شهرا كانون في التراث الشعبي الفلسطيني: ما بين "الأجرد" و"الأصم"
18 يناير 2026
يحتل شهرا كانون (الأول والثاني) مكانةً مركزية في الوجدان الشعبي الفلسطيني؛ فهما ليسا مجرد توقيتٍ زمني في التقويم، بل هما "فحل الشتاء" وذروة العطاء والسبات الذي يسبق الانفجار الأخضر. في هذه الفترة من السنة، تتوحد الأرض مع السماء في طقوسٍ من المطر والقداسة، وتنكفئ الحياة الاجتماعية إلى الداخل حول "الكانون"، حيث تشتعل النار وتُسرد "الخراريف" التي تحفظ الذاكرة والهوية. يعكس التراث الفلسطيني المرتبط بهذين الشهرين ذكاءً فطريًا في مراقبة النجوم وتقلبات الرياح، ممزوجًا بمعتقداتٍ روحية ودينية ضاربة في القدم، تجعل من "الكوانين" فصلًا للبركة والترقب والأمل بموسمٍ زراعي جيد.
يتبدى لنا كانون في الوجدان الفلسطيني كأكثر من مجرد فصلٍ للقَرّ والبرد؛ إنه مدرسة الصبر التي يتعلم فيها الفلاح كيف يقرأ لغة السماء وينتظر انبعاث الأرض
التسمية والظواهر المناخية والفلكية
تسمية شهر "كانون" تعود في أصلها اللغوي إلى اللغة السريانية، وقد اعتُمدت هذه التسميات في التقويم الشعبي الفلسطيني لتدل على شهري ديسمبر ويناير. أما في الموروث الشعبي، فيرتبط الاسم وظيفيًا بـ"الكانون" وهو موقد الفحم المستخدم للتدفئة؛ نظرًا لشدة البرد في هذين الشهرين. ويظهر ذلك في الأمثال الشعبية مثل: "أجا كانون، لِفّ الفحم والكانون".
يُطلق البدو على كانون الأول اسم "أجرد" (لأن الأرض تكون جرداء): "كانون الأجرد بيخلي الشجر أمرد"، وعلى كانون الثاني اسم "كانون الأصم" أو "الأخرس" لشدة برده وسكونه القاتل، وكأنه "أصم" لا يسمع ولا يتجاوب مع الطبيعة: "في كانون الأصم اقعد في بيتك وانطم". ويسميه الفلاحون "فحل الشتاء" لقوته وقسوة برده، حيث تصل الأمطار لجذور الأشجار.
المربعانية: هي أول أربعين يومًا من الشتاء، وتبدأ في نهاية شهر كانون الأول حتى نهاية كانون الثاني، ويُقال عنها: "المربعانية، يا بتربِّع يا بتقبِّع"، و"المربعانية، يا شمس تحرق يا مطر تغرق"، و"عشاها ما بعشي وغطاها ما بغطي". ويبدأ مطر الشتاء الغزير في كانون الأول ويستمر حتى آذار برياحٍ غربية وجنوبية غربية، ويُعتبر نهاية كانون الأول وكانون الثاني وشباط الفترات الرئيسية لتساقط الثلوج في فلسطين.
كانون.. الاستراحة القسرية
مع اشتداد البرد وغزارة الأمطار في شهري كانون، تصبح الأرض "ثقيلة" ومشبعة بالمياه، مما يجعل حراثتها أو العمل فيها أمرًا متعذرًا وشاقًا. في هذه المرحلة، يدخل الفلاح الفلسطيني في فترة "استراحة قسرية" تفرضها الطبيعة، فينكفئ إلى بيته طلبًا للدفء وحمايةً لصحته من تقلبات الجو، معتبرًا أن الجلوس في البيت في هذا الوقت هو عين العقل والتدبير. وتتجلى هذه الحالة في أمثالهم التي تدعو صراحةً للمكوث وتجنب الحركة التي لا طائل منها، فيقولون: "في كانون كِنّ في بيتك، وكثّر من حطبك وزيتك"، إشارةً إلى أن الصمت والسكون هما سيدا الموقف.
