صانع البهجة في زمن الوجع: حكاية "فريق المهرج الطبي" في مستشفيات غزة
17 فبراير 2026
على سريرها في مستشفى الرنتيسي للأطفال، تخوض مريم، ذات الخمس سنوات، معركتها اليومية الصامتة ضد مرض اللوكيميا. في عالم صغير بها محصور بين جدران غرفتها، وجلسات العلاج. لكن هناك من يستطع أن يخترق ألم مريم ويصنع الابتسامة، أنه المهرج الذي يحول الهدوء الحزين لجناح الأطفال في هذا المستشفى إلى مسرح صغير للفرح. والذي يعمل ضمن "فريق المهرج الطبي"، المبادرة التي تنفذها منظمة "أطباء بلا حدود - هولندا"، والتي تهدف إلى تحويل لحظات القلق إلى ضحكات، ومداواة الروح جنبًا إلى جنب مع علاج الجسد.
ما يقدمه فريق "الطبيب المهرج" ليس مجرد ترفيه، بل هو جزء لا يتجزأ من رحلة العلاج
صانع البهجة الموجوع
خلف الأنف الأحمر المستعار والابتسامة المرسومة بعناية، يخفي المهرج مراد مراد الذي يحب أن يعرف بـ"عمو مروش" حكايات من الألم، نزح أكثر من مرة، تنقل بين الجنوب والوسطى، وعاش في الخيام. لكنه حين يرتدي بزة المهرج، يترك " عمو مروش" آلامه عند باب المستشفى، ليتحول إلى "الطبيب مروش"، الذي يحمل البالونات ملونة والضحكات الكبيرة.
"عمو مروش" يصف دوره بأنه "العلاج الثاني" أو "العلاج الموازي" الذي يقدمه للأطفال في مستشفى الرنتيسي للأطفال. مهمته مع الفئة الأكثر هشاشة، أطفال السرطان والفشل الكلوي والثلاسيميا. هؤلاء الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في قلب المأساة، بلا دواء، وبلا اهتمام.
يقول "عمو مروش" بصوت يختلط فيه الفخر بالأسى: "المستشفى هو بيتنا الثاني. هؤلاء الأطفال هم الأكثر حاجة للدعم، زيارة واحدة يمكن أن تحول أربع ساعات مؤلمة من غسيل الكلى لطفل إلى لحظات من اللعب والضحك".
لكن صناعة الفرح في زمن الوجع لها ثمنها الباهظ. أصعب اللحظات بالنسبة لمراد ليست رؤية الألم، بل التعامل مع "الغياب". يروي كيف يكون يلعب ويضحك مع طفل في الصباح، ثم يعود إلى بيته ليسمع خبر وفاته في المساء. "هذا مؤلم جدًا"، يقول لـ"الترا فلسطين"، ويتابع : "أن أعود في اليوم التالي إلى المستشفى، ولا أجد الطفل الذي كان يجلس على السرير بجانبي.. الأمر الموجع".
ساجي يكسر جدار الوجع
بعد خمسة عشر عامًا من الخبرة في رسم البسمة على وجوه الأطفال، لم يكن المهرج "أحمد مراد" الشهير بـ"ساجي مراد" يتوقع أن يجد نفسه أمام كم كبير من الألم والوجع في غزة خلال الحرب وبعدها.
مع ذلك، عجل ساجي لتقديم أفضل ما يمكنه تقديمه ضمن فريق المهرج الطبي، يزور مرضى الكلى والسرطان والجرحى بانتظام. لمواجهة الألم الجسدي والصدمة النفسية التي تسرق من الأطفال حياتهم الطبيعية.
في جعبته الكثير من المواقف التي يروها لـ"الترا فلسطين"، منها موقفه من تلك الطفلة في مستشفى الرنتيسي، التي لم تتجاوز العشر سنوات والتي شاهدت حدثًا مروعًا خلال الحرب أمام عينيها، فتوقفت عن الكلام والأكل والشرب. وصل بها الحال إلى أن جسدها بدأ ينتفخ من قلة الغذاء.
يقول ساجي: "يئس الأطباء من استجابتها. حاولت قدر المستطاع مساعدتها. غيرت نبرة صوتي، حتى تمكنت من جعلها تتكلم وتأكل. والدها قال لي إنها المرة الأولى التي تستجيب فيها بهذا الشكل".
