ضمّ صامت عبر "التسوية": كيف يمهّد الاحتلال للاستيلاء على أراضي الضفة الغربية؟
16 فبراير 2026
في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، صادقت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أمس الأحد، على خطة شاملة لـ"تسوية" الأراضي وبدء تسجيلها رسميًا، تمهيدًا لتحويلها إلى ما يُعرف بـ"أملاك دولة".
ويأتي هذا القرار في سياق سياسة إسرائيلية طويلة الأمد تهدف إلى فرض السيطرة القانونية والإدارية على الأراضي الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان، وإجهاض أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافيًا، وصولًا إلى مخطط التهجير.
سلطة الأراضي لـ"الترا فلسطين": "الهدف الحقيقي من خطة "تسوية الأراضي" هو منع إقامة دولة فلسطينية مترابطة جغرافيًا، عبر تسجيل الأراضي المقامة عليها المستوطنات باسم "دولة إسرائيل"، إضافة إلى تسجيل مساحات واسعة من المناطق المصنفة "ج".
ويرى مختصون فلسطينيون أن ما يجري ليس مجرد إجراء إداري أو قانوني، بل خطوة مدروسة لإعادة تعريف وضع الضفة الغربية من "أراضٍ محتلة" وفق القانون الدولي، إلى أراضٍ تخضع لسيادة إسرائيل، عبر أدوات قانونية ظاهرها التنظيم وباطنها المصادرة والضم.
"قرار خطير بكل أبعاده"
يقول نائب رئيس سلطة الأراضي الفلسطينية سامر عودة إن القرار الإسرائيلي "خطير بكل الأبعاد"، مؤكدًا أن خطورته تكمن في نية الاحتلال تنفيذ أعمال "تسوية" لا تتسم بالشفافية ولا العدالة.
ويوضح عودة، في حوار خاص مع "ألترا فلسطين"، أن "إسرائيل"، خلال السنوات الماضية، منعت المواطنين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم والتصرف بها، وبالتالي ستلجأ اليوم إلى القانون العثماني لإثبات أن كل من لم يتصرف بأرضه خلال ثلاث سنوات يمكن للدولة مصادرتها وتسجيلها باسم "أملاك دولة".
ويقول إن أعمال تسوية الأراضي، في الأصل، يفترض أن تتم على أيدي قانونيين وفنيين محايدين، مضيفًا: "لكن المشكلة الكبرى أن من يقوم بها هو الاحتلال نفسه، ووجود الاحتلال بالأصل غير قانوني ويتعارض مع القانون الدولي، فكيف نتوقع من قوة احتلال أن تثبت حقوق الفلسطينيين؟".
وبحسب عودة، فإن الهدف الحقيقي من التمهيد لأعمال التسوية هو منع إقامة دولة فلسطينية مترابطة جغرافيًا، عبر تسجيل الأراضي المقامة عليها المستوطنات باسم "دولة إسرائيل"، إضافة إلى تسجيل مساحات واسعة من المناطق المصنفة "ج" بحجة غياب الوثائق أو عدم استغلالها من قبل أصحابها. ويؤكد أن المسألة لا تتعلق بإثبات ملكية فحسب، "بل نحن نواجه قوة عسكرية تفرض أوامرها بما يخدم الاستيطان ونزع الملكية".
وفيما يخص الأراضي المهددة بالمصادرة، يشير عودة إلى أن المرحلة الأولى من أعمال التسوية تستهدف المناطق "ج"، وبالتحديد نحو 291 ألف دونم بحلول عام 2030، خاصة في الأغوار وجنوب الخليل، وهي مناطق شهدت في السنوات الأخيرة عمليات تهجير وطرد للتجمعات الفلسطينية، بالإضافة إلى الأراضي المقامة عليها المستوطنات الإسرائيلية.
القرار اتُّخذ قبل عام.. والتنفيذ بدأ
من جهته، يوضح مدير دائرة النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود أن قرار "الكابينت" ليس جديدًا، بل يعود إلى أيار/ مايو 2025، حين تقرر إلغاء جميع ترتيبات التسوية الفلسطينية، وتحويل ملف تسجيل الأراضي إلى "الإدارة المدنية" التابعة لجيش الاحتلال.
ويقول داود، في حوار خاص مع "الترا فلسطين"، إن القرار آنذاك نصّ على تعيين مساحين ومحامين، ورصد موازنات كبيرة لإنجاز عمليات التسجيل. ويضيف: "ما حدث يوم الأحد هو إطلاق التنفيذ الفعلي للعملية"، مشيرًا إلى أن الاحتلال بدأ بتسجيل الأراضي عبر الإدارة المدنية.
