دسترة الإقصاء
18 ديسمبر 2025
للمرة الثالثة هذا العام، وفي أقل من ستة أشهر، يصدر رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، قرارًا جديدًا يستبعد بموجبه كل من لا يعلن التزامه بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير، وبالتزاماتها، وبقرارات الشرعية الدولية، من المشاركة في الحياة العامة للشعب الفلسطيني عبر الانتخابات. تمثّل هذا التوجه مؤخرًا في القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخابات الهيئات المحلية (المادة 16 تحديدًا)، الصادر بتاريخ 19 نوفمبر 2025، والمنشور في الجريدة الرسمية، وعلى أساسه ستجري انتخابات الهيئات المحلية القادمة بتاريخ 15 أبريل 2026م وفق قرار مجلس الوزراء في 2 ديسمبر 2025. يُشار هنا إلى أن هذا القرار حلَّ محل قانون انتخابات الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005، الذي كان المجلس التشريعي قد أقرّه وأصدره رئيس السلطة في أعقاب إعلان القاهرة التاريخي بين فتح وحماس في مارس 2005.
سبق القرار بقانون الأخير قراران آخران لرئيس السلطة يحملان المضمون الإقصائي ذاته. الأول، وهو قرار تشكيل اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني (31 يوليو 2025)، وقد نصّ فيه بوضوح على أن من مهام هذه اللجنة التحقق من التزام المرشحين بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير والتزاماتها الدولية وقرارات الشرعية الدولية.
لا يمكن لعقد اجتماعي لشعب تحت الاحتلال أن يدستر حرمان الأفراد والجماعات من حقهم الأصيل في المقاومة بجميع الوسائل التي يكفلها القانون الدولي
أما القرار الآخر، والأخطر في نظري، فهو مرسوم رقم (4) لسنة 2025 بشأن تشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت (16 أغسطس 2025)، والمنشور في الجريدة الرسمية، والذي نصّ بوضوح على وجوب انسجام الدستور المؤقت مع "قرارات الشرعية الدولية... والاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية أو الدولة"، بما يعني نقل مضمون ما جاء في المادة (16) من القرار بقانون لانتخابات الهيئات المحلية إلى الدستور المؤقت، أي دسترة الإقصاء السياسي، ما يجعل من استبعاد المختلفين مع برنامج المنظمة قيمةً أو مبدأً دستوريًا للشعب الفلسطيني.
يشمل هذا البرنامج السياسي عمليًا: الاعتراف بدولة إسرائيل، وباتفاقية أوسلو، وبالمبادرة العربية للسلام، وبنبذ الكفاح المسلح، وهي شروط كانت تمثل تاريخيًا "إرهاصات" لمثل هذه القرارات، وظهرت عقب انتخابات 2006، وتحولت في 2007، عقب أحداث الانقسام، إلى قرارات حكومية لفصل موظفين حكوميين من الوظيفة العامة، إلا أنها لم تُنشر حينها في الجريدة الرسمية، وقضت المحكمة العليا الفلسطينية في حكمها الشهير عام 2012 بإلغاء قرارات فصل المعلمين التي استندت إلى تلك القرارات الحكومية، باعتبارها تمثل تمييزًا بين المواطنين، وانتهاكًا لحقوقهم، وتعسفًا في استعمال السلطة، ونقضًا لمبادئ دولة القانون.
إن توقيت هذه القرارات الإقصائية الأخيرة وسياقها لا يحتاجان من المرء جهدًا كبيرًا لإدراك أنها لم تصدر إلا استثمارًا في حالة الضعف التي لحقت بحركة حماس جراء الحرب الإسرائيلية على غزة، وتماشيًا مع محاولات دولية (كإعلان نيويورك تحديدًا) لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني جذريًا، بإخراج من لا يعترف بالبرنامج السياسي للمنظمة من ذاك المشهد، سواءً كان من الفصائل أو المستقلين. إن هذه القرارات تبدو، للأسف، كتوظيف داخلي للقوة الإسرائيلية الغاشمة ضد الخصوم السياسيين، في وقت كان ينبغي فيه أن يظل البرنامج السياسي للمنظمة رهنًا للحوار الوطني الشامل والانتخابات الحرة التي تشمل الكافة.