كما يُنظر إلى العمل في أرضٍ موحلة ومغمورة بالمياه كنوعٍ من العبث، وهو ما يفسره المثل القائل: "طينة المجانين بكوانين"، ففي كانون تزداد كمية الأمطار وتصبح الأرض "وَحِلًا" أو "طينة"، وهي حالة لا تصلح للفلاحة أو البناء أو السفر. فمن يحاول تطيين جدران البيت أو العمل في الطين أو حرث الأرض وهي غارقة بالماء، يصفه الناس بـ"المجنون"؛ لأن الجهد سيذهب سدىً، والطين لن يتماسك، والعمل سيكون شاقًا ومنهكًا دون فائدة. ومن يشرع في نشاطٍ صاخب أو مشروعٍ مُرهق في ذروة البرد والوحل، يرمقه الناس بالمثل الشهير: "زي عرس المجانين في كوانين"، إشارةً إلى أن هذا الفعل يفتقر إلى الحكمة المكانية والزمانية التي تقدسها ثقافة الفلاح الفلسطيني.
إذن ينكفئ الفلاح في كوانين إلى بيته، الذي يتحول في "الكوانين" من مجرد مكانٍ للسكن إلى ملاذ، ينتظر فيه جفاف الأرض ليعاود نشاطه، مؤمنًا بأن "الصحوة بكانون ظنون"، فلا يغره انحباس المطر المؤقت ليخرج، بل يظل مستعدًا لما تبقى من "فحل الشتاء".
المعتقدات الشعبية
اعتاد البدو والفلاحون على الامتناع عن العلاقة الزوجية الحميمة في كانون، وهو وقت يُعتقد أنه غير ملائم للإنجاب، لا سيما أن نهار كانون الأول هو الأقصر (10 ساعات و8 دقائق في القدس)، كما استُخدمت الهالات القمرية للتنبؤ بالطقس. وقد ورد في مجلة استكشاف فلسطين للعام 1901 وجود معتقداتٍ محلية فلسطينية حول بداية السنة (1 كانون الثاني): إذا بدأت السنة يوم الأحد فذلك يشير لكثرة الأمطار والمراعي ووفرة القطاني ونقص الزيت وقدوم صيفٍ حار. وإذا بدأت يوم الاثنين تدل على اضطرابٍ بين الملوك وبردٍ شديد وثلوج في كانون الثاني وشباط وزيادة في الزيت. وإذا بدأت يوم الثلاثاء تدل على أمطارٍ غزيرة وتفشي الجدري ونقصٍ في المحاصيل، ويكون تشرين الأول وتشرين الثاني جافين. وإذا بدأت يوم الخميس (مثل هذه السنة 2026) تكون السنة جيدة المحاصيل والأمطار معتدلة.
أما خسوف القمر في كانون الأول، فيدل على زيادة الأمطار والثلوج وصلاح المحاصيل، لكنه ينذر بهلاك الماشية وغلاء الأسعار. وفي حال حدوثه في كانون الثاني، يدل على رخاءٍ عظيم وزيادة في الفواكه، لكنه قد ينذر بفتنٍ وموتٍ في العالم. أما ظهور الهالة حول القمر في كانون الثاني فتدل على أمطارٍ غزيرة في شباط وثلوج تفيض منها المياه. كما آمن الناس بوجود أيامٍ منحوسة في شهري الكوانين يجب تجنب العمل فيها، مثل 14 و21.
وفي الليالي العاصفة، كانت الجدات يروين قصص "النداهة"؛ وهي كائن ينادي الشخص باسمه في جوف الليل، ومن يستجب ويخرج وراء الصوت يختفي في ظلمات البرد. كانت هذه الخرافة تُستخدم قديمًا لحماية الأطفال والشباب من الخروج في الطقس العاصف والضياع في السيول.
وكان من العادات الشائعة إلقاء حفناتٍ من الملح في النار عند اشتداد العواصف؛ إيمانًا بأن صوت فرقعته يطرد الأرواح الشريرة ويحمي البيت من النحس الذي قد تجلبه الرياح العاتية.
