ultracheck
ذاكرة وطنية

شباط في التراث الشعبي الفلسطيني: الشهر الناقص والمليء بالتحولات

3 فبراير 2026
شباط في التراث الشعبي الفلسطيني: الشهر الناقص والمليء بالتحولات
فريد طعم الله
فريد طعم الله صحفي ومزارع وناشط سياسي وبيئي

يحتل شهر شباط مكانة فريدة في الوجدان الجمعي الفلسطيني؛ فهو ليس مجرد توقيت زمني، بل هو "كائن" متقلب يجمع بين قسوة الشتاء وبشائر الخصب. يُعرف في الذاكرة الشعبية بكونه الشهر "الأعور" و"الغدّار" و"الخبّاط"، لكنه في الوقت ذاته يحمل "روائح الصيف" الأولى التي تحرّك نبض الأرض. ومنذ "نقش جيزر" الكنعاني القديم، ظل شباط يمثّل مرحلة الترقّب والانتظار، حيث تتشابك فيه الأساطير بالأمثال الفلاحية، لترسم صورة شهر ناقص في أيامه، لكنه كامل في رمزيته وحضوره في حكاية الإنسان مع أرضه.

رغم أنه يُصنّف فلكيًا ضمن الشتاء، إلا أن شباط في فلسطين يُعد البداية الحقيقية للربيع

معنى اسم شباط وأصوله اللغوية

يرتبط اسم شهر شباط في جذوره باللغات السامية القديمة، ويُرجّح أنه مشتق من الكلمة السريانية “شَباطو” التي تعني الضرب أو الجلد أو العصف الشديد، في إشارة إلى الرياح والعواصف التي تميّز هذا الشهر. وفي بعض التأويلات الشرقية القديمة، ارتبط الاسم بإله الرعد والصواعق، بينما يعود اسم فبراير في الثقافة الرومانية إلى الإله “فيبروس” المرتبط بطقوس التطهير الروحي، حيث كان هذا الشهر مخصصًا لتنقية الإنسان من ذنوبه قبل الدخول في دورة زمنية جديدة. هكذا، مثل اسمه، يحمل شباط دلالة مزدوجة: شهر العنف الطبيعي وشهر التطهير والاستعداد لبداية جديدة.

ورد ذكر شباط في أقدم وثيقة زراعية في فلسطين، وهي "نقش جيزر الكنعاني" (الذي عُثر عليه جنوب الرملة)، حيث سُمّي بـ "يرحو لقش"؛ وكلمة "اللقش" تعني العطلة أو الانتظار، مما يعكس حالة الترقّب والتحوّل التي يمثلها هذا الشهر.

شباط كشهر انتقالي في الوعي الشعبي

في الوعي الشعبي الفلسطيني، لا يُنظر إلى شباط كشهر عادي ضمن التقويم، بل كمرحلة فاصلة لها شخصية مستقلة ومزاج خاص. هو شهر انتقالي بامتياز، يقف على تخوم الشتاء والربيع، ويجمع في داخله تناقضات حادة: أقسى البرد وأول دفء، العاصفة والشمس، الخوف من الصقيع وبداية الأمل بالخصوبة. لذلك كثرت حوله الأمثال والحكايات والأساطير أكثر من أي شهر آخر، حتى أصبح في المخيال الشعبي كائنًا حيًا يشعر ويغضب ويغدر ويكافئ.

شباط الشهر الناقص ورمزيته الثقافية

ويمتاز شباط عن بقية شهور السنة بكونه شهرًا ناقصًا عدديًا، لا يبلغ ثلاثين يومًا، بل يكون ثمانية وعشرين يومًا، أو تسعة وعشرين في السنة الكبيسة. وقد ترك هذا النقص أثرًا رمزيًا عميقًا في الثقافة الشعبية، فصار شباط يُنظر إليه كشهر غير مكتمل، ناقص البركة، ناقص الاستقرار، وناقص الثقة. ولهذا سُمّي عند بعض الناس "الشهر الأعور"، أي الذي لا يرى جيدًا ولا يُؤتمن جانبه، وكثيرًا ما يُشبَّه الإنسان المتقلب أو قليل الخبرة بأنه "مولود في شباط". هذا النقص لم يكن مسألة حسابية فقط، بل تحوّل إلى دلالة ثقافية جعلت من شباط شهرًا مريبًا في الوعي الجمعي.

