رمضان كما يراه أطفال غزة
14 فبراير 2026
لم يعد رمضان في ذاكرة كثير من أطفال غزة شهر الفوانيس المضيئة والأناشيد المتردّدة في الأزقة، ولا شهر الموائد العامرة التي تمتدّ بمحبة الجيران، تحوّل الشهر، في وجدانهم الصغير، إلى زمنٍ تختلط فيه طقوس الزينة بذكريات القصف، ويتسلّل الخوف إلى تفاصيل كان يُفترض أن تكون مطمئنة.
في غزة، لا تغيّر الحرب المشهد العام فحسب؛ بل تعيد تشكيل الذاكرة نفسها، الزينة التي كانت تلوّن الشوارع بهجةً، تراجعت أمام آثار الدمار، وصلاة التراويح التي كانت تجمع العائلات، غدت رحلة محفوفة بالصعوبة، بفعل تدمير معظم مساجد القطاع وتراكم الركام بين الشوارع والأزقة، وموائد الإفطار الجماعية التي مثّلت يومًا عنوان التكافل، أصبحت حلمًا مؤجّلًا في ظل شحّ الموارد وضيق الحال.
الزينة المعلّقة بخيوط بسيطة، والرسومات الملوّنة على الورق، تختلط بذكريات كل انفجار سمعوه، وكل منزل تضرّر، وكل شارع تغيّر وجهه
حين دخلتُ المخيم الذي أقطن بداخله، كان الغبار يعلو برفق فوق صفوف الخيام البيضاء، كأنه ستارٌ شفيف يفصل بين زمنين: رمضان الذي عرفناه، ورمضان الذي نعيشه الآن، في الممر الضيّق بين الخيام، رأيت الطفل محمد يمسك علبة بلاستيكية مثقوبة، ربطها بخيط قصير، يلوّح بها نحو السماء مبتسمًا: "هذا فانوسي"، يذكّرني أن هناك أملًا… وأن رمضان لم يغِب.
لم يكن فانوسًا تقليديًا، لكنه كان أثقل من الضوء نفسه، كان رمزًا لمزيجٍ معقّد من المشاعر: فرحٌ يحاول الأطفال تمثيله بالرسم والابتسام، وحزنٌ يسكن فقدان الأصدقاء والأقارب، وخوفٌ يختبئ خلف ضحكة متقطّعة.
حين يرفع محمد يديه بالدعاء، لا يطلب فانوسًا أجمل، بل يطلب رمضان كما يعرفه: شهرًا تتّسع فيه البيوت، وتطمئنّ فيه القلوب الصغيرة.
أمضي خطوات أخرى، فأجد أطفالًا يرسمون على ورق كرتون ممزّق، هلالًا كبيرًا، ونجومًا صغيرة، وبيتًا بنوافذ مضاءة، يسألني أحدهم، "هل تكتب عنّا؟ اكتب أننا ننتظر التراويح"، يضحك رفاقه، ثم يهمسون بأن المسجد بعيد، وأن الطريق لم يعد كما كان، هنا تتغيّر المسافات. ليست المسافة بين خيمة وأخرى، بل بين الرغبة والقدرة.
الزينة المعلّقة بخيوط بسيطة، والرسومات الملوّنة على الورق، تختلط بذكريات كل انفجار سمعوه، وكل منزل تضرّر، وكل شارع تغيّر وجهه. ومع ذلك، يهدأ الصغار لحظة، ثم يضحكون معًا وهم يثبتون فانوسهم على مدخل كل خيمة، وبوابة المخيم الرئيسية، كأنهم يحاولون اقتطاع زاوية صغيرة من الخطر وتحويلها إلى مساحة ضوء.
حتى ضحكاتهم ليست مجرد صوت؛ إنها فعل مقاومة هادئ. الفوانيس اليدوية، والرسومات المرتجفة، وأنشطة المتطوعين البسيطة، ليست تفاصيل عابرة، بل محاولات يومية لحماية ما تبقّى من فرحة الشهر، في مكانٍ يحمل في كل زاوية قصة فقد.
