ultracheck
قول

ذاكرة الطحين أثقل من الجسد

12 فبراير 2026
ذاكرة الطحين أثقل من الجسد
Photo by DOAA ALBAZ/Middle East Images/AFP via Getty Images
محمد نشبت
محمد نشبت كاتب صحفي من فلسطين

لم يكن الطحين في غزة مجرد مادة بيضاء تُعجن بالماء؛ بل كان امتحانًا قاسيًا لما تبقى في الناس من صبر، ومن كرامة، ومن قدرة على الاحتمال.

في الحرب، لا يموت الناس دائمًا بالقذائف. أحيانًا يموتون وهم يركضون خلف شاحنة. يموتون لأنهم صدّقوا أن كيسًا بوزن خمسة وعشرين كيلوغرامًا قد يعيد ترتيب البيت، ويُسكت معدة طفل، ويمنح الأم يومًا إضافيًا من القدرة على الاحتمال.

الحرب لم تقتل بالجوع وحده، بل بما فعله الجوع بالناس. حين يُدار الغذاء كأداة ضغط، لا يُختبر الجسد فقط، بل تُختبر الأخلاق، والعلاقات، والثقة بين الناس.

كل ذلك لم يكن كارثة طبيعية، بل نتيجة حرب حوّلت الغذاء إلى ساحة اشتباك، وأغلقت المعابر، وضيّقت تدفق الطحين حتى صار الوصول إليه مقامرة بالحياة.

لم يكن الأمر محصورًا في دوار أو مفترق. المشهد تكرر في شمال القطاع ووسطه وجنوبه. في غزة المدينة، في المخيمات، وعلى أطراف الطرقات الرملية. حيثما وصلت شاحنة، كان يصل معها احتمال النجاة واحتمال الموت معًا.

مشهدٌ لا يغادرني..

سقط رجل أمامي وهو يحاول سحب كيس طحين من حافة الشاحنة. ظننت أنه تعثر. ثم رأيت الدقيق يتناثر من كيس ممزق على الإسفلت، ورأيت لونًا آخر يمتد تحته. اختلط الأبيض بالأحمر بسرعة مربكة. ظلّت يده ممسكة بطرف الكيس حتى بعد أن سكنت الحركة. لم يكن المشهد بطوليًا، ولا دراميًا كما في الصور المؤطرة. كان سريعًا، فوضويًا، ومخجلًا للعالم كله.

في تلك اللحظة لم أفكر في السياسة. فكرت فقط أن الرغيف قد صار أثقل من الجسد. لكن أكثر ما كسرني لم يكن سقوط الرجل.

في شمال القطاع، رأيت طفلًا لمح مصورًا صحفيًا فركض نحوه. لم يطلب صورة. وقف أمام العدسة وبكى. ثم انحنى وأخذ حفنة من الرمل ووضعها في فمه. كان يبكي ويأكل التراب في الوقت نفسه، ويختنق وهو يقول: "بدنا ناكل.. بدنا طحين.. حلونا يا عمي".

لم يكن يستعرض الألم. كان يحاول أن يجعله مرئيًا. كأن الرمل هو أقرب شيء يشبه الخبز في تلك اللحظة.

وفي غزة المدينة، حين هجم الناس على شاحنة أخرى، لم تجد امرأة طاعنة في السن موطئ قدم بين الأجساد المتدافعة. جلست قرب عجلات الشاحنة، وأخذت تجمع الطحين المسكوب من الأرض بكفّيها. كان قد اختلط بالتراب وآثار الأقدام. كانت تبكي بحرقة، لا على الكيس الذي لم تصل إليه، بل على الحال الذي أوصل الناس إلى أن يتقاتلوا على ما يسقط من تحت الأقدام.

كان الطحين في يدها أشبه بتراب أبيض، وكانت تمسحه عن الأرض كما لو أنها تحاول إنقاذ كرامة سقطت قبل أن يسقط الكيس.

والآن أعترف أنني في إحدى المرات وقفت مترددًا. كنت على مسافة من شاحنة وصلت فجأة، والناس يندفعون نحوها. لم أكن جائعًا بالمعنى الحاد، لكنني كنت خائفًا من أن أحتاج غدًا ولا أجد. للحظة فكرت أن أركض. للحظة شعرت أن البقاء في مكاني نوع من الترف. تراجعت، لكنني فهمت شيئًا قاسيًا عن نفسي وعن الجميع. الجوع لا يسأل عن صورتك أمام نفسك، يسألك فقط إن كنت ستطعم من تحب.

حين صار الجوع مشهدًا يوميًا في كل القطاع، لم يكن الخطر عند الشاحنة وحدها. على الطرقات، كان هناك من ينتظر العائدين بأكياسهم. تُنتزع الأكياس بالقوة، وتُباع لاحقًا بأسعار مضاعفة. سقط جرحى وهم يحاولون التشبث بما حملوه بعد ساعات انتظار. وسقط قتلى لأنهم رفضوا أن يسلّموا ما اعتبروه حياة بوزن خمسة وعشرين كيلوغرامًا.

في تلك الأيام، لم يعد الوصول إلى الطحين مسألة قدرة شرائية فقط، بل مسألة عبور آمن. كان الناس يخافون من التدافع، ومن الرصاص، ومن السرقة، ومن أن يعودوا بلا شيء بعد ساعات الانتظار الطويلة.

سُمّيت لاحقًا مجازر الطحين. في أكثر من نقطة في القطاع، كان الانتظار نفسه احتمال موت. سقط أناس وهم يمسكون بأكياس الدقيق كما يُمسك الغريق بقشة.