لاقت هذه القرارات، خصوصًا القرار بقانون بشأن الانتخابات المحلية، انتقادات جوهرية من كتّاب ومؤسسات مجتمع مدني، وإن كان ينقصها قليل من المثابرة. وأود الآن أن أُسهم في النقاش الدائر، وأقدّم بعضًا من الحقائق والمعرفة حول الملاحظات النقدية التي أُبديت، وحول القانون نفسه، وذلك بالتركيز على الجوانب القانونية والدستورية.
أولًا: قانون غير دستوري... ماذا عن الدسترة؟
هذا القرار بقانون غير دستوري شكلًا ومضمونًا؛ فهو يهدر قيم المساواة والتعددية، ويميز بين المواطنين على أساس الرأي السياسي. كما أنه، وهذا ما أصبح تجاهله من النقد أمرًا مسلّمًا به للأسف، قد صدر بصيغة "قرار بقانون" عن رئيس السلطة في غياب "حالة الضرورة" وشروط أخرى يتطلبها القانون الأساسي، مثله مثل مئات القرارات بقانون التي أصدرها رئيس السلطة في العشرين سنة الماضية، على نحو جعل من نفسه فعليًا "المشرّع"/"البرلمان"، إضافة إلى وظيفته كرئيس للسلطة التنفيذية.
أما محاولة الهروب نحو "دسترة" هذا الإقصاء عبر الدستور المؤقت المرتقب، فهي محاولة لتقويض حجة عدم الدستورية شكلًا، والالتفاف على القيود الصارمة التي يفرضها القانون الأساسي على السلطات لمصلحة الأفراد. لكن ينبغي التأكيد على أن الدستور، بوصفه "عقدًا اجتماعيًا"، لا يكتسب مشروعيته إلا بالتوافق الحقيقي والرضا الحر، وليس عبر لجان معيّنة غير تعددية محكومة، وفقًا لمرسوم إنشائها، بشروط تُصادر الحقوق الطبيعية.
لا يمكن لعقد اجتماعي لشعب تحت الاحتلال أن يدستر حرمان الأفراد والجماعات من حقهم الأصيل في المقاومة بجميع الوسائل التي يكفلها القانون الدولي، بما في ذلك الكفاح المسلح وفقًا للضوابط المقررة في القانون الدولي الإنساني، وبما يشمل بداهةً حظر قتل وجرح المدنيين أو أخذهم رهائن، وهذا ليس له علاقة بموقف الكاتب الشخصي من المقاومة المسلحة، باعتباره يؤمن بالمقاومة السلمية.
ثانيًا: أداء القسم بدلًا من الإقصاء المسبق... لكن ماذا عن المقسَم عليه "الدستور"؟
إن حماية النظام الدستوري من التقويض لا تقتضي الإقصاء المسبق، إنما تكمن في أداء القسم القانوني قبل مباشرة المهام. فالامتناع عن أداء القسم هو الذي يمنع من حصل على الأغلبية في الانتخابات من تولي المنصب، أما الحنث بالقسم في وقت لاحق فيخضع للمساءلة الجنائية والمحاكمة العادلة. لكن هذا يفترض، قبل أي شيء، أن يكون "الدستور المقسَم عليه" شرعيًا في جوهره، يعكس قيم التعددية والمساواة، ولا يصادر الحقوق الطبيعية، وإلا استحال أن يكون محلًا لليمين.
ثالثًا: مغالطة الانتخابات "الخدماتية"
يرتكز بعض المنتقدين للقرار بقانون رقم (23) على أن الانتخابات المحلية "خدماتية" ولا تحتمل شروطًا سياسية. هذه حجة ملغومة؛ لأنها توحي ضمنًا بقبول الإقصاء في الانتخابات العامة (التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني). إن الرفض للإقصاء السياسي يجب أن يكون جذريًا، فالتمييز على أساس الموقف السياسي يظل طعنًا في شرعية أي قانون أو دستور، سواء كانت الانتخابات خدماتية أو تمثيلية.
