ultracheck
قول

صيف أهل الخيام

6 يوليو 2026
صيف أهالي الخيام
الخيمة التي كان يُفترض أن تكون محطة مؤقتة، تحولت إلى حياة كاملة
سفيان نايف الشوربجي
سفيان نايف الشوربجي صحفي من غزة

لا يبدأ صباح أهالي الخيام مع شروق الشمس، بل مع محاولة جديدة للنجاة من يوم ثقيل آخر. فمنذ ساعات الفجر الأولى، تُفتح أبواب الخيام بحثًا عن نسمة هواء عابرة، فيما يدرك الجميع أن ما ينتظرهم ليس مجرد يوم صيفي حار، بل ساعات طويلة من اللهيب، داخل مأوى قماشي لا يحجب الحرارة ولا يمنح الراحة.

الخيمة التي كان يُفترض أن تكون محطة مؤقتة، تحولت إلى حياة كاملة

فمع كل ارتفاع في درجات الحرارة، تتحول الخيام المصنوعة من القماش والنايلون إلى غرف خانقة تحتفظ بلهيب الشمس، بينما تعكس الأرض الملتهبة حرارتها إلى الداخل، لتجد العائلات نفسها محاصرة بين سماء ملتهبة وخيمة تحبس الأنفاس.

في إحدى الخيام، تجلس أم إلى جانب أطفالها، لا تملك مروحة ولا أي وسيلة للتبريد، فتكتفي بتحريك قطعة من البلاستيك فوق رؤوسهم. تبتسم لهم رغم الإرهاق، بينما تخفي قلقها من ساعات الظهيرة الأشد حرارة، حين يصبح البقاء داخل الخيمة أشبه بالجلوس داخل فرن مغلق.

أما الأطفال، فلهم طريقتهم الخاصة في مواجهة الصيف. فمع اقتراب الظهيرة، يبدأون رحلة البحث عن الظل، فيجلسون بمحاذاة الخيام يراقبون الشريط الضيق منه وهو يتحرك ببطء، ثم يتنقلون معه خطوة بعد أخرى. يحمل بعضهم قطعة كرتون فوق رأسه، بينما يشد آخرون قطعة قماش بين وتدين لصنع مساحة صغيرة تقيهم الحر، باحثين عن لحظة لعب قصيرة بعيدًا عن شمس أنهكت أجسادهم.

ورغم ضيق الحال، لا يستسلم سكان المخيمات. يرفعون أغطية إضافية فوق الخيام، ويرشون المياه على الأقمشة، ويحاولون سد الفتحات التي تتسلل منها الحشرات والقوارض ليلًا. حلول بسيطة لا تغيّر كثيرًا من الواقع، لكنها تعكس إصرارًا يوميًا على جعل الحياة أكثر احتمالًا.

ولا تختصر الأرقام حجم المعاناة هنا، بل تنقلها الحواس. فالماء القادم من الخزانات لا يروي العطش كما ينبغي، بل يترك طعمًا دافئًا يثقل الحلق. وفي الخلفية، يرافق السكون صوت قماش الخيام وهو يتمدد وينكمش تحت حرارة الشمس، بينما تختلط في الداخل رائحة القماش بالغبار والرطوبة، لتصبح جزءًا من ذاكرة الصيف القاسية.

"حرّ اليوم لا يُطاق، هل سنحصل على ماء قبل الظهر؟" تسأل امرأة وهي تراقب الطريق الترابي في انتظار شاحنة المياه. ولا يلبث طفل أن يركض لاهثًا وهو يصيح: "أسرعوا، الماء سينفد!". وفي زاوية قريبة، يهمس رجل لزوجته: "اصبري قليلًا، ربما تأتي المساعدة اليوم، أو غدًا". وبين هذا الانتظار، تتكشف حياة كاملة تختصرها لحظة عطش واحدة.

ومع غروب الشمس، لا ينتهي التعب، بل يبدأ وجه آخر من المعاناة. فالليل هنا لا يعني الراحة، بل القلق. ومع تكرار استهداف المناطق التي تضم خيامًا للنازحين، تنام عائلات كثيرة بملابسها، وتُبقي أوراقها الثبوتية إلى جوارها، تحسبًا لأي فرار مفاجئ.

