شهرا تشرين في تراث فلسطين
3 نوفمبر 2025
حين يتبدّل لون الحقول من خُضرة الصيف إلى اصفرار الخريف، يعرف الفلاح أن الأجرد قد أقبل، وأن شهر تشرين دخل الأرض والقلوب معًا! كيف لا، وهو شهر البدايات: بداية المطر، والبرد، والبذور الأولى التي تُعدّ الأرض لاستقبال حياة جديدة.
تشرين الأول وتشرين الثاني هما الشهران العاشر والحادي عشر من شهور السنة الميلادية، حسب الأسماء السريانية المستعملة في بلاد الشام والعراق. يُلفظ تشرين الأول باللغة السريانية (تِشري قَدمويو) ويعني "بداية أولى"، وتشرين الثاني يُلفظ (تِشري ترايونو) ويعني "بداية أخرى"، كونهما يمثلان بداية السنة الزراعية، حيث كان شهر تشرين أول أول شهور السنة السريانية.
يصادف في السادس عشر من تشرين الثاني ما يسمى بـ"عيد لِدّ"، وهو احتفال ديني وتراثي اعتاد الفلسطينيون، مسلمون ومسيحيون، على إقامته قبل النكبة في مدينة اللد الفلسطينية في هذا الوقت من كل عام
الشهر الأجرد
في فلسطين، يطلق الفلاحون على شهري تشرين اسم "الأجْرَد"، لأن الأرض تتجرد فيه تمامًا من غطائها الأخضر، وكذلك الأشجار تتجرد من أوراقها أو تميل إلى اللون الأصفر، لذا يسميه البعض "الأصفر". ويقول المثل: "راح أيلول الأغبر وجاء تشرين الأصفر"، ويسمّي البعض شهر تشرين أول بـ"أَجْرَدْ أول"، وتشرين ثاني بـ"أَجْرَدْ ثاني".
كما يشهد شهر تشرين الأول أهم المواسم الزراعية، ألا وهو موسم قطف الزيتون - أبو المواسم. وفيه تقصر ساعات النهار: "أيام الزيت أصبحت أمسيت". و"في تشرين يغبّر العنب والتين"، أي ينتهي الموسم بعد أن تهب رياح مغبرة تغطي أوراق العنب والتين، وينتهي فيه موسم الخضروات الصيفية: "خيار تشريني.. شمني وارميني"، وفيه تكون ذروة موسم الرمان والليمون والزعرور: "في تشرين نزل الزعرور وقال للشوب غور".
تغير الطقس
من أهم ميزات شهر تشرين، الذي يأتي مباشرة بعد الصليب، هو تغير الطقس ودخول البرد وفصل الخريف: "تشرين برده يقطع المصارين"، وبدء برودة الجو لا سيما ليلًا، وكذلك برودة المياه في الآبار والينابيع. يقول المثل: "برد تشرين أحدّ من السكاكين"، و"برد تشارين توقّاه، وبرد الربيع اتلقاه"، ولذلك يُفضّل عدم إبقاء المواشي خارج الحظيرة: "بأول تشارين ضب بقراتك يا مسكين".
ومع أن ليالي تشرين تميل إلى البرودة، إلا أن نهاره حار وجاف: "ما بين تشرين الأول وتشرين الثاني صيف ثاني"، وهذا يدل على الأيام التي تشتد فيها الحرارة كما في الصيف، لذا تسمى "الصيفية الزغيرة" أو "الشوبات القصار".
الشعلوبة
وفي تشرين تهب رياح شرقية جافة يسميها الفلاح الفلسطيني "شراقي الصليب" أو "الشعلوبة"، والبعض يطلق عليها "أم سليمان"، وهي علامة فاصلة بين الصيف والخريف. يعتقد الفلاحون أنه إذا هبت "الشرقية" ليلاً فإنها تتلاشى مع طلوع الشمس، لكن إذا بدأت بعد الشروق فمن المرجح أن تستمر ثلاثة أيام متواصلة تنتهي بالمطر. ويتشاءم الناس من "الشرقية" لأنها تجفف الوجه وتقشر الجلد، ويقولون: "سنة الشراقي بتدور ما بتلاقي"، أي أنك تبحث عن الخير فلا تجده. ويتضرعون إلى الله بزوالها: "شرقية زولي عنا، خلّي المطر يصلنا".
