عدوان إسرائيل على سوريا الجديدة: قلق من فرار الأسد وبحث نتنياهو عن صورة "نصر"
19 ديسمبر 2024
"كان اختيار رئيس الوزراء الإسرائيلي، المهووس بمظهره، لالتقاط صورة له على جبل الشيخ يهدف إلى استبدال صورة هزيمة السابع من تشرين الأول/أكتوبر بصورة من صور النشوة.. إن مخرجًا مسرحيًا مثل نتنياهو لن يفوت فرصة التقاط صورة جديدة، وفي يوم الثلاثاء طار إلى قمة جبل الشيخ ليرتدي سترة واقية من الرصاص ويعلن من هناك أن المنطقة ستظل في أيدي إسرائيل ’حتى يتم التوصل إلى اتفاق آخر’، أي إلى الأبد"، بهذه الكلمات لخص رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، وصول نتنياهو إلى المنطقة المحتلة حديثًا من جبل الشيخ السوري.
وعلى مدار يومين بعد سقوط الأسد، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في تصريحات تطرق خلالها للثورة السورية وإسقاط نظام بشار الأسد، ولم يظهر نتنياهو "مبتهجًا" فقط، بل حاول "نسب الفضل إلى نفسه"، ولم يفوت ذكر "الشرق الأوسط الجديد"، الذي "هجس" في بال قادة عدة في إسرائيل، وهي مزاعم يثبت السياق التاريخي سقوطها.
التوسع الصامت على الأرض، أبرز معالم عدوان الاحتلال المستمر على سوريا، بعد هدوء وتيرة القصف نسبيًا
وبينما قال نتنياهو، إن "فصلًا جديدًا بدأ في الشرق الأوسط مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا"، فقد أشار إلى أنه يواجه ما عرف باسم "محور المقاومة" بطريقة "خطوة بخطوة". وفي نفس الوقت، كان يكرر تمسكه في احتلال الجوري السوري المحتل، قائلًا: "هضبة الجولان ستظل إلى الأبد جزءًا لا يتجزأ من دولة إسرائيل".
وتابع نتنياهو في تصريحاته: "المحور لم يختف بعد، ولكن كما وعدت فإننا نعمل على تغيير وجه الشرق الأوسط. ودولة إسرائيل تعمل على ترسيخ مكانتها كمركز للقوة في منطقتنا، كما لم تكن منذ عقود. من يتعاون معنا، يجني فوائد عظيمة، ومن يعتدي علينا، يخسر كثيرًا.. حتى اليوم نمد يدنا لمن يريد أن يعيش معنا بسلام، وسنقطع اليد لمن يحاول أن يؤذينا". وذكر نتنياهو بأنه أصدر تعليماته لقوات الجيش الإسرائيلي بـ"السيطرة" على المنطقة العازلة مع سوريا ونقاط الدخول جبل الشيخ، مضيفًا: "كنا هنا قبل أعدائنا، وسنكون هنا بعد أعدائنا".
كانت هذه التصريحات، تكرارًا لتلك التي قالها نتنياهو من الجولان السوري المحتل، صبيحة يوم فرار الأسد من سوريا، ومن هناك قال: "لن نسمح لأي قوة معادية بتأسيس نفسها على حدودنا"، ولم يسلم نتنياهو بنتيجة سقوط الأسد، إذ قال إن الأمر "ليس خاليًا من المخاطر. أولًا وقبل كل شيء، نحن نعمل على حماية حدودنا. فقد ظلت هذه المنطقة خاضعة لسيطرة منطقة عازلة تم الاتفاق عليها في عام 1974، وهي اتفاقية فصل القوات. وقد انهار هذا الاتفاق"، مشيرًا إلى أنه طلب احتلال المنطقة المحررة من الجولان السوري كـ"موقف دفاعي" (في كلمته الإنجليزية، قال إن الأمر مؤقت، ولكن في العبرية حذفت).
موقف نتنياهو "المبتهج" يحتاج إلى قليل من السياق، في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، قال نتنياهو صراحة "الربيع العربي يدفع الشرق الأوسط إلى الوراء وليس إلى الأمام"، معتبرًا أن ما يحصل "موجة إسلامية، ومعادية للغرب، ومعادية لليبرالية، ومعادية لإسرائيل ومعادية للديمقراطية"، وهذا خطاب نتنياهو الأثير طوال سنوات، سواء بموقفه من أي تغيير في المنطقة، أو لاحتكار دعاية "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". وفي خطاب بالكنيست، حينها، أظهر نتنياهو "شوقًا للعودة إلى أيام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك.. وافتقارًا تامًا إلى الاستعداد لتقديم أي تنازلات للفلسطينيين". مع قلق "عميق من عدم الاستقرار في المنطقة".
ووفق المصادر الإسرائيلية، فإنه منذ عام 2011، كان هناك نقاشات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية دارت حول "ما إذا كان الأسد هو الشر الأقل (أو الذي نعرفه)، أم ينبغي لإسرائيل أن تدفع إلى الإطاحة به، كما دعا بعض الجنرالات. وكان نتنياهو ضد أي مساعدة تدفع إلى انهياره".