رابعًا: قواعد آمرة... ماذا عن أوسلو؟
يكفل القانون الدولي للشعوب تحت الاحتلال الحق في المقاومة بجميع الوسائل المشروعة، بما فيها الكفاح المسلح (مع الالتزام بالقانون الدولي الإنساني). وليس من الحكمة أو العدالة أن تتنازل قيادات حركات التحرر عن هذه الحقوق رسميًا. وينسحب هذا الأمر على حقوق الأسرى وأسر الشهداء، الذين ألغى رئيس السلطة دفع مخصصاتهم بموجب قرار بقانون أصدره في فبراير 2025، وعلى غيرها من حقوق الشعب الفلسطيني التي تقوضها أوسلو.
إن التذرع بالالتزامات الدولية للتحلل من هذه الحقوق دفعٌ مردود؛ فاتفاقيات أوسلو ذاتها تُعد باطلة أو معلقة النفاذ بموجب القانون الدولي، لأنها لم تكن لمصلحة السكان تحت الاحتلال، وإن أي اتفاق بين قوة الاحتلال وممثلي الشعب تحت الاحتلال يجب أن يخدم مصالح الأخير بشكل واضح، وإلا كان معلق النفاذ أو باطلًا. وهذه حقيقة لا يحتاج إدراكها أكثر من الاطلاع على نصوص الاتفاقية مساء 13 سبتمبر 1993.
كما أن قرارات "الشرعية الدولية" التي تنتهك حق تقرير المصير للعرب الفلسطينيين، مثل قرارات الأمم المتحدة الاعتراف بدولة إسرائيل وتقسيم فلسطين، تتعارض مع المبدأ الراسخ في القانون الدولي وفي القانون الطبيعي: "القوة لا تكسب حقًا". إن الاعتراف بالكيانات السياسية الناشئة عن التطهير العرقي والنكبة لا يمنحها مشروعية قانونية، حتى وإن كان واقعًا مفروضًا. ومع ذلك، فأقل شيء عندئذ هو عدم الاعتراف بالوقائع المفروضة بالقوة الغاشمة.
إن أي حل عادل للقضية الفلسطينية يجب أن يقوم على العدالة والمساواة في الحقوق المدنية والسياسية للعرب واليهود في فلسطين التاريخية، وإنهاء نظام الفصل العنصري، وإنفاذ حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هُجّروا منها منذ 1948 وحتى الآن، وتعويضهم. وأرى أن الحل الأمثل بعد ذلك هو دولة علمانية ديمقراطية واحدة تساوي بين جميع مواطنيها الموجودين ما بين النهر والبحر.
وينبغي لنا، في سياق الحديث عن الالتزامات الدولية وقوتها القانونية، التأكيد على أن المادة (10) من القانون الأساسي، التي تُلزم السلطة الوطنية بالانضمام إلى المواثيق الدولية والإقليمية التي تحمي حقوق الإنسان، هي خاصة باتفاقيات حقوق الإنسان، ولا يمكن توسيع نطاقها لتشمل الالتزامات السياسية أو الأمنية التي تنتقص من الحقوق الوطنية أو تكرّس شرعية الاحتلال.
إن اتفاقيات أوسلو لم تكن يومًا مصدرًا للحقوق السياسية والمدنية للشعب الفلسطيني. وفي مقدمتها الحق في تقرير المصير، والحق في الترشح والانتخاب، والسيادة؛ فهذه حقوق أصيلة وغير قابلة للتصرف، مصدرها القانون الطبيعي والقانون الدولي. وعليه، لا يمكن مطلقًا تفسير هذه الاتفاقيات، أو الالتزامات المنبثقة عنها، على أنها تقييد أو إلغاء للحقوق الجوهرية للشعب الفلسطيني.
خامسًا: ما الحل؟ لجنة الانتخابات ومحكمة قضايا الانتخابات؟
الحل الأمثل هو سحب هذه القرارات الإقصائية، بما في ذلك قرار انتخابات الهيئات المحلية، وإطلاق حوار وطني شامل لإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وتحررية وعادلة. وإلى أن يتحقق ذلك، ثمة فرصة قانونية تقنية قد تؤدي إلى انتخابات هيئات محلية حرة بمعزل عن الشروط الإقصائية. تتوقف هذه الفرصة على لجنة الانتخابات المركزية، ومحكمة قضايا الانتخابات (التي حلّت للأسف محل محكمة البداية منذ 2017)، باعتبارهما الجهتين المكلفتين بتنفيذ القانون، وإدارة العملية الانتخابية، والإشراف عليها، والفصل في منازعاتها، وفيهما يتوفر الحد الأدنى من معايير الاستقلال والحياد، على الأقل نظريًا.
