رمضان بلا مساجد ولا لمّة… كيف غيّرت الحرب ملامح الشهر في حياة الغزيين؟
13 فبراير 2026
لم يكن شهر رمضان في حياة الغزيين مجرد مناسبة دينية، بل شهرًا له نظامه اليومي الخاص وتفاصيله الثابتة؛ يبدأ بتناول وجبة السحور وصلاة الفجر، ويمتد حتى ما بعد صلاة التراويح، تتخلله لمّة العائلة، والعزائم، وقراءة القرآن وأصوات الأذان والابتهالات الدينية.
يعيش الغزيون شهر رمضان للعام الثالث على التوالي في ظل ظروف قاسية فرضتها حرب الإبادة الإسرائيلية، التي دمّرت 93% من مساجد القطاع و80% من مساحته
أما اليوم، فيحلّ رمضان على قطاع غزة بشكل مختلف تمامًا، مثقلًا بالحرب التي دمّرت البيوت والمساجد، وشتّت العائلات، وخطفت بهجة الشهر الكريم، لتتحول الطقوس التي اعتادها الناس إلى ذكريات يستعيدونها أكثر مما يعيشونها، في واقع يطغى عليه مأساة النزوح وفقدان الأحباب.
رمضان قبل موعده
يقول نعيم أبو ستة (65 عامًا)، نازح من بيت حانون لـ "الترا فلسطين"، إن رمضان قبل الحرب لم يكن يبدأ مع رؤية الهلال، بل قبل ذلك بعشرة أيام على الأقل. ويضيف أبو ستة الذي يعيش في خيمة مهترئة داخل مدرسة تابعة للأونروا غرب غزة، بالقول: "كنا نجهز أنفسنا لاستقبال رمضان بشراء كافة المستلزمات من الطعام والشراب وتنظيف وترتيب البيت، وكذلك روحانيًا بالاستعداد لصلاة التراويح وقراءة القرآن".
ويتابع نعيم وهو يجلس تحت أشعة الشمس الدافئة على باب خيمته برفقة زوجته المصابة: "عندي عشر أخوات وخمسة إخوة وأربع بنات، وما أن يبدأ رمضان أضع مع زوجتي جدولًا لزيارتهم جميعًا، كل يوم بيت وكل بيت له قعدته وعزومته".
ويكمل: "كنت أبدأ يومي بصلاة الفجر وقراءة القرآن، وأتجول بعدها في سوق بيت حانون لشراء طعام الإفطار مثل الفجل والجرجير والقطايف، وفي ساعات بعد العصر أجلس أمام منزلي أعتني بثلاث شجيرات زيتون، وأتبادل أطراف الحديث مع الجيران حتى ما قبل أذان المغرب".
بعد الحرب، تغيّر هذا المشهد بالكامل، إذ فقد نعيم خلالها عددًا كبيرًا من أفراد أسرته؛ استشهدت والدته المسنة اختناقًا بالغاز الذي أطلقته طائرة مسيرة على مركز إيواء، كما استُشهد شقيقاه وعدد كبير من أفراد العائلة، فيما تفرّق من تبقى منهم بين مخيمات النازحين المختلفة.
ويضيف بحسرة، "العيلة راحت، واللي ضلّ تفرّق". ويتابع أن الزيارات التي كانت تملأ رمضان لم تعد ممكنة، فأخواته العشر موزعات كل واحدة منهن في مدينة ومركز إيواء، حتى أولاده تفرقوا بين خانيونس ودير البلح وغزة، ولم يعد بإمكانهم الاجتماع على مائدة واحدة بسهولة.

كل شيء تغير
تستعد رنيم الزعانين (48 عامًا)، نازحة من جباليا شمال قطاع غزة، لاستقبال شهر رمضان داخل خيمة صغيرة على جانب الطريق غرب مدينة غزة. وتقول لـ "الترا فلسطين": "رمضان قبل الحرب كان جميلًا، وكان قدومه يمنحني شعورًا بالسعادة والأمان، وهو ما أفتقده اليوم".
وتضيف: "كنت في بيتي على الأقل، حتى لو الأكل قليل، بس كنت مرتاحة وكل شيء فيه بركة، وكنت أفرح بزيارة أشقائي وعائلتي لمنزلي". وتشير الزعانين إلى أن تحضيراتها للشهر المبارك كانت تبدأ قبل أيام من قدومه، من شراء حاجيات الإفطار والسحور برفقة زوجها وفوانيس الأطفال، إلى التخطيط لزيارات الأقارب والأصدقاء واستقبال العائلة في البيت.
وتقول رنيم: "رمضان كان لمّة، ناس تيجي تزورنا، وناس نروح عليهم، كل يوم كان له قصة، وكل إفطار له طعم خاص". وتتابع رنيم وهي تجلس أمام خيمتها برفقة جارتها: "اليوم تغيّر كل شيء، فهذا رمضان الثالث الذي سيأتي علينا ونحن نعيش داخل الخيمة، ولم نعد نعرف عادات أو طقوسًا، كما اختفت مظاهر الاستعداد وتبادل الزيارات".