كما أن هذه الرياح تنشر الأمراض بين الناس: "هوا الخريف بخلي القوي ظعيف". وهناك اعتقاد بأن الرياح الشرقية الجافة تكون مقدمة لقدوم المطر: "الشرقية محراك الشتا". ويغني الفلاحون هذه الأبيات فيما يسمى الشوربنة أو التشريب، وهي إحدى طقوس الاستسقاء:
شورَبني يا شوبه .. أحرقتنا الشعلوبه
شعلوبه روحي عنا .. خلّي الغيم يصلنا
يصلنا حسن لقرع .. طول اليوم وهو يزرع
يزرع بقمح قصري .. يا الله فرجك يا ربي

العفير
كان الفلاحون يبذرون الحبوب - خصوصًا القمح - مبكرًا بعد سقوط الشتوة الأولى المسماة "شتوة الصليب"، وقبل بدء موسم البذار، أي قبل سقوط كميات كافية من المطر، وتكون الأرض لا تزال جافة وترابها "يَعْفِر" الغبار أثناء الحراثة. ويلجأ الفلاح إلى زراعة العفير لكسب الوقت وبسبب حاجته الماسة للطعام، وغالبًا ما تلتقط الطيور هذه الحبوب إذا تأخر المطر، مما يضطرهم إلى إعادة البذار بعد نزوله.
وعند البذار يبدأون بالبسملة ثم يقولون: "بَذَرنا الحب وتوكلنا على الرب"، ويضيفون: "يا رب تِطْعَمنا وتِطعَم منا، يا مِطعِم الطير في ظلام الليل، ومِطعِم الدبيب في الأرض، ومِطعِم الهاجم والناجم واللي على جنبه نايم".
عيد لِدّ
يصادف في السادس عشر من تشرين الثاني ما يسمى بـ"عيد لِدّ"، وهو احتفال ديني وتراثي اعتاد الفلسطينيون، مسلمون ومسيحيون، على إقامته قبل النكبة في مدينة اللد الفلسطينية في هذا الوقت من كل عام.
ويرتبط الاحتفال بتاريخ نقل رفات القديس جورجيوس (مار جريس أو الخضر) إلى كنيسته في اللد في 16 تشرين الثاني. ويعتقد الباحثون أن لهذا العيد جذور كنعانية قديمة ترتبط بطقوس الخصب، نظرًا لتزامنه مع بداية موسم الزراعة.
ويرى الفلاحون أن الأمطار التي تهطل حول هذا العيد تكون مباركة وتساهم في تخصيب التربة. ويقول المثل: "إن أوسمت على عيد لِدّ، احرث وقِدّ".
كما يمثل العيد علامة على بداية مبكرة أو متأخرة لموسم الأمطار: فإن جاء المطر قبله كان وسمًا مبكرًا، وإذا جاء بعده كان متأخرًا: "عيد لِد يا مطر بيهد يا صيف بجد".
الوَسِم البَدري
هو المطر الذي يأتي قبل عيد لِدّ منتصف شهر تشرين الثاني. وعادة ما يشهد تشرين الأول بداية الموسم الزراعي والحراثة الأولى، وفيه تبدأ أولى تباشير المطر (الوسم البدري)، والذي يبدأ معه زراعة الحبوب، وبالأخص القمح والشعير والفول والقطاني: "اللي ما بحرث في الأجرد عند الصليبه بيحرد"، دلالة على أهمية زراعة الحبوب في تشرين.
ولأهمية هذه "الشتوة"، فإن الفلاحين ينتظرونها بفارغ الصبر لبدء عَفر القمح والشعير وزراعة الفول، ويقال: "أوسمت الدنيا" عندما يهطل المطر الأول ويترك أثره على التراب.
الوَسِم الوَخري (اللِكْشي)
هو المطر الذي يأتي بعد عيد لِدّ. شهر تشرين الثاني يشهد بداية الموسم الزراعي الثاني والأكثر جدية وأهمية، حيث يكون الموعد المناسب لبدء أعمال الحراثة الحقيقية وتهيئة التربة لزراعة الحبوب.
وتعبّر الأمثال الشعبية عن موسم الحراث ووقته فتقول: "في عيد لِدْ، اللي ما شدّ يشد"، بمعنى أن الفلاح الذي لم يتهيأ بعد للحرث والبذر عليه أن يسارع إلى ذلك. وقد ربط الفلاح مواعيد تحضير الأرض والزراعة والقطاف والحصاد بالمناسبات الدينية، لذا يقولون: "إن أوسمت عَ عيد لِد أُحرث وقِدّ"، ومعناه: إن أمطرت وأصبحت الأرض رطبة أُحرث وابذر. و"اللي ما بحرث في الأجرَد عند الصليبة بِحرَد"، أي حراثة الأرض وإعدادها والعناية بها في تشرين الثاني تؤدي إلى محصول وفير، ومن لا يفعل سيندم عند الحصاد. وفي شمال فلسطين يسمونه "الوسم اللكشي"، حيث أن الكلمة تأتي من الفعل "تلكّش" بمعنى "تأخّر" باللغة السريانية.