ومع تدخل روسيا لقمع الثورة السورية عام 2015، توافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على أن "إسرائيل لن تفعل شيئًا لإيذاء الأسد، وفي المقابل سيكون لها حرية التصرف في سوريا ضد حزب الله والأصول الإيرانية التي لا تساعد الأسد بشكل مباشر". وطوال سنوات الثورة، لم تتدخل إسرائيل فعليًا، باستثناءات محدودة، مثل "تقديم مساعدة طبية للمناطق الحدودية مع الجولان، وتسليح محدود، والهدف منها ضمان الولاء في منطقة رخوة وحدودية". ورفض نتنياهو عشرات المرات مقترحات من قبل المؤسسة الأمنية لإلحاق الضرر بالأصول الاستراتيجية لنظام الأسد، على أساس المصلحة الإسرائيلية.
لنتذكر أيضًا، أن نتنياهو تفاوض مع الأسد، الأب والابن، على الجولان السوري المحتل، وكان أبرز هذه المفاوضات، عبر الوسط الأميركي فريدريك هوف، التي نشرت تفاصيلها في كتابه "الوصول إلى المرتفعات: القصة الخفية للمحاولة السرية للتوصل إلى سلام سوري- إسرائيلي"، مشيرًا إلى أنه ما بين صيف وخريف 2010، اكتسبت المفاوضات التي رعتها واشنطن زخمًا كبيرًا إلى الدرجة التي وصلت إلى اتفاق على إمكانية أن تقدم الولايات المتحدة مسودة معاهدة السلام إلى نظام الأسد وتل أبيب، وأن تقوم بعملية نقل النص بينهم من أجل المراجعة والتعليقات، وهي مفاوضات لم تتوقف، إلّا نتيجة انطلاق الثورة السورية، إذ فضل نتنياهو حينها "الانتظار".
وفي عام 2022، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، عن مبادرة روج لها نتنياهو، من أجل إعادة تأهيل الأسد، طرحت عام 2018، وتنطوي على عودته إلى جامعة الدول العربية وعلاقته مع العالم مقابل "خروج إيران من سوريا، باعتبارها أفضل نتيجة يمكن تحقيقها"، وهي خطة توقفت مع وصول رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إلى الحكم نفتالي بينيت، نتيجة قناعته بـ"عدم قدرة الأسد على إخراج إيران من سوريا".
أمّا استراتيجية إسرائيل تجاه نظام الأسد، التي ظهرت مرة أخرى، قبيل بداية هجوم "ردع العدوان"، الذي أدت إلى سقوط النظام، فإن نتنياهو كان يسعى إلى إيصال رسائل لبشار الأسد، عبر وسطاء، مع بداية اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان لـ"منع إمدادات الأسلحة عبر سوريا". وفي الوقت نفسه، كانت الإمارات وبالشراكة مع الولايات المتحدة، تبحث رفع عقوبات قيصر عن نظام الأسد، مقابل الابتعاد عن إيران.
ما سبق، كانت استراتيجية إسرائيل ونتنياهو، تجاه نظام الأسد، "الحفاظ على وجوده ضعيفًا"، وخلال الأيام الماضية كان قلق إسرائيل يتلخص في "احتمال وقوع الأسلحة الكيماوية في أيدي عناصر المعارضة السورية، واستغلال إيران للفوضى لفتح ممر لإعادة إمداد حزب الله في لبنان". وفي السياق، كان نتنياهو يحاول استثمار سقوط الأسد، من كافة الجوانب، إلى درجة أن وزراء الحكومة الإسرائيلية، طلبوا تأجيل شهادته التي بدأت أمام المحكمة، بسبب "الوضع في سوريا".
وقال تشاك فريليتش، نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، وزميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي، ومؤلف كتاب "عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي: استراتيجية جديدة لعصر التغيير": "بالنسبة لإسرائيل، فإن وجود دولة مستقرة ذات سيادة على طول حدودها، أي دولة يمكن ردعها، هو دائمًا أفضل من الكيانات غير الحكومية.. لقد حافظ نظام الأسد، على الأقل، على حدود هادئة لمدة خمسين عامًا، وهو ما يمكن القول بأنه العمل الإيجابي الوحيد الذي قام به"، وفق تعبيره.
بدوره، قال يائير رافيد، القائد السابق للمنطقة الشمالية في الوحدة 504 ورئيس فرع عمليات الموساد في بيروت سابقًا: "التغيير الواضح في سوريا، ليس بالضرورة خبرًا جيدًا لدولة إسرائيل. لقد كان الأسد عدوًا مريرًا وعنيدًا، لكنه مع ذلك كان زعيمًا متزنًا ومنطقيًا، كما يتضح من السنوات العديدة التي أبقى فيها حدوده معنا هادئة". وحول المستقبل، تابع: "ليست كل تنظيمات المتمردين تعتبر إسرائيل هدفًا، ولكن يجب ألا نقع في وهم أن لدينا أصدقاء هناك. يجب على إسرائيل أن تستعد بسرعة لتحويل حدود الجولان إلى منطقة حرب نشطة، وتعزيز الاستعداد العسكري بشكل كبير وخاصة الاستعداد الاستخباراتي، وحذف عبارة ’العدو مردوع’ من المعجم".