وتستذكر في حديثها لـ "الترا فلسطين": "في اليوم الأول من رمضان كنت أطبخ الملوخية، حتى يكون الشهر أخضر علينا، لكن اليوم نحن مجبرون على تناول ما يتوفر من الطعام أو ما يطبخ في التكية المجاورة".
وتكمل: "كل شيء اختلف، كنا نطبخ على الغاز، ونفطر على ضوء الكهرباء، ونسمع صوت الأذان، لكن اليوم الطبخ على النار، وإفطارنا سيكون على ضوء الهاتف، حتى لحظة الأذان باتت تمر بصمت ونفطر على الساعة أو صوت أذان من بعيد".
وتواصل رنيم استذكار أيام رمضان قبل الحرب: "كنت أشتري لأولادي فوانيس رمضان وأعلق الزينة في أرجاء المنزل، وأعد لهم الحلويات المفضلة، لكن اليوم انقلبت الأمور رأسًا على عقب، ولم يعد رمضان موسمًا لفرح الأطفال وحضور صلاة التراويح".
فرحة غائبة
يقول غسان فياض (39 عامًا)، نازح من بيت لاهيا ويقيم داخل مدرسة للأونروا غرب مدينة غزة، إنه لا يشعر هذا العام كما العامين الماضيين بقدوم شهر رمضان بسبب مأساة النزوح المستمرة وتدمير منزله.
ويضيف لـ "الترا فلسطين": "كنا نشعر بالسعادة لمجرد اقتراب قدوم شهر رمضان، لكن اليوم لم يعد يشغل بالنا سوى متى ستنتهي معاناتنا مع حياة النزوح والعيش داخل خيمة لا تقي من برد الشتاء ولا حر الصيف".
ويستذكر غسان آخر رمضان عاشه في بيت لاهيا: "قمنا أنا وشباب الحي بتنظيفه وتعليق زينة رمضان المضيئة على أعمدة الكهرباء، كما قمنا بتنظيف المسجد وتهيئته لاستقبال المصلين، لكن اليوم ما ضل في حارة ولا بيت ولا حتى مسجد، كل شيء راح".
ويواصل: "أكثر شيء سأفتقده في رمضان القادم هو والدي وشقيقي اللَّذينِ استشهدا في الحرب، وعائلة زوجتي التي مسحت بالكامل من السجل المدني بقصف الطائرات في ثاني أيام الحرب، وما زالوا تحت أنقاض منزلهم حتى هذه اللحظة".
ويضيف غسان وهو والد لخمسة أطفال: "راحت البهجة والفرحة واللمة والزيارات والأجواء الرمضانية، وما عاد في طقوس وعزائم وحلويات وعصائر وصلاة تراويح في المساجد". ويتابع، "رمضان كان راحة بال عن جد، لكن اليوم كله توتر وتعب".
ويختم غسان حديثه: "كل شيء تغير، ما في سعادة ولا بهجة مع قدوم رمضان، ولا في أماكن للزيارات أو صلاة التراويح، ولا حتى العزائم العائلية. اليوم يا دوب أقدر أطعمي أولادي، لا قادر أعزم، ولا أنعزم".
ويعيش الغزيون شهر رمضان للعام الثالث على التوالي في ظل ظروف قاسية فرضتها الحرب الإسرائيلية، التي دمّرت 93% من مساجد القطاع و80% من مساحته، وأسفرت منذ اندلاعها في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 عن استشهاد نحو 72 ألفًا من أقاربهم، وفقدان واعتقال آلاف آخرين.
الكلمات المفتاحية
في يوم المرأة العالمي.. نساء غزَّة بين الفقد وصناعة الأمل
رغم الخسارات الكبيرة والندبات المؤلمة، لا تزال النساء الغزيات يتمسكن بالأمل ويكتبن حكايات صمود مستمرة.
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
كيف تأثر قطاع غزة بالعدوان على إيران؟
بدا واضحًا أن إسرائيل ترى في العدوان على إيران فرصة للانقلاب على اتفاق وقف إطلاق النار الذي كانت قد خرقته 1620 مرة حتى تاريخ 10 شباط
في يوم المرأة العالمي.. نساء غزَّة بين الفقد وصناعة الأمل
رغم الخسارات الكبيرة والندبات المؤلمة، لا تزال النساء الغزيات يتمسكن بالأمل ويكتبن حكايات صمود مستمرة.
قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48
قتل مواطنين اثنين اليوم السبت، أحدهما بجريمة إطلاق نار، داخل أراضي الـ48، والتي شهدت في الآونة الأخيرة احتجاجات ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في مواجهتها
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا
أفادت مصادر محلية مساء اليوم السبت، باستشهاد أمير محمد شناران وإصابة شقيقه برصاص المستوطنين في منطقة "واد الرخيم" جنوب يطا في الخليل