ليالي تشرين
يتميز تشرين بلياليه الصافية والباردة نسبيًا، حيث تتلألأ النجوم في السماء ويكون ضوء القمر ساطعًا: "ما في أنقى من قمرة تشرين ولا أظلم من غيمة كانون". كما تشهد نزول الندى (الصَبيب) خصوصًا عندما تغيب الرياح الشرقية الجافة. وفي تشرين يَقِلّ الحليب بسبب الجفاف، ذلك أن الإناث من المواشي تكون قد حملت "عَشّرَت"، فيقول المثل: "بعد الصليب ما ظل حليب".
الطيور المهاجرة
تبدأ الطيور هجرتها إلى فلسطين في التشارين هربًا من برد أوروبا إلى دفء بلاد الشام. ويستدل الفلاحون منها على الموسم الزراعي، فيستبشرون خيرًا بأنواع معينة من الطيور المهاجرة: "سَنة الزَرْزور، إزرع في البور"، أي ازرع أكبر قدر ممكن من الأراضي فالموسم خصب. ويتشاءمون من بعضها: "سَنة القَطا، بيع الغَطا"، كناية عن توقع موسم شتاء جاف ودافئ. كما يشهد هذا الشهر بدء اختفاء الزواحف مثل "الحيايا" والعقارب نظرًا لبرودة الجو.
تخزين المونة
وفي تشرين يجب تخزين مؤونة الشتاء، وكانوا يقولون عن من أمَّن مؤونته منها: "كَسَر ظهر الشتا"، كناية عن اكتفائه، خصوصًا من القمح والزيت والزبيب والقطين: "اللي عنده طحين وقطين بياكل بايديه الثنتين". وقالوا: "طحين وزيت سبعين في البيت".
كما تحرص النساء على التحطيب، وتخزين الحطب اللازم للتدفئة وللأعمال المنزلية قبل دخول المطر، ويطفن على الجبال والبراري خصوصًا بعد قطف الزيتون لجمع أغصان الزيتون الناتجة عن التقليم وتخزينها بالمنزل استعدادا للبيات الشتوي "المربعنية".
هكذا هو تشرين الأجرد، شهر البدايات، يحمل المطر والبرد والرياح، وقد أدرك الفلاح الفلسطيني أن المطر الأول ليس مجرد ماء، بل بشارة حياة وذكرى. ففي كل قطرة تنزل على التراب تتجدد الأرض، كما تتجدد الذكريات بين الزيتون والقمح والبيوت، ويظل تشرين شهرًا للخير والحنين والأمل.
الكلمات المفتاحية
آذار الهَدّار في الذاكرة الفلسطينية: شهر التحوّل من برد الشتاء لدفء الربيع
آذار هو الشهر الثالث في التقويم الجريجوري، وهو مرادف لشهر مارس، وأصل التسمية بابلية/سريانية (أدارو) وتعني "الهدار" أو "الشديد" لكثرة العواصف والأمطار فيه.
شهر رمضان في الذاكرة الشعبية الفلسطينية
يتجلى رمضان في التراث الشعبي الفلسطيني كمنظومة حياة لا مجرد طقوسٍ عابرة
شباط في التراث الشعبي الفلسطيني: الشهر الناقص والمليء بالتحولات
يمتاز شباط عن بقية شهور السنة بكونه شهرًا ناقصًا عدديًا، لا يبلغ ثلاثين يومًا، بل يكون ثمانية وعشرين يومًا، أو تسعة وعشرين في السنة الكبيسة
قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48
قتل مواطنين اثنين اليوم السبت، أحدهما بجريمة إطلاق نار، داخل أراضي الـ48، والتي شهدت في الآونة الأخيرة احتجاجات ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في مواجهتها
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا
أفادت مصادر محلية مساء اليوم السبت، باستشهاد أمير محمد شناران وإصابة شقيقه برصاص المستوطنين في منطقة "واد الرخيم" جنوب يطا في الخليل
إدارة ترامب توافق على بيع ذخائر بقيمة 151 مليون دولار إلى إسرائيل
وافقت وزارة الخارجية الأميركية على بيع ذخائر بقيمة 151,8 مليون دولار إلى إسرائيل دون الحصول على موافقة الكونغرس على الصفقة