شباط وبداية الربيع في فلسطين

رغم أنه يُصنّف فلكيًا ضمن الشتاء، إلا أن شباط في فلسطين يُعد البداية الحقيقية للربيع. ففيه تبدأ الأرض بإرسال إشارات الحياة الأولى: تزهر أشجار اللوز، وتظهر الخضرة في السهول والمروج، وتبدأ الأعشاب البرية بالخروج من التربة. ويقول الفلاحون في هذا السياق: "شباط بشبط وبخبط وريحة الصيف فيه"، أي أن رائحة الدفء والحياة الجديدة تبدأ بالتسلل إلى الهواء. 

وهو شهر تزاوج القطط، ويُقال أيضًا "بشباط بتهورن القطاط" و"بشباط ببيض الجاج ع البلاط" إعلانًا عن استيقاظ غريزة الحياة في الطيور والحيوانات. وفي أواخره، تبدأ العائلات الفلسطينية بجمع الخبيزة واللوف والعكوب والهندباء "العلك"، وتتحول المائدة من الطعام المخزَّن إلى النباتات الطازجة، وكأن الطبيعة تعلن عودتها التدريجية إلى الحياة بعد سبات طويل.

شهر التقلبات والغدر المناخي

غير أن هذا الدفء لا يمنح الثقة. فشباط -مثل آذار ابن عمه- هو شهر التقلبات المطلقة، والغدر المناخي بامتياز. قد يبدأ اليوم مشمسًا ودافئًا، ثم ينقلب في ساعات قليلة إلى عاصفة مطر أو رياح أو حتى ثلج. لذلك قال الناس: "شباط ما عليه رباط"، أي لا عهد له ولا استقرار. 

وقالوا أيضًا: "راح العاقل كانون وإجا شباط المجنون"، في إشارة إلى أن كانون، رغم برده، أكثر انتظامًا من شباط الذي لا يُتوقع سلوكه. ويعرف المزارعون أن "الصيت للمربعانية والفعل لشباط" لأن برده مفاجئ ومؤذٍ. حتى شمسه ليست موضع اطمئنان، إذ يقول المثل: "شمس شباط بتعلّم ع البلاط"، أي تبدو لطيفة لكنها خادعة، قد تُغري الجسد بالدفء ثم تتركه فريسة للبرد، وكما ذكرت المصادر فإن "شمس شباط بتخلّي الراس مخباط". تقول العجوز: "شمس شباط لكِنّتي، وشمس آذار لبنتي، وشمس نيسان إلي ولشيبتي".

التشاؤم الشعبي المرتبط بشباط

هذا الغدر الطبيعي جعل شباط شهر حذر وخوف في الذاكرة الشعبية، لا يفرح الناس بصفائه، ولا يطمئنون لابتسامته، لأنهم يعرفون أن خلفها مفاجأة. ومن هنا جاء وصفه بالغدّار والخبّاط واللبّاط.

وإلى جانب التقلب، ارتبط شباط بشيء من التشاؤم الشعبي. فهو شهر الأمراض الموسمية، ونفاد المؤونة، وتعب كبار السن. قيل فيه: "شباط عدو العجايز"، و"شباط بيلف العجوز بالبساط"، في إشارة إلى قسوة برده على الأجساد الضعيفة، خاصة حين يهب برده الشرقي القارس فيُقال: "شباط إن عوى، يخلي الراعي يتلوى". وكان يُنظر إليه كشهر صعب على الجسد والرزق معًا، لذلك لم يكن مستحبًا فيه السفر الطويل أو بدء المشاريع الجديدة أو حتى الزواج في بعض المناطق.