غير بعيد، على حبلٍ مشدود بين وتدين، علّقت أمٌّ قطعًا من ورق ملوّن، قالت بابتسامة متعبة:
"هذه الزينة الصغيرة تذكّر الأطفال بأن رمضان حاضر… وأن الفرح لم يُلغَ"، وفي خيمتها، تختلط رائحة العدس بصوت جوال يبثّ تلاوة هادئة، محاولةً نسج طمأنينة وسط ضجيج بعيد.
الأمهات هنا يتحمّلن عبئًا مضاعفًا، يهيّئن طعامًا متواضعًا، ويرتّبن الخيام، ويغرسن في أطفالهن معنى الشهر الفضيل. يحوّلن القليل إلى كفاية، والرمزي إلى فرحة.
وقبيل مغادرتي، مرّت بي سيدة خمسينية، تتكئ على صبرٍ طويل، وقالت بصوتٍ تختلط فيه الحسرة بالرضا:"كنا نتجمع ونحضر الطعام ونفطر مع الجيران في البيوت… والآن نفطر داخل الخيمة".
لم يكن الفرق في الكلمات، بل في المسافة التي تفصل بين زمنين. تبدّل المكان، وضاقت الجدران حتى صارت قماشًا، لكن معنى المشاركة لم يتبدّل، فما زالت الأطباق، وإن قلّ ما فيها، تدور بين الأيدي، وما زالت الدعوات الصادقة تُقال في كل لحظة، وما زال الشعور بأن أحدًا يشاركك لقمتك يخفّف ثقل النهار.
رمضان في غزة اليوم ليس كما كان، ليس شهر الموائد الكبيرة والزينة التي تعلو كل مكان، لكنه شهر الصمود الصغير الذي يسكن قلوب الأطفال، يصنعون فوانيسهم من العلب، ويرسمون هلالهم على الكرتون، ويتمسّكون بحقّهم في الفرح.
هكذا يعيش أطفال غزة في انتظار رمضان، لن يتبدل فيه حالهم كثيرًا، بين الخيام، وبين الأمل، وبين إصرارٍ بسيط على أن يبقى الشهر شهرًا للرحمة، مهما تغيّر كل شيء.
الكلمات المفتاحية
العدوان على إيران.. حسابات إسرائيل بين الطموح والواقع
تشير تقارير متقاطعة في الإعلام الإسرائيلي إلى أن المستويين السياسي والعسكري يستعدان لاحتمال استمرار القتال لأسابيع
القنصلية الأميركية في مستوطنات الضفة ... خدمة أم تثبيت واقع جديد؟
يتقاطع القرار مع مسار عملي سابق تمثل في إغلاق القنصلية الأميركية في القدس عام 2019 ودمجها بالسفارة الأميركية هناك وهو إجراء أعاد هيكلة التمثيل الدبلوماسي الأميركي وقلّص قناة الاتصال المستقلة مع الفلسطينيين
من خطة "الحسم" إلى التهجير الشامل: قراءة في خطاب سموتريتش الجديد
يدخل الخطاب السياسي الإسرائيلي مع بتسلئيل سموتريتش مرحلة أيديولوجية جديدة، تحمل طابعًا "انقلابيًا" يتجاوز المفاهيم التقليدية للأمن والمناورات التكتيكية، ليصل إلى أفق "الإحلال" الوجودي
قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48
قتل مواطنين اثنين اليوم السبت، أحدهما بجريمة إطلاق نار، داخل أراضي الـ48، والتي شهدت في الآونة الأخيرة احتجاجات ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في مواجهتها
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا
أفادت مصادر محلية مساء اليوم السبت، باستشهاد أمير محمد شناران وإصابة شقيقه برصاص المستوطنين في منطقة "واد الرخيم" جنوب يطا في الخليل
إدارة ترامب توافق على بيع ذخائر بقيمة 151 مليون دولار إلى إسرائيل
وافقت وزارة الخارجية الأميركية على بيع ذخائر بقيمة 151,8 مليون دولار إلى إسرائيل دون الحصول على موافقة الكونغرس على الصفقة