موقف آخر حُفر في ذاكرة ساجي، هذه المرة مع طفلة مصابة بالثلاسيميا، تحتاج إلى تغيير دم بشكل دوري. كانت تصرخ من الألم في غرفة الطوارئ. حاول ساجي التخفيف عنها باللعب والمرح. وعندما عاد في زيارته التالية بعد أسبوع، كانت المفاجأة. يقول: "ظلت تسأل أمها عني طوال الأسبوع. وفور أن رأتني، ورغم أنها كانت موصولة بأجهزة نقل الدم، قفزت من سريرها لتعانقني".
ويضيف : "كنا نضيف بهجة جديدة للعلاج، فبدلًا من الاكتفاء بالضحك واللعب، أصبح يستخدم الألحان ليكسر جدران الصمت التي يبنيها الأطفال المصابون بالصدمة حول أنفسهم".
هذه اللحظات هي التي تدفع ساجي للاستمرار. شعوره بأن زيارة واحدة، أو ابتسامة، يمكن أن تكسر حلقة الألم ولو لساعة. يمكن أن يجد طريقه عبر أقسى جدران الصمت، ليقول لطفل خائف: "أنت لست وحدك، ما زال هناك من يسمعك".

"الابتسامة جزء من العلاج"
في مكتبه الذي يشهد على المعاناة اليومية للأطفال المرضى، يؤكد أدهم عايش، مدير العلاقات العامة في مستشفى الرنتيسي للأطفال، أن ما يقدمه فريق "الطبيب المهرج" ليس مجرد ترفيه، بل هو جزء لا يتجزأ من رحلة العلاج.
يقول عايش لـ"الترا فلسطين"، إنه "عندما يدخل الطبيب المهرج إلى القسم، يتغير كل شيء. يتحول القلق والخوف المرتبطان بالإبرة وجلسة العلاج إلى لحظة من الترقب والضحك". يوضح أن أهمية هذا النشاط تكمن في قدرته على "تفريغ الضغوط النفسية الهائلة التي يفرضها المرض الطويل والإقامة المتكررة في المستشفى على طفل صغير".
فالابتسامة، كما يراها عايش، هي أداة علاجية فعالة. "إنها تعزز الحالة النفسية للطفل، وتجعله يشعر بالأمان في مكان ارتبط في ذهنه بالألم. عندما يضحك الطفل، يتحسن تقبله للعلاج وللفريق الطبي بأكمله، بل وتتحطم الحواجز بينه وبين الكادر الطبي، ليحل التواصل الإنساني محل الخوف والتوتر".
يختتم عايش شهادته قائلًا: "في النهاية، مهمتنا ليست فقط علاج الجسد، بل دعم الروح. هؤلاء المهرجون يرفعون الروح المعنوية ويبثون الأمل، ليس فقط في نفوس الأطفال، بل في نفوسنا نحن وفي قلوب أسرهم أيضاً. إنهم يذكروننا جميعاً بأن الفرح ممكن حتى في أصعب الظروف، وأن الابتسامة يمكن أن تكون أقوى دواء".
الكلمات المفتاحية
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
كيف تأثر قطاع غزة بالعدوان على إيران؟
بدا واضحًا أن إسرائيل ترى في العدوان على إيران فرصة للانقلاب على اتفاق وقف إطلاق النار الذي كانت قد خرقته 1620 مرة حتى تاريخ 10 شباط
رمضان وكورنيش غزة في ذاكرة الغزيين.. عن "المتنفس الاجتماعي" الذي دمره الاحتلال
يُعد كورنيش غزة واجهة المدينة السياحية ومتنفسها الأبرز قبل حرب الإبادة الإسرائيلية، كما شكّل مقصدًا للرياضيين، ومصدر رزق لكثيرين بينهم خريجو الجامعات
قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48
قتل مواطنين اثنين اليوم السبت، أحدهما بجريمة إطلاق نار، داخل أراضي الـ48، والتي شهدت في الآونة الأخيرة احتجاجات ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في مواجهتها
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا
أفادت مصادر محلية مساء اليوم السبت، باستشهاد أمير محمد شناران وإصابة شقيقه برصاص المستوطنين في منطقة "واد الرخيم" جنوب يطا في الخليل
إدارة ترامب توافق على بيع ذخائر بقيمة 151 مليون دولار إلى إسرائيل
وافقت وزارة الخارجية الأميركية على بيع ذخائر بقيمة 151,8 مليون دولار إلى إسرائيل دون الحصول على موافقة الكونغرس على الصفقة