ويرى أن هذه الخطوة تغيّر نظرة "إسرائيل" للأراضي الفلسطينية، من كونها أراضي محتلة وفق القانون الدولي إلى أراضٍ خاضعة لسيادتها المباشرة، بكل ما يترتب على ذلك من إدارة وتوجيه وتوظيف للأرض.
ويذكّر داود بأن الأردن شرع، قبل عام 1967، في تسوية الأراضي بالضفة الغربية، وأنجز نحو 25% منها قبل أن تتوقف العملية مع الاحتلال. "اليوم، تنظر إسرائيل إلى الضفة باعتبارها قطعة قابلة للالتهام في أي لحظة".
المرحلة الأولى تستهدف مناطق "ج"
ويشير داود إلى أن القرارات الإسرائيلية، سواء الصادرة عن الكنيست أو الكابينت، لا تستخدم رسميًا مصطلحات "أ، ب، ج"، بل تتحدث عن "يهودا والسامرة"، في محاولة لتجاوز التصنيفات السياسية.
من الناحية العملية، يوضح داود أن الاستهداف ينصب على المناطق "ج"، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة.وبحسب الإعلان الرسمي، فإن الخطة تستهدف تسجيل 25% من المساحات غير المسجلة بحلول عام 2030، ما يعني أن العملية انتقائية ومركّزة، وليست شاملة في مرحلتها الأولى.
ويضيف داود أن أراضي الخزينة الأردنية والأراضي الصخرية، التي وضعت "إسرائيل" يدها عليها بعد عام 1967، ستكون في مقدمة المناطق المستهدفة لإعلانها "أراضي دولة".
"أراضٍ غير محتلة.. بل متنازع عليها"
أما مدير معهد الأبحاث التطبيقية "أريج" جاد إسحق، فيرى أن "إسرائيل" منحت نفسها حرية مطلقة في تصنيف الأراضي الفلسطينية وتسجيلها، "بما يعني عمليًا أنها أصبحت تعتبر هذه الأراضي ملكًا لها".
ويؤكد إسحق، في حوار خاص مع "الترا فلسطين"، أن هذا التوجه يعكس تجاهلًا كاملًا للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن، التي تعتبر الضفة الغربية أرضًا محتلة. ويضيف: "اليوم، تقول إسرائيل إن هذه الأراضي ليست محتلة، بل متنازع عليها، وستبني على ذلك مبررات لاعتبارها أرضًا إسرائيلية".
ويشرح إسحق أن الأراضي في العهد العثماني كانت تُصنَّف إلى أراضٍ ملكية خاصة، وأوقاف، وأراضي "ميري" خاضعة للضريبة، وأراضٍ مشاع تعود للتجمعات السكانية.
لكن "إسرائيل"، وفق قوله، حوّلت "ميري" إلى "أميري"، واعتبرتها ملكًا للدولة، ما أتاح لها مصادرتها. ويؤكد اسحق أنه قد صدر أكثر من خمسة آلاف أمر عسكري غيّرتعريف الأراضي، وكلها مخالفة للقانون.
أما أراضي المشاع، التي كانت مخصصة للمصلحة العامة، فقد بدأت "إسرائيل" التعامل معها باعتبارها أراضي دولة، "ما يعني أنها نصّبت نفسها صاحبة سيادة"، وفق قوله.
ويؤكد إسحق أن المرحلة الأولى تستهدف أراضي "أميري" والمشاع في المناطق "ج"، لكن الهدف النهائي هو السيطرة على نحو 85% من هذه المناطق، المصنفة أصلًا كأراضي دولة.
ويصف ما يجري بأنه "ضمّ فعلي دون إعلان رسمي"، يتم عبر الأوامر العسكرية، وليس عبر مفاوضات أو اتفاقيات، في ظل مواقف دولية متراخية، بينها موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرافض للضمّ العلني.
دعوات للمواجهة القانونية والمقاطعة
في مواجهة هذه الخطوة، يدعو أمير داود إلى خوض "معركة قانونية واعية"، أساسها مقاطعة أي تعامل مع مؤسسات الاحتلال في ملف التسوية. ويقول: "الاحتلال يريد دفع أصحاب الأراضي للتوجه إلى الإدارة المدنية، وهذا يجب رفضه ومقاطعته بالكامل".
من جانبه، يشدد عودة على أهمية توظيف الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، والقرارات الأممية التي تجاوز عددها 700 قرار، في معركة قانونية وسياسية طويلة الأمد.
ويضيف أن السلطة والمؤسسات الوطنية ستعمل على توعية المواطنين داخل فلسطين وخارجها بخطورة القرار، وبالآليات التي تساعدهم على حماية أملاكهم.
