عائلات على نوافذ الانتظار في غزّة.. مفقودون في "مصائد المساعدات"
21 يونيو 2025
تستدرج إسرائيل السكان المدنيين المُجوَّعين في غزة للحصول على المساعدات المقدمة بكميات ضئيلة لا تُلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، ومن ثم تبدأ بقتلهم، بالإضافة إلى اختفاء العشرات منهم قسرًا، وسط إطلاق مناشدات من عائلاتهم لمعرفة مصيرهم المجهول في مناطق الشمال والجنوب.
قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، لـ"الترا فلسطين": إن "المراكز الأميركية–الإسرائيلية للمساعدات ليست هيئة إغاثية مطلقًا، بل أداة قتل ميدانية خطيرة"
يتزاحم عشرات الآلاف، وحتى الأطفال والنساء، لطلب الطعام، سواء قرب أحد مراكز التوزيع غير الآمنة، أو على الطرقات الفرعية التي تمرّ بها الشاحنات ليلًا ونهارًا، أملًا في أن يجود الطريق عليهم بشيء من الغذاء. ولا يخلو الموقف من المخاطر الكبيرة جرّاء الاستهداف المتواصل من الاحتلال الإسرائيلي لمحيط مراكز التوزيع أو حتى نقاط انتظار المساعدات.
وبعيدًا عن إشراف الأمم المتحدة، شهد اليوم الأول لتوزيع المساعدات في غزة، وفق الآلية الإسرائيلية–الأميركية، فوضى واسعة. وأوردت هيئة البث الإسرائيلية أن المسلحين التابعين للشركة الأميركية فقدوا السيطرة على مركز توزيع المساعدات.
لم يعد لأطفاله
اختار أيمن المقيد الذهاب إلى منطقة السودانية شمال غربي غزة، للحصول على الدقيق لعائلته المُجَوَّعة منذ أشهر، ولم يعد إلى عائلته التي تنتظره منذ أكثر من أسبوع. ويروي شقيقه أحمد لـ"الترا فلسطين": "أيمن أخبر زوجته بأنه ذاهب إلى منطقة السودانية لجلب كيس من الطحين، وبعد ساعات لاحظنا أنه فُقد، ولم يره أحد".
ويشير إلى أن شقيقه أيمن متزوج ولديه ثلاثة أطفال، ويُعاني من الصم والبكم منذ طفولته، وإن طلب المساعدة من أحد لا يستطيع إنقاذه أو إصدار صوت يسمعه من في المكان ليساعده من بين الآلاف المنتظرين للمساعدات.
وأضاف: "سألنا الناس ممن كانوا هناك، وقالوا إن إطلاق نار استهدف الجموع، وهناك شهداء لم يتمكن أحد من انتشالهم لخطورة المكان". ويبيّن أحمد أنه بعد ساعات من فقدانه، بحثوا عنه في مستشفيات مدينة غزة دون جدوى، وأبلغوا الصليب الأحمر والدفاع المدني ووزارة الصحة دون الحصول على أي معلومة واضحة.
وبعد المحاولة الخامسة للدفاع المدني، حصل على الموافقة من الجهات المختصة بواسطة مكتب تنسيق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا)، فتم انتشال مجموعة من الشهداء الذين تم استهدافهم بمحيط الصالة الذهبية في منطقة السودانية. وتوجه أحمد إلى المستشفى فور علمه بتمكن الطواقم الصحية من انتشال جثامين من محيط الصالة، وقال: "وجدنا على باب المشرحة تسعة جثامين مسجّاة، تفحصناهم بدقة، ولم يكن أيمن بينهم".

في 27 أيار/مايو الماضي، بدأت إسرائيل بتنفيذ خطة توزيع المساعدات عبر ما يُعرف بـ"مؤسسة غزة الإنسانية"، وهي شركة مدعومة إسرائيليًا وأميركيًا، وقد واجهت تدقيقًا دوليًا وأمميًا، ورفضًا حقوقيًا لهذه الآلية نظرًا للعيوب الخطيرة المنطوية عليها.
ويغامر آلاف السكان في غزة بأرواحهم يوميًا من أجل إطعام عائلاتهم، ومنهم من يفوز بالحياة، أو من يحصل على الدقيق، أو يعود شهيدًا لعائلته، أو يبقى في عداد المفقودين.
والدته تنتظر عودته
الشاب أحمد خلة (20 عامًا)، لم يحتمل رؤية عائلته المكوّنة من 10 أفراد غير قادرين على شراء الدقيق والطعام بسبب ارتفاع أسعاره بشكل كبير، فقرّر الذهاب إلى منطقة السودانية للحصول على فتات من المساعدات.
تقول عبير خلة، والدة أحمد: "منذ بدء الحرب على غزة خسرنا أموالنا، وبات زوجي عاطلًا عن العمل، ولم نستطع توفير المستلزمات الغذائية إلا بكميات قليلة لا تكفي لعائلة مكوّنة من 10 أشخاص، فاضطر أحمد للخروج إلى المنطقة التي تأتي إليها الشاحنات للحصول على الطحين".