كل صوت في الليل قد يكون سببًا للفزع. يفزع الأطفال من أصوات الانفجارات، ويهرعون إلى أحضان أمهاتهم، بينما يقف الآباء عند أبواب الخيام، يحدقون في الظلام، عاجزين عن تقديم أكثر من كلمات مطمئنة، رغم أن الخوف يسكنهم هم أيضًا.

وحتى إذا مرّ الليل بسلام، فإن الراحة تبقى ناقصة. تبدأ الحشرات بالانتشار، وتتسلل القوارض إلى الخيام، فيستيقظ الأطفال على لسعات البعوض. وبين لحظة وأخرى، يعلو بكاء طفل مفاجئ يبدد ما تبقى من هدوء، فيتنقل صغير من مكان إلى آخر داخل الخيمة بحثًا عن موضع أكثر راحة، بينما تبقى الأمهات عالقات بين يقظة لا تنطفئ وانتظار لليل يمضي ببطء.

الخيمة التي كان يُفترض أن تكون محطة مؤقتة، تحولت إلى حياة كاملة. ففي بضعة أمتار مربعة، تتقاسم أسرة واحدة النوم والطعام والخوف والانتظار، وتحاول أن تحافظ على ما تبقى من كرامتها. هناك تختلط ضحكات الأطفال بأصوات الطائرات، وتمتزج أحلام العودة بقلق الغد، بينما يمضي الزمن ببطء فوق سقف لا يحمي من حر ولا برد ولا خوف.

ومع ذلك، يبقى الأمل حاضرًا؛ أملٌ في أن يكون هذا الصيف الأخير تحت سقف من القماش، وأن يعود الأطفال إلى بيوت تقيهم الشمس، وينام الناس ليلة كاملة بلا خوف. فكل ما يحلم به هؤلاء ليس أكثر من حياة عادية: بيت آمن، وسقف ثابت، وغد أقل قسوة.

الكلمات المفتاحية

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له


في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر


نحو صياغة عهد تربوي جديد

نحو صياغة عهد تربوي جديد

إن فكرة المعهد الوطني التربوي، ضرورة وطنية ملحّة، فما نراه من ارتجالية في رسم السياسات التعليمية، ينذر بذهابنا في التعليم إلى هناك.


تركة الزميل الراحل أحمد طرازعة

تركة الزميل الراحل

أخرجوا المعتقل الإداري أحمد طزازعة (18 عامًا)، من بلدة قباطية جنوب جنين، وكان وحيد والديه. وبعد دقائق عادوا ليأخذوا غطاءه.

تحقيق: إسرائيل تداولت في مستويات رسمية كذبة اختلقها حساب هندي
راصد

تحقيق: إسرائيل تداولت في مستويات رسمية كذبة اختلقها حساب هندي

بدأ التصريح الكاذب من حساب هندي قومي ثم عاد إلى الهند نفسها باعتباره خبرًا أكده الإعلام الإسرائيلي

مصادر التعليم المفتوحة: اعتراضات واسعة والوزارة تؤكد مضيها في التنفيذ
تقارير

مصادر التعليم المفتوحة: اعتراضات واسعة والوزارة تؤكد مضيها في التنفيذ

شهدت المنصات الرسمية لوزارة التربية والتعليم حملة ترويجية ونشرًا مكثفًا لمقاطع فيديو تستعرض حصصًا دراسية تعتمد نظام مصادر التعليم المفتوحة


ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية
أخبار

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية

هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق الذي يتيح إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
راصد

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود

كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص | مسودة قرار تعدّل تشكيل المجلس الوطني: 67 عضوًا من الداخل بـ"التوافق والتشاور" ومقعد للرئيس


2
تقارير

من أبو حسنة إلى أبو راشد.. تهم "الإرهاب" تلاحق نشطاء إغاثة غزة في الخارج


3
راصد

قراءة في التقرير السنوي لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي: تآكل النواة الصلبة واستنزاف الجدار الحديدي


4
تقارير

خاص الترا فلسطين | بنود اتفاق غزة: السلاح وحقوق الموظفين والمساعدات


5
تقارير

منير البرش لـ"الترا فلسطين": 53% من أدوية غزة رصيدها صفر والقطاع يواجه انهيارًا صحيًا