كما يشير إلى أهمية الطعون القانونية، خاصة أن "إسرائيل" تستند إلى القانون الأردني رقم 40 لسنة 1952، وهو القانون ذاته المعتمد فلسطينيًا، والذي لا يجيز إجراء التسوية أكثر من مرة. "أي إعادة تسوية لأراضٍ سبق تسويتها تُعد مخالفة للقانون نفسه"، يقول عودة. ويؤكد كذلك ضرورة الاستفادة من الوثائق التاريخية، سواء العثمانية أو البريطانية، وكل ما يمكن أن يدعم حقوق الفلسطينيين.
وكانت وسائل إعلام عبرية أفادت أن حكومة الاحتلال صادقت على مقترح يقضي بتسجيل أراضي الضفة الغربية كـ"أملاك دولة". وذكرت أن المقترح قدّمه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير العدل ياريف ليفين، ووزير الأمن يسرائيل كاتس.
وستتولى وحدة تسجيل الأراضي التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية تنظيم الملكيات في المنطقة "ج"، وإصدار أذونات البيع وجباية الرسوم، مقابل منع السلطة الفلسطينية من أداء مهامها.
وفي محاولة لتسويغ الخطة"قانونيًا"، زعمت حكومة الاحتلال بأن القرار يهدف إلى "إنهاء النزاعات القانونية" وتطوير البنية التحتية، فيما قال كاتس إنه ضروري "أمنيًا وإداريًا".
أما وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، فقال صراحة: "نواصل ثورة الاستيطان وترسيخ السيطرة في جميع أرجاء أرضنا". ووفق صحيفة "يسرائيل هيوم"، فإن الهدف هو الاستيلاء التدريجي على 15% من المنطقة "ج" بحلول عام 2030.
وفي المحصلة، يرى خبراء ومختصون أن ما يجري يتجاوز كونه إجراءً إداريًا لتنظيم الملكيات، ليشكّل مرحلة متقدمة من الضم الزاحف، عبر تحويل السيطرة العسكرية إلى سيطرة قانونية وسيادية.
وبينما تواصل "إسرائيل" فرض وقائع جديدة على الأرض، تبقى المعركة الفلسطينية في هذا الملف مرهونة بقدرتها على توحيد الجهد القانوني والسياسي والشعبي، ومواجهة "التسوية" باعتبارها أحد أخطر أدوات مصادرة الأرض في المرحلة الراهنة.
فالمعركة اليوم، كما يصفها عودة وداود وإسحق، ليست فقط على وثيقة أو قطعة أرض، بل على مستقبل الجغرافيا الفلسطينية برمّتها، وعلى إمكانية بقاء الضفة الغربية أرضًا قابلة للحياة، لا مجرد تجمعات معزولة داخل خارطة سيطرة إسرائيلية شاملة.
الكلمات المفتاحية
حرب الإبادة الديموغرافية: كيف عمل الاحتلال على خفض عدد المواليد في غزة؟
ما يجري في غزة سياسة عنف إنجابي تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي
حرب إيران تفتح شهية المستوطنين: تصعيد في القتل والاعتداء وتهجير للتجمعات البدوية
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لـ"الترا فلسطين": منذ حرب إيران، سقط 6 شهداء برصاص مستوطنين، والاحتلال أصدر 11 أمرًا عسكريًا لإزالة أشجار في مساحات واسعة من الضفة الغربية.
أحلام العمصي والحكاية الفلسطينية على لسان النساء
لم تأتِ فكرة الحكاية لدى أحلام من فراغ، بل من قصص عاشت بعضها وورثت بعضها الآخر منذ طفولتها
إصابات وتسييج أراضٍ خلال هجمات للمستوطنين في نابلس والخليل وطوباس
سُجّلت 4 إصابات برضوض في اعتداءات للمستوطنين في بلدات جنوب نابلس خلال اليوم.
هآرتس: سلاح إيراني بيد حزب الله يثير قلق الجيش الإسرائيلي
المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعرب عن قلق متزايد من الاستخدام المتصاعد لدى حزب الله لصاروخ إيراني متطور مضاد للدروع.
حرب الإبادة الديموغرافية: كيف عمل الاحتلال على خفض عدد المواليد في غزة؟
ما يجري في غزة سياسة عنف إنجابي تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي
هآرتس: الجيش يغض النظر عن جرائم المستوطنين أو يشارك فيها والحكومة تدعمها
جيش الاحتلال يغض الطرف في أفضل الأحوال، ويسهم في الهجمات في أسوأ الأحوال، والمستوطنون المتطرفون الجالسون في الحكومة يمنحون ذلك دعمًا