وتضيف لـ"الترا فلسطين": "عندما رأى أحمد الآلاف يذهبون للحصول على المساعدات، قرر بشكل مفاجئ الذهاب إلى منطقة السودانية، على الرغم من خطورة المكان، وتوقعنا أسوأ الاحتمالات".
وبصوت مليء بالقهر، تشير والدته إلى أنه لم يكن في المنزل أي نوع من الطعام منذ أيام، مما جعل أحمد يُغامر بحياته لأجل لقمة العيش.
ولم تُفارق عائلة أحمد نوافذ المنزل، إذ ينتظرون عودته مرة أخرى، فباتوا يعانون الأمرّين: من فقدان ابنهم ومن الجوع الذي ينهش أجسادهم الهزيلة، أملًا في عودته حيًا أو سماع خبر عنه لتستريح قلوبهم.

أداة قتل ميدانية
قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، إن "المراكز الأميركية–الإسرائيلية للمساعدات" ليست هيئة إغاثية مطلقًا، بل أداة قتل ميدانية خطيرة، تم زرعها عمدًا في مناطق مصنّفة عسكريًا كـ"أماكن حمراء"، أي مناطق قُتل فيها المدنيون بدم بارد وتعرّضوا للإذلال والتصفية الجسدية، في سلوك لا يمكن وصفه إلا بـ"مصائد الموت" الجماعية.
وأضاف الثوابتة لـ"الترا فلسطين" أن من ذهب إلى هناك بحثًا عن لقمة عيش، لم يرجع أحيانًا، بل عاد شهيدًا، أو لم يعد إطلاقًا وأصبح من المفقودين.
وأشار إلى أن ما يُسمى بـ"المساعدات" تحوّلت إلى فخاخ ميدانية دموية، وسُجّل بالأرقام أن إجمالي الضحايا بلغ حتى الآن 397 شهيدًا و3031 إصابة، إضافة إلى 9 مواطنين ما يزالون في عداد المفقودين بعد ذهابهم إلى تلك المناطق وعدم عودتهم إلى ذويهم.
وأكد أن هذا الرقم "لا يعبّر فقط عن كارثة إنسانية، بل عن جريمة مكتملة الأركان تُدين الاحتلال وتفضح الجهات المتورطة معه في تخطيط وتوزيع المساعدات ضمن خرائط قتل وإبادة جماعية".
وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة "هآرتس"، أنه في يوم الثلاثاء الماضي "وقعت واحدة من أخطر عمليات القتل في غزة منذ أسابيع شرق خانيونس. وتشير المعلومات المحدودة حتى الآن عن الحادث إلى تداول أنباء في المنطقة عن شاحنة تحمل دقيقًا وتدفق الآلاف إلى المنطقة وحاصروا الشاحنة. وفي نفس الوقت، استنفر جنود الجيش الإسرائيلي في المنطقة، وأطلقوا النار على الحشد، وسقط واحد وخمسون شخصًا وجُرح أكثر من مئتي شخص".
وأضاف التقرير: إن "القتل المروع للجوعى وهم في طريقهم إلى شاحنة الدقيق دليلٌ إضافي على الفشل الذريع لسياسة إسرائيل الغذائية الجديدة في قطاع غزة. لقد مضت ثلاثة أسابيع منذ أن بدأت مؤسسة غزة الإنسانية توزيع الغذاء هناك، بعد حصارٍ دام 80 يومًا على القطاع. نظام توزيع الغذاء الجديد قاسٍ وخطير. حتى الآن، دفع حوالي 400 شخص حياتهم ثمنًا لهذا الفشل، بينما جُرح آلاف آخرون".
وحول آلية مؤسسة غزة الإنسانية، قال التقرير: "لا توجد ساعات عمل محددة للمواقع، وتفتقر إلى الشفافية، ويضطر سكان غزة إلى الاعتماد على منشورات فيسبوك والشائعات لمعرفة موعد فتحها. هذا يزيد الطلب حول مواقع التوزيع، إذ لا يثق سكان غزة بتوفر المزيد من الطعام في اليوم التالي".
وتابع التقرير: "الأهم من ذلك، أن مراكز مؤسسة غزة الإنسانية أصبحت مصائد موت لمئات الفلسطينيين. فالجيش، الذي يوفر الأمن حول المراكز، لم يستعد لاستقبال عشرات الآلاف من الجوعى والمحتاجين. وقُتل أشخاص على طول الطريق إلى هذه المراكز أو بالقرب منها يوميًا تقريبًا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية".
وأكد التقرير على فشل مؤسسة غزة الإنسانية، بالإشارة إلى أنه "لا يحصل على الغذاء إلا من يتمتع بالقوة والقدرة على المشي لمسافات طويلة والركض لأخذ طرود المساعدات وحمل الأحمال الثقيلة. كما أنه لا يوجد نظام تسجيل أو رقابة على ما يُقدم في مواقع التوزيع. كما تضاعفت في الأيام الأخيرة التقارير عن قيام الجماعات المسلحة بسرقة الناس أثناء عودتهم محملين بالطعام، لا سيما في منطقة مدينة غزة".