صدمة إسرائيل مع المصدومين
وفق مسؤول أمني إسرائيلي سابق، مطلع على مناقشات الحكومة الإسرائيلية، فإن "الحكومة الإسرائيلية لا تزال تحاول جاهدة فهم العواقب المترتبة على سقوط الأسد المذهل من السلطة". فيما قال شخص آخر مطلع على مناقشات مجلس الوزراء الإسرائيلي لـ"الواشنطن بوست"، "إنهم يحاولون اكتشاف الأمر أثناء التحرك؛ لأنه لا يوجد دليل".
وقلل أحد المراقبين المخضرمين للشأن السوري في مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي، كما وصفته صحيفة "الإيكونوميست"، من سلوك نتنياهو في الطيران سريعًا إلى الجولان المحتل واحتلال مزيد من الأراضي، قائلًا: "جنرالاتنا ما زالوا مصدومين من الفشل في توقع هجوم حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ونتنياهو يحاول أن يتدخل في الموقف لصرف الانتباه عن قضاياه الشخصية [محاكم الفساد]".
كانت بداية الالتفات الإسرائيلي للهجوم الأخير على نظام الأسد، في يوم 1 كانون الأول/ديسمبر، إذ أجرى نتنياهو نقاشات أمنية مع عدد من الوزراء وقادة الجيش والاستخبارات، وبعدها خرج نتنياهو في تصريحات، قائلًا: "نحن نتابع باستمرار ما يحدث في سوريا. نحن مصممون على حماية المصالح الحيوية لدولة إسرائيل والحفاظ على إنجازات الحرب"، وقبلها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، كان نتنياهو يطالب رئيس النظام الهارب بشار الأسد، بالابتعاد عن إيران.
وعلى مدار الأيام اللاحقة، كانت سوريا تأخذ حصة من النقاش الإسرائيلي في جلسات الكابنيت، التي لم تتحول إلى جلسات جدية ومتتابعة، إلّا في 5 كانون الأول/ديسمبر، إذ أشارت المصادر الإسرائيلية إلى "وجود مؤشرات على تفكك محتمل لجيش الأسد ومخاوف على استقرار النظام".
بالتزامن مع هذه الأنباء، كان الجيش الإسرائيلي "يحدث خططه العسكرية"، ويراقب "الوضع عن كثب وبحاجة إلى إجراء تقييم للوضع حرفيًا كل بضع ساعات"، كما قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي هرتسي هليفي، الذي تحدث عن خطط "هجومية ودفاعية"، في يوم 7 كانون الأول/ديسمبر 2024.
ووفق مقال نُشر في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، يوم 6 كانون الأول/ديسمبر، قال المعلق العسكري في الصحيفة إن "إسرائيل لا ترى أن الوضع في سوريا يشكل خطرًا مباشرًا، وهي راضية تمامًا عن الإحراج الذي تشعر به إيران. ولكن في الأمد البعيد، هناك أدلة على وجود خطر متنامٍ هنا، في مرتفعات الجولان وفي وقت لاحق على الحدود مع الأردن". وأضاف: "رد الفعل الإسرائيلي متحفظ إلى حد كبير، ويمكن وصفه بالمراقبة الحذرة للتطورات".
وفي مقالة أخرى، لمعلق "هآرتس" للشؤون العسكرية، أشار إلى أن الوضع الذي حصل في سوريا بعد عام 2018، كان مواتيًا لإسرائيل، التي كانت "تجد حرية في العمل داخل سوريا"، وقال: "بدا أن حكم الأسد الضعيف استمر بشكل أساسي؛ لأن إزاحته لم تعد موضع اهتمام جيرانه ومنافسيه. وكان هذا الوضع ملائمًا لإسرائيل. فقد هاجمت قواتها الجوية قوافل الأسلحة في طريقها من إيران إلى حزب الله في لبنان دون أي تدخل، كما ضربت بين الحين والآخر قواعد ومنشآت مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني".
أمّا عن تقدير إسرائيل، للتحرك، أوضح: "فوجئت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، التي لا تولي اهتمامًا كبيرًا للمعارضة السورية، حيث تركز معظم مواردها على إيران وحزب الله والفلسطينيين (وخاصة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر). بل إن الاستخبارات العسكرية، التي تنتشر تقييماتها على نطاق واسع داخل الجيش الإسرائيلي، تحدثت مؤخرًا عن اتجاه نحو التعافي في جيش النظام". وحول التقييم الاستخباري الإسرائيلي، أوضح: "حتى بعد دخول المعارضة إلى حلب، توقع الضباط أن هناك فرصًا ضئيلة لنجاح التمرد".
وقبيل سقوط نظام الأسد، رتب المعلق العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، رون بن يشاي، "التهديدات تجاه إسرائيل"، وكان الأول "سقوط أسلحة استراتيجية في يد المعارضة"، والثاني "ينبع من ضعف جيش النظام السوري، وعجز روسيