يستهدف الوعي والهوية قبل الأرض.
وبالتعاون مع جميع المؤسسات الثقافية والوطنية، نأمل أن نتمكن من معالجة آثار هذه الإبادة، وترميم الذاكرة الثقافية لأبناء شعبنا.
كيف تقيّمون مستوى التضامن الثقافي العربي والدولي مع غزة؟
مستوى التضامن الثقافي العربي والدولي مع غزة كان لافتًا وغير مسبوق من حيث التعبير والمواقف والمبادرات الرمزية، وشهدنا أصواتًا حرّة ومؤسسات ثقافية تعلن تضامنها مع الشعب الفلسطيني وتدين الإبادة الجماعية.
لكننا نأمل أن يتجاوز التضامن حدود الكلمات، نحو خطوات عملية تساهم في عزل هذا الكيان المجرم ثقافيًا وأخلاقيًا، وكشف جرائمه أمام العالم، ودعم إعادة بناء المشهد الثقافي الفلسطيني كجزء من معركة الوعي والوجود.
هل وصل دعم حقيقي للمشهد الثقافي أم اقتصر على بيانات التضامن؟
حتى اللحظة، لم يصل أي دعم حقيقي مباشر للمشهد الثقافي في غزة، واقتصر التفاعل على بيانات التضامن والمناصرة من مؤسسات وأفراد حول العالم.
ورغم أهمية هذه المواقف الرمزية، إلا أن الواقع الثقافي المدمّر يحتاج إلى تدخل فعلي، وخطط دعم ممنهجة لإعادة بناء ما تم تدميره، وضمان استمرار العمل الثقافي كجزء من مقاومة الاحتلال وحماية الهوية الوطنية.
ما الرسالة التي توجهونها للمؤسسات الثقافية الدولية؟
نوجّه رسالتنا إلى المؤسسات الثقافية الدولية بأن ما جرى في قطاع غزة يتجاوز كونه عدوانًا عسكريًا، بل يشكّل إبادة ثقافية ممنهجة استهدفت الإنسان والمكان والذاكرة.
ندعوكم إلى تحمّل مسؤولياتكم الأخلاقية والإنسانية في تصنيف ما حدث كجريمة إبادة ثقافية، ومعاقبة الاحتلال، ودعم جهود إعادة إعمار البنية التحتية الثقافية، وتمويل برامج متخصصة لمعالجة الآثار النفسية والثقافية العميقة التي خلّفتها الحرب، خاصة على الأطفال والشباب، بما يضمن حماية الهوية الثقافية الفلسطينية واستمرار نبضها رغم الدمار.
هل تحتاج السياسات الثقافية الفلسطينية إلى مراجعة بعد هذه الحرب؟
ما جرى في قطاع غزة جرائم إبادة ممنهجة بكل المقاييس، وتتطلب تدخّلًا استثنائيًا ومراجعة شاملة لكل المشهد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات الثقافية.
هناك حاجة ملحّة لوضع خطط واستراتيجيات تتناسب مع حجم الكارثة، لمعالجة آثار الحرب المدمّرة، وإعادة بناء ما تم تدميره، وضمان استخلاص الدروس والعبر بما يُحصّن مستقبل المشروع الثقافي الوطني ويعزز صموده في وجه محاولات الطمس والتغييب.
ما الدروس التي خرجتم بها من استهداف الثقافة خلال الإبادة؟
أهم الدروس التي خرجنا بها هي أن الثقافة هي الدرع الحامي للمجتمع ثقافيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا في مواجهة مثل هذه الظروف الاستثنائية الصعبة. كما أدركنا أن استهداف الثقافة هو محاولة لإضعاف النسيج الوطني وهويته، مما يستوجب تعزيز حماية الإرث الثقافي وتوفير الدعم المستدام للمبدعين والمثقفين.
وضرورة تطوير آليات أكثر فاعلية للتوثيق والمقاومة الثقافية، والاستثمار في التعليم والبرامج الثقافية التي تحافظ على الذاكرة الجمعية وترسّخ الهوية الوطنية رغم كل المحن. إضافة إلى ذلك، هناك حاجة ماسّة لاستراتيجيات واضحة لتعزيز حضور الرواية الفلسطينية على المستوى العربي والدولي، وزيادة مستوى التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية، وتشجيع حملات مقاطعة الاحتلال في شتّى المجالات.
كيف يمكن تحويل مأساة غزة إلى قوة ناعمة ثقافيًا؟
يمكن تحويل مأساة غزة إلى قوة ناعمة ثقافيًا من خلال استثمار معاناة الشعب الفلسطيني وتجربته الإنسانية العميقة في إنتاج محتوى ثقافي وأدبي وفني يعكس صمودهم وقصصهم الملهمة.
هذا يشمل دعم الكتّاب والفنانين والمبدعين لتوثيق التجربة، وتوسيع النشر والترجمة، وتنظيم معارض وأعمال مسرحية وأفلام وثائقية تنقل الرواية الفلسطينية إلى العالم بلغة إنسانية تُحرّك الضمير العالمي.
الثقافة قادرة على اختراق الحواجز وتشكيل رأي عام عالمي، وتحقيق نوع من العدالة الرمزية التي تفضح الاحتلال وتُعيد الاعتبار للضحايا، وتُعزّز من حضور فلسطين كقضية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية.
ماذا تقولون للمثقف الفلسطيني الذي يشعر اليوم بالعجز؟
نقول لكل مثقف فلسطيني يشعر بالعجز: هذه المعركة لا تحتمل التراجع أو الاستسلام. صراعنا مع الاحتلال هو صراع على الوعي، والهوية، والتراث، وواجبنا اليوم أن نكون في قلب هذه المعركة. ما جرى في غزة من مآسٍ وقصص إنسانية مروّعة لا يجب أن يُنسى، بل يُوثّق ويُروى ويُحوّل إلى أعمال ثقافية وإبداعية تعكس الألم، وتُعزّز الأمل، وتنقل روايتنا إلى العالم.
المثقفون هم نبض الشعوب في الأزمات، وعليهم تقع مسؤولية استنهاض الهمم وبناء الوعي الجماعي، ليس فقط لمواجهة الاحتلال، بل أيضًا للمساهمة في تعافي المجتمع وترميم ما دمرته الحرب.
كيف تتخيلون الثقافة في غزة بعد خمس سنوات من الآن؟
نتخيّل الثقافة في غزة بعد خمس سنوات أكثر صلابة ووعيًا ورسوخًا، وقد استعادت عافيتها رغم كل ما تعرضت له. ستكون شاهدة على إرادة الحياة والانبعاث من تحت الركام، بجهود المثقفين والمؤسسات الثقافية وأبناء الشعب الفلسطيني.
نطمح إلى مشهد ثقافي نابض، يعبّر عن التجربة الفلسطينية بعمق وإبداع، ويكون قادرًا على إنتاج رواية فلسطينية مؤثرة تتجاوز الحدود، وتستعيد دور الثقافة كقوة ناعمة في مواجهة الاحتلال وتعزيز الهوية الوطنية. ورغم التحديات، فإن الرهان الأكبر يبقى على الإنسان الفلسطيني، الذي لا يزال قادرًا على تحويل الألم إلى طاقة بناء وإبداع.
الكلمات المفتاحية