تُرك ينزف مكانه
يعاني الشاب عبد الله المغاري (37 عامًا) من ضمور في الدماغ ونوبات تشنج، وقد انضم إلى الآلاف من المواطنين الذين ذهبوا إلى محور نتساريم لجلب "المساعدات الإنسانية"، فأطلقت ثلاث دبابات إسرائيلية متمركزة النار تجاههم، ما أدى إلى إصابته.
ويروي شقيقه، فضل المغاري، قائلًا: "عندما أُصيب شقيقي، رأى فتى مصابًا في بطنه، فرفض الفرار وترك الفتى وحيدًا، وحاول مساعدته مع شاب آخر، وطلب من الشاب إبلاغ عائلته عما حدث، وأنه لن يتركه".
ويذكر فضل، وهو مصور صحفي، أنه تلقى مكالمة هاتفية أفادت بتعرض شقيقه لإصابة مع فتى آخر في المكان، لكنه "لم يستطع العثور عليه بسبب إطلاق النار وتدافع المواطنين الذين خرجوا من المنطقة تحت النيران الكثيفة".
ويضيف: "حاولت أن أعثر على شقيقي بين الناس والمصابين على الأرض، لكني لم أره"، لافتًا إلى أن "شقيقي يعاني من ضمور في الدماغ، وإدراكه كطفلٍ بعمر العشر سنوات".
وتابع: "بعد محاولاتنا في البحث، لا نعلم إن كانوا لا يزالون في المكان، أو أن جيش الاحتلال أخذهم من المنطقة، وتواصلنا مع الصليب الأحمر ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لكن الاحتلال رفض عشرات التنسيقات".

عشرات المفقودين قسرًا
أكد الباحث الرئيسي في المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا في قطاع غزة، غازي المجدلاوي، أن المركز تلقى عشرات البلاغات خلال الأيام الماضية عن مفقودين لم يعودوا إلى منازلهم بعد توجههم لاستلام المساعدات الغذائية، وسط مؤشرات ترجّح أن بعضهم قد استشهد بنيران الاحتلال.
وقال المجدلاوي لـ"الترا فلسطين"، إن ذهاب المواطنين إلى مناطق السودانية والنابلسي للحصول على الطحين ليس رفاهية، بل هو الخيار الوحيد للحصول على الطعام.
وأشار إلى أن "الاحتلال يمنع وصول الشاحنات إلى مراكز التوزيع، ويأمر السائقين بإفراغ حمولة الشاحنات في أطراف مدينة غزة، وعلى المواطنين التوجّه لتلك المناطق للحصول على الغذاء، تحت ذريعة أن حماس تسيطر على المساعدات فور دخولها القطاع".
وبيّن أن الدفاع المدني الفلسطيني في غزة استطاع انتشال 15 جثمانًا من الشهداء، إلا أن العشرات لا زالوا مفقودين ومصيرهم مجهول، "إما استشهدوا، أو اعتقلهم جيش الاحتلال في شمال وجنوب قطاع غزة".
وحث المجدلاوي أهالي المفقودين على تسجيل بيانات ذويهم عبر المنصة الإلكترونية للمركز، لتوثيق حالاتهم ومتابعتها ضمن الجهود القانونية والحقوقية المستمرة.
الكلمات المفتاحية
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
كيف تأثر قطاع غزة بالعدوان على إيران؟
بدا واضحًا أن إسرائيل ترى في العدوان على إيران فرصة للانقلاب على اتفاق وقف إطلاق النار الذي كانت قد خرقته 1620 مرة حتى تاريخ 10 شباط
رمضان وكورنيش غزة في ذاكرة الغزيين.. عن "المتنفس الاجتماعي" الذي دمره الاحتلال
يُعد كورنيش غزة واجهة المدينة السياحية ومتنفسها الأبرز قبل حرب الإبادة الإسرائيلية، كما شكّل مقصدًا للرياضيين، ومصدر رزق لكثيرين بينهم خريجو الجامعات
قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48
قتل مواطنين اثنين اليوم السبت، أحدهما بجريمة إطلاق نار، داخل أراضي الـ48، والتي شهدت في الآونة الأخيرة احتجاجات ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في مواجهتها
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا
أفادت مصادر محلية مساء اليوم السبت، باستشهاد أمير محمد شناران وإصابة شقيقه برصاص المستوطنين في منطقة "واد الرخيم" جنوب يطا في الخليل
إدارة ترامب توافق على بيع ذخائر بقيمة 151 مليون دولار إلى إسرائيل
وافقت وزارة الخارجية الأميركية على بيع ذخائر بقيمة 151,8 مليون دولار إلى إسرائيل دون الحصول على موافقة الكونغرس على الصفقة