شباط شهر البخل ونفاد المؤونة

ولهذا يوصف شباط أيضًا بأنه شهر البخل. فهو لا يعطي بسهولة، لا دفئًا مستقرًا ولا مطرًا مضمونًا. بل يختبر صبر الناس ويضعهم في حالة ترقّب. في هذا الشهر تبدأ الجرار بالفراغ، وتنتهي مخزونات القمح والزيت والزبيب والمكدوس والتبن للدواب. ويقال: "بين شباط وآذار بتفضى الجرار"، أي أن البيت الفلاحي يدخل مرحلة الشح قبل الفرج. شباط هنا ليس مجرد شهر طبيعي، بل تجربة اقتصادية ونفسية، شهر الانتظار القاسي قبل عودة الوفرة.

الصوم الأربعيني وشباط

ويكتسب شباط بعدًا دينيًا إضافيًا مع تزامنه غالبًا مع بداية الصوم الكبير (الأربعيني) لدى المسيحيين الفلسطينيين، حيث يمتنع الناس عن اللحوم ومشتقاتها لمدة أربعين يومًا. هذا الصوم يعزز صورة شباط كشهر تقشف وزهد وحرمان، تتقلص فيه المائدة، وتتحول إلى العدس والمجدرة والخضار، فيلتقي برد الطبيعة مع تقشف الجسد، ويتحوّل الشهر كله إلى تمرين جماعي على الصبر والتحمّل، انتظارًا للفصح بوصفه عيد الخلاص والقيامة.

الجمرات الثلاث وانتقال الدفء

ومن المعتقدات الشعبية المهمة المرتبطة بشباط ما يُعرف بـ"الجمرات الثلاث"، وهي مراحل رمزية لانتقال الدفء إلى عناصر الطبيعة. تبدأ جمرة الهواء في 7 شباط، حيث يشعر الناس بأن الهواء صار ألطف. ثم جمرة الماء في 14 شباط، حيث يُقال إن مياه الينابيع والآبار تبدأ بالدفء ويُقال: "دفيت المية في العروق". ثم جمرة الأرض في 21 شباط، وهي الأهم، إذ تدب الحياة في التربة وتبدأ النباتات بالنمو الحقيقي. هذه الجمرات تعبّر عن تصور شعبي دقيق لمسار الحرارة في الطبيعة.

أسطورة المستقرضات (أيام العجوز)

ومن أشهر ما ارتبط بشباط في المخيال الشعبي أسطورة "المستقرضات" أو "أيام العجوز"، التي تروي أن عجوزًا سخرت من شباط نظرًا لقصره وقلة أمطاره عند اقتراب نهايته، فقالت: "راح شباط الخباط ما أخذ مني لا شاة ولا رباط وحطّينا في قفاه المخباط".

فغضب شباط واستنجد بابن عمه آذار قائلًا: "آذار يا ابن عمي، ثلاثة منك وأربعة مني، خلي واد العجوز يغني". فاستعار شباط ثلاثة أيام من آذار، ومع أيامه الأربعة الأخيرة تكوّن أسبوع من العواصف الشديدة، نزل فيه المطر بغزارة وجرفت السيول العجوز وغنمها.

شباط في التقويم الفلاحي والسعودات

في التقويم الفلاحي الفلسطيني، يحتل شباط موقعًا دقيقًا بين "المربعانية" و"الخمسينية"، ويقع ضمن ما يُعرف بـ"السعودات"، وهي أربعة مقاطع زمنية كل منها مدته اثنا عشر يومًا ونصف:

سعد الذابح: ويشير إلى شدة البرد التي "تذبح" الحيوان، وقد قيل فيه: "سعد ذبح وكلبه ما نبح" من شدة التجمد.

سعد بلع: حيث "تبلع" الأرض مياه المطر.

سعد السعود: حيث "تدب المي في العود"، أي تبدأ العصارة في الأشجار.

سعد الخبايا: حيث تخرج الحشرات والزواحف من مخابئها.

شباط والزراعة الفلسطينية

زراعيًا، لا يُعد شباط شهر حصاد، بل شهر حركة وتحضير وبداية دورة جديدة. فيه تبدأ عمليات تقليم الزيتون والعنب والتين، وتُحرث الأراضي لموسم الزراعة الصيفية، ويزهر اللوز وتُراقب أزهاره باعتبارها مؤشرًا على نجاح الموسم أو فشله. ويقال: “سرحنا أول شباط ع زراعة العنبات”، كما يُقال: "قمح شباط ما بيملّي الرباط"، أي أن زراعة هذا الشهر ضرورية لكنها لا تكفي وحدها. كما يثق الفلاحون بشهر كانون "امش على غيم كانون ولا تمش على غيم شباط". وذلك لأن شهر كانون أكثر استقرارًا للحالة الجوية من شهر شباط.