الناطق باسم حماس حازم قاسم لـ"الترا فلسطين": عملية تسليم الحكم في قطاع غزة جاهزة
شدد حازم قاسم على أن حماس "لم تتلقَّ حتى اللحظة تصورًا متكاملاً وشاملاً ونهائيًا من قبل الوسطاء، فيما يتعلق بملف السلاح"

فلسطين وعام ترامب الأول | أنطوان شلحت: العلاقة بين ترامب وإسرائيل استراتيجية ثابتة والخلافات للاستهلاك الداخلي
أنطوان شلحت: العلاقة بدأت كعلاقة استراتيجية منذ ولاية ترامب الأولى. ونذكر أنه في الولاية الأولى، اتخذت الإدارة الأميركية خطوات مؤيدة لإسرائيل، ولا سيما فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية، ناقضت بها قرارات إدارات سابقة

فلسطين وعام ترامب الأول | هاني المصري: إدارة ترامب تريد سلطة فلسطينية مجوفة من دورها التمثيلي والوطني
بعد عام على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في فترة رئاسية ثانية، تتّضح ملامح مقاربة أميركية تقوم على تجاوز القيادة الفلسطينية، وتجويف دور السلطة الفلسطينية، والتعامل مع الفلسطينيين كأفراد واحتياجات أمنية لا كشعب صاحب حقوق سياسية
رؤساء سابقون للشاباك يتهمون نتنياهو بالتنصل من مسؤولية 7 أكتوبر
أفادت القناة 12 بأن خمسة رؤساء سابقين لجهاز الشاباك وجّهوا رسالة شديدة اللهجة إلى نتنياهو ورئيس الجهاز الحالي دافيد زيني، متهمين إياه بمحاولة التنصل من المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر
مستشفى شهداء الأقصى يحذر من توقف وشيك لخدماته بسبب تعطل المولدات
حذر مستشفى شهداء الأقصى من خطر وشيك يهدد استمرار عمله، نتيجة توقف المولد الكهربائي الرئيسي الثاني عن العمل، بعد توقف المولد الرئيسي الأول قبل ثلاثة شهور

الكاتبة الهندية البارزة أرونداتي روي تنسحب من مهرجان ألماني بسبب رفضه مناقشة إبادة غزة
انسحبت الكاتبة أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي الدولي بعد أن صرح رئيس لجنة التحكيم في المهرجان بأن على صناع الأفلام الابتعاد عن السياسة
نيكولاي ملادينوف يتبنى الموقف الإسرائيلي: "البداية في نزع سلاح غزة"
ذكر ملادينوف "ضرورة حصول السلطة الانتقالية على السيطرة المدنية والأمنية الكاملة على غزة، وأن تحقيق ذلك يتطلب استكمال نزع سلاح جميع الفصائل الفلسطينية التي تمتلك أسلحة"