الطقوس والعادات والتقاليد الاجتماعية
الاجتماع حول النار: يصبح "الطابون" مركزًا اجتماعيًا للنساء لتبادل "الخراريف" والأسرار، كما يخصص الفلسطينيون غرفًا سفلية تُسمى "بيت الشتا" للسكن خلال فصل الشتاء.
الكسوة الشتوية: لمواجهة برد الكوانين القارس، اعتمد الفلسطينيون قديمًا على ملابس صوفية ثقيلة تُصنع يدويًا لضمان الدفء والصلابة. ارتدى الرجال "البشت" أو "العباءة" الصوفية الواسعة، و"الفروة" المبطنة بجلد الخراف التي كانت رفيقهم الدائم في الحقول والمضافات. أما النساء، فكنّ يرتدين "ثوب العمل" المطرز بخيوطٍ سميكة، ويضعن فوقه "الجبة" أو "التقصيرة"، مع الحرص على لف الرأس بـ"الشال" أو "الخرقة" الصوفية الكبيرة. وكان من الحكمة الشعبية قولهم: "البرد على قد الكسوة"، و"اتقي البردة بجردة"، في إشارة إلى أن الوقاية من الأمراض تبدأ من جودة اللباس وصوفه.
المأكولات الشتوية: يرتبط كانون بأكلات الحبوب؛ كالبرغل، والأرز بالحليب، والمفتول، والعدس، والحلويات المقلية بالزيت، والقطين، والبسيسة، والزيتون المخزن. كما يُفضل طبخ الصابون في الشتاء لسرعة نضجه بفعل البرد.
وهناك العديد من المناسبات الدينية المسيحية ومعتقداتها المتعلقة بكوانين، مثل عيد البربارة (4 كانون الأول)، الذي يُعتبر العلامة الحقيقية لبداية المطر، ويُعتقد أن الماء يتدفق فيه من "جحر الفارة"، وتُسلق الحبوب وتُوزع أطباق مزينة بالسكر والرمان، وتُزرع الحبوب في أطباق لتنبت بحلول الميلاد. كما يأتي في كانون عيد الميلاد وليلة رأس السنة وعيد الغطاس (6 أو 19 كانون الثاني)، وهو يرتبط بمعتقد نهاية البرد الشديد: "إن غطّس النصراني اشلح ثوبك الفوقاني".
كما تُساق القطعان إلى الأغوار هربًا من البرد وتبيت في الكهوف، وتُسد "الروزنة" بإحكام، ويبدأ الناطور برقع ملابسه مع تساقط أوراق التين في بداية الشتاء. يُشار لأيام البرد الشديد في كانون الأول وكانون الثاني باسم "فترة الشباب"، لأن البرد فيها يكون "شابًا"؛ أي في ذروة عنفوانه وقسوته، قبل أن "يشيخ" وينكسر في أواخر شهر شباط أو مع دخول الربيع.
موسوعة الأمثال الشعبية عن "الكوانين"
يزخر التراث الفلسطيني بالأمثال الشعبية التي تتحدث عن شهر كانون، ولكثرة هذه الأمثال نحاول أن نضعها في مجموعات حسب مضمونها:
الاستعداد والدفء: بكانون حضر الجفت والفحمات والكانون؛ في كانون كِنّ وعَ الفقير حِنّ.
الطقس والمناخ: سيل الزيتون من سيل كانون؛ في كانون الصحو فيه ظنون؛ ما في أنقى من قمر تشرين ولا أعتم من غيم كانون؛ كل رعدة بكانون ثلجة بشباط؛ غيمة كانون بتخوف المجنون؛ شتوة كانون ذخر.
الشمس والبرد: أبرد من ميّة كانون؛ زي شمس كانون (تظهر ولا تدفئ)؛ شمس كانون مثل الطاعون؛ بكانون الأجرد ثقِّل أواعيك لتبرد؛ البرد على قد الكسوة؛ النار فاكهة الشتاء؛ في الصيف ظل الشجر وفي الشتاء ظل الحجر.
السفر والتحذيرات: بين كوانين لا تسافر يا شقي؛ ما بين الميلاد والغطاس لا تسافر يا ابن الناس؛ بين كانون وشباط عند جارك لا تبات؛ ما بين كانون وكانون عند صاحبك لا تكون.
الزراعة والطبيعة: كل الشجر بيتعرى بكانون إلا السنديان والصنوبر والزيتون؛ يا لوز يا مجنون بتزهّر في كانون؛ من الميلاد لكانون ظُبّ بذارك يا مجنون؛ إمتى بيطلع البرقوق رد بذارك ع الصندوق؛ إن طلعت البربارة يا بدارة حطوا الشعير في المطمارة والقمح في الغرارة؛ ما لإلك طرش يقوم ولا مركب يعوم إلا بعد المستقرظات.
التفاؤل: بعد كانون الشتا بيهون؛ الصيت لكانون والفعل لشباط؛ ميّة كانون بتشفي كل معلول.
الخاتمة
يتبدى لنا كانون في الوجدان الفلسطيني كأكثر من مجرد فصلٍ للقَرّ والبرد؛ إنه مدرسة الصبر التي يتعلم فيها الفلاح كيف يقرأ لغة السماء وينتظر انبعاث الأرض. فبين الأجرد الذي يختبر الصلابة والأصم الذي يفرض السكون، تكتمل حكاية صمود الإنسان الذي لا ينكسر. إن الكوانين ليست مجرد رحلة في الصقيع، بل هي ممارسة فعلية للأمل؛ حيث يزرع الفلسطيني أحلامه في طين الأرض كما يزرع القمح، واثقًا بأن كل ليلةٍ باردة يقضيها خلف أبواب بيوت الشتاء هي في جوهرها نبضة تفاؤل ببيادر خيرٍ خضراء. فبعد البرد القارص، يوقن الفلاح بأن الخير آتٍ لا محالة، ليحصد وفير ما زرع بصبره؛ لتظل فلسطين، برغم كوانينها الشاقة، أرضًا تفيض بالبركة وتحمل في أحشائها سرّ البقاء.
الكلمات المفتاحية

شباط في التراث الشعبي الفلسطيني: الشهر الناقص والمليء بالتحولات
يمتاز شباط عن بقية شهور السنة بكونه شهرًا ناقصًا عدديًا، لا يبلغ ثلاثين يومًا، بل يكون ثمانية وعشرين يومًا، أو تسعة وعشرين في السنة الكبيسة

موجز تاريخي.. فنزويلا والقضية الفلسطينية
خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، طرد تشافيز السفير الإسرائيلي لدى فنزويلا

خريفية الكانون والطابون: الحكاية الشعبية في الشتاء الفلسطيني
تُعدّ الخراريف والحكايا الشعبية الركيزة الأساسية للوجدان الفلسطيني، فهي المستودع الأمين الذي حفظ هوية الشعب وقيمه عبر القرون
رؤساء سابقون للشاباك يتهمون نتنياهو بالتنصل من مسؤولية 7 أكتوبر
أفادت القناة 12 بأن خمسة رؤساء سابقين لجهاز الشاباك وجّهوا رسالة شديدة اللهجة إلى نتنياهو ورئيس الجهاز الحالي دافيد زيني، متهمين إياه بمحاولة التنصل من المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر
مستشفى شهداء الأقصى يحذر من توقف وشيك لخدماته بسبب تعطل المولدات
حذر مستشفى شهداء الأقصى من خطر وشيك يهدد استمرار عمله، نتيجة توقف المولد الكهربائي الرئيسي الثاني عن العمل، بعد توقف المولد الرئيسي الأول قبل ثلاثة شهور

الكاتبة الهندية البارزة أرونداتي روي تنسحب من مهرجان ألماني بسبب رفضه مناقشة إبادة غزة
انسحبت الكاتبة أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي الدولي بعد أن صرح رئيس لجنة التحكيم في المهرجان بأن على صناع الأفلام الابتعاد عن السياسة
نيكولاي ملادينوف يتبنى الموقف الإسرائيلي: "البداية في نزع سلاح غزة"
ذكر ملادينوف "ضرورة حصول السلطة الانتقالية على السيطرة المدنية والأمنية الكاملة على غزة، وأن تحقيق ذلك يتطلب استكمال نزع سلاح جميع الفصائل الفلسطينية التي تمتلك أسلحة"