كان من يعود بكيس طحين إلى بيته يُنظر إليه كبطل. لا لأنه انتصر في معركة، بل لأنه عاد حيًّا. النجاة وحدها صارت بطولة.

بلغ سعر كيس الطحين 4 آلاف شيقل في ذروة الاختناق. رقم لا يشبه سلعة، بل يشبه فدية. كان الناس يجمعون ما تبقى من مدخراتهم ليشتروا شيئًا يفترض أنه أبسط حقوق الحياة.

الرغيف كأداة حرب

ثم توقف إطلاق النار. فجأة، صار الكيس ذاته بخمسة وعشرين شيقلًا. الوزن نفسه، اللون نفسه، الرائحة نفسها. لكن الطريق إليه لم يعد مفروشاً بالركض والدم.

المفارقة ليست اقتصادية فقط. كيف يمكن لشيء كان يُقتل الناس على حوافه أن يصبح سلعة عادية على رف. كم حياة كان يمكن أن تُنقذ لو أن الرغيف لم يُحبس كل هذا الوقت خلف الحواجز.

الحرب لم تقتل بالجوع وحده، بل بما فعله الجوع بالناس. حين يُدار الغذاء كأداة ضغط، لا يُختبر الجسد فقط، بل تُختبر الأخلاق، والعلاقات، والثقة بين الناس.

اليوم، تُرص أكياس الطحين بهدوء أمام الدكاكين. يبدو المشهد عاديًا. لكن غزة تعرف أن لهذا الكيس تاريخاً من الركض والدم والنظرات المرتبكة. تعرف أن الأبيض الذي يغطي الرفوف اليوم، غطّى ذات يوم إسفلتًا امتزج فيه الدقيق بالدم.

الطحين عاد سلعة.

لكن في هذه المدينة، لم يعد مجرد طعام.

صار ذاكرة.

وصار دليلًا على أن الحرب يمكن أن تبدأ بالقذائف، لكنها قد تبلغ ذروتها عند الرغيف.

الكلمات المفتاحية

الحرب على إيران

العدوان على إيران.. حسابات إسرائيل بين الطموح والواقع

تشير تقارير متقاطعة في الإعلام الإسرائيلي إلى أن المستويين السياسي والعسكري يستعدان لاحتمال استمرار القتال لأسابيع


القنصلية الأميركية في مستوطنات الضفة ... خدمة أم تثبيت واقع جديد؟

القنصلية الأميركية في مستوطنات الضفة ... خدمة أم تثبيت واقع جديد؟

يتقاطع القرار مع مسار عملي سابق تمثل في إغلاق القنصلية الأميركية في القدس عام 2019 ودمجها بالسفارة الأميركية هناك وهو إجراء أعاد هيكلة التمثيل الدبلوماسي الأميركي وقلّص قناة الاتصال المستقلة مع الفلسطينيين


من خطة "الحسم" إلى التهجير الشامل: قراءة في خطاب سموتريتش الجديد

من خطة "الحسم" إلى التهجير الشامل: قراءة في خطاب سموتريتش الجديد

يدخل الخطاب السياسي الإسرائيلي مع بتسلئيل سموتريتش مرحلة أيديولوجية جديدة، تحمل طابعًا "انقلابيًا" يتجاوز المفاهيم التقليدية للأمن والمناورات التكتيكية، ليصل إلى أفق "الإحلال" الوجودي


حرب الاستنزاف بالوكالة.. الميليشيات المتعاونة مع "إسرائيل" في غزة

حرب الاستنزاف بالوكالة.. الميليشيات المتعاونة مع "إسرائيل" في غزة

يبدو للمشاهد بصورة جلية أنّ ثمة اتساعًا في دور الميليشيات المتعاونة مع إسرائيل داخل قطاع غزة، مع تنامي حضورها في المجال الأمني والحرب النفسية وإدارة مساحات رمادية في المشهد الداخلي

ماذا تعني قرارات "الكابينت" في الضفة الغربية؟
أخبار

إصابات وتسييج أراضٍ خلال هجمات للمستوطنين في نابلس والخليل وطوباس

سُجّلت 4 إصابات برضوض في اعتداءات للمستوطنين في بلدات جنوب نابلس خلال اليوم.

حزب الله.jpg
أخبار

هآرتس: سلاح إيراني بيد حزب الله يثير قلق الجيش الإسرائيلي

المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعرب عن قلق متزايد من الاستخدام المتصاعد لدى حزب الله لصاروخ إيراني متطور مضاد للدروع.


العنف الإنجابي في غزة
تقارير

حرب الإبادة الديموغرافية: كيف عمل الاحتلال على خفض عدد المواليد في غزة؟

ما يجري في غزة سياسة عنف إنجابي تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي

الإرهاب اليهودي.png
أخبار

هآرتس: الجيش يغض النظر عن جرائم المستوطنين أو يشارك فيها والحكومة تدعمها

جيش الاحتلال يغض الطرف في أفضل الأحوال، ويسهم في الهجمات في أسوأ الأحوال، والمستوطنون المتطرفون الجالسون في الحكومة يمنحون ذلك دعمًا

الأكثر قراءة

1
تقارير

كيف تأثر قطاع غزة بالعدوان على إيران؟


2
تقارير

آلاف المرضى مهددون بالعمى.. شقورة: الاحتلال يمنع إدخال معدات طب العيون لغزة


3
راصد

وثائق "الخطيئة الأولى": أرشيف جولاني المتروك في "قمامة" تل أبيب ينسف رواية النكبة


4
تقارير

الجثامين المتبخرة: مأساة مفتوحة أنتجتها الإبادة الجماعية في غزة


5
تقارير

أزمة المياه تُحوّل عودة نازحين غزة إلى معركة يومية من أجل البقاء