بموجب مبدأ "هرمية التشريعات" المتفرع عن مبدأ سيادة القانون –أساس الحكم في فلسطين– يلتزم المكلفون بإنفاذ القانون باستبعاد تطبيق أي نص قانوني يخالف الدستور. يمكن للجنة الانتخابات قبول ترشح القوائم دون اشتراط "إقرار أعضائها الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير"، استنادًا إلى المادة (6) من القانون الأساسي: "مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين"، والمادة (10): "حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام"، والمادة (5): "نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية...". إن هذا لا يمثل خروجًا على القانون، بل هو انتصار للقانون الأعلى (الدستور والمواثيق الدولية) على القانون الأدنى المشوب بعيب عدم الدستورية، وإعمالٌ لواجب أي موظف عام أو سلطة أو شخص باحترام حقوق الإنسان ومبدأ سيادة القانون، دون الحاجة إلى مراجعة المحكمة الدستورية العليا لتقرّ بهذا المنطق السليم والبديهي.
وإن لم تقم اللجنة بواجبها بإعمال مبدأ سمو الدستور وحماية الحقوق الطبيعية، فإن الكرة في ملعب محكمة قضايا الانتخابات لإقامة العدل، واستخدام أدوات التفسير الدستوري لمصلحة الحقوق والحريات، مع إبقاء المحكمة الدستورية العليا بعيدة عن الموضوع تمامًا.
الكلمات المفتاحية

كيف لوّنت إسرائيل حياتنا؟
لوّنت حياتنا ليس لتُجمّلها بل لتَحدّها وتجعلها أكثر كآبةً، حتى باتت الألوان لا تخبرنا بما نشعر بل بما هو مسمحٌ لنا أن نفعل، الأمر الذي حَوّل اللون في حياتنا من أداة إحساس إلى أداة ضبط، ومن خيار جمالي إلى قرار سيادي

اقتصاد الصمود.. أم اقتصاد الإنهاك؟
انهيار الاقتصاد بعد الحرب يعكس أن أطر الصمود الاقتصادية التي تعتمد على مشاريع ذات أثر محدود لا تكفي لمعالجة الصدمات العميقة

ذاكرة الطحين أثقل من الجسد
الطحين عاد سلعة..لكن في هذه المدينة، لم يعد مجرد طعام.. صار ذاكرة.. وصار دليلًا على أن الحرب يمكن أن تبدأ بالقذائف، لكنها قد تبلغ ذروتها عند الرغيف.
رؤساء سابقون للشاباك يتهمون نتنياهو بالتنصل من مسؤولية 7 أكتوبر
أفادت القناة 12 بأن خمسة رؤساء سابقين لجهاز الشاباك وجّهوا رسالة شديدة اللهجة إلى نتنياهو ورئيس الجهاز الحالي دافيد زيني، متهمين إياه بمحاولة التنصل من المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر
مستشفى شهداء الأقصى يحذر من توقف وشيك لخدماته بسبب تعطل المولدات
حذر مستشفى شهداء الأقصى من خطر وشيك يهدد استمرار عمله، نتيجة توقف المولد الكهربائي الرئيسي الثاني عن العمل، بعد توقف المولد الرئيسي الأول قبل ثلاثة شهور

الكاتبة الهندية البارزة أرونداتي روي تنسحب من مهرجان ألماني بسبب رفضه مناقشة إبادة غزة
انسحبت الكاتبة أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي الدولي بعد أن صرح رئيس لجنة التحكيم في المهرجان بأن على صناع الأفلام الابتعاد عن السياسة
نيكولاي ملادينوف يتبنى الموقف الإسرائيلي: "البداية في نزع سلاح غزة"
ذكر ملادينوف "ضرورة حصول السلطة الانتقالية على السيطرة المدنية والأمنية الكاملة على غزة، وأن تحقيق ذلك يتطلب استكمال نزع سلاح جميع الفصائل الفلسطينية التي تمتلك أسلحة"