شهر ناقص… لكنه مفصلي

وهكذا يظهر شباط في التراث الفلسطيني شهرًا متناقضًا بامتياز: ناقص في عدد أيامه، لكنه كامل في رمزيته. قاسٍ في برده، لكنه أول من يفتح باب الربيع. شهر التشاؤم والخوف، لكنه أيضًا شهر الأمل الأول. شهر البخل ونفاد المؤونة، لكنه بداية الخصب والنمو. لذلك لم يكن شباط مجرد شهر في السنة، بل مرحلة نفسية وثقافية كاملة في الوعي الفلسطيني، مرحلة انتظار وصبر وتحول، تذكّر الإنسان بأن الحياة لا تولد إلا من رحم القسوة، وأن الربيع لا يأتي إلا بعد أقسى أيام الشتاء.

الكلمات المفتاحية

آذار الهَدّار في الذاكرة الفلسطينية: شهر التحوّل من برد الشتاء لدفء الربيع

آذار الهَدّار في الذاكرة الفلسطينية: شهر التحوّل من برد الشتاء لدفء الربيع

آذار هو الشهر الثالث في التقويم الجريجوري، وهو مرادف لشهر مارس، وأصل التسمية بابلية/سريانية (أدارو) وتعني "الهدار" أو "الشديد" لكثرة العواصف والأمطار فيه.


شهر رمضان في الذاكرة الشعبية الفلسطينية

شهر رمضان في الذاكرة الشعبية الفلسطينية

يتجلى رمضان في التراث الشعبي الفلسطيني كمنظومة حياة لا مجرد طقوسٍ عابرة


شهرا كانون في التراث الشعبي الفلسطيني: ما بين "الأجرد" و"الأصم"

شهرا كانون في التراث الشعبي الفلسطيني: ما بين "الأجرد" و"الأصم"

تسمية شهر "كانون" تعود في أصلها اللغوي إلى اللغة السريانية، وقد اعتُمدت هذه التسميات في التقويم الشعبي الفلسطيني لتدل على شهري ديسمبر ويناير


موجز تاريخي.. فنزويلا والقضية الفلسطينية

موجز تاريخي.. فنزويلا والقضية الفلسطينية

خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، طرد تشافيز السفير الإسرائيلي لدى فنزويلا

قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48
أخبار

قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48

قتل مواطنين اثنين اليوم السبت، أحدهما بجريمة إطلاق نار، داخل أراضي الـ48، والتي شهدت في الآونة الأخيرة احتجاجات ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في مواجهتها

تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تقارير

تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس

تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي


استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا
أخبار

استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا

أفادت مصادر محلية مساء اليوم السبت، باستشهاد أمير محمد شناران وإصابة شقيقه برصاص المستوطنين في منطقة "واد الرخيم" جنوب يطا في الخليل

إدارة ترامب توافق على بيع ذخائر بقيمة 151 مليون دولار إلى إسرائيل
أخبار

إدارة ترامب توافق على بيع ذخائر بقيمة 151 مليون دولار إلى إسرائيل

وافقت وزارة الخارجية الأميركية على بيع ذخائر بقيمة 151,8 مليون دولار إلى إسرائيل دون الحصول على موافقة الكونغرس على الصفقة

الأكثر قراءة

1
تقارير

كيف تأثر قطاع غزة بالعدوان على إيران؟


2
تقارير

آلاف المرضى مهددون بالعمى.. شقورة: الاحتلال يمنع إدخال معدات طب العيون لغزة


3
راصد

وثائق "الخطيئة الأولى": أرشيف جولاني المتروك في "قمامة" تل أبيب ينسف رواية النكبة


4
تقارير

الجثامين المتبخرة: مأساة مفتوحة أنتجتها الإبادة الجماعية في غزة


5
تقارير

أزمة المياه تُحوّل عودة نازحين غزة إلى معركة يومية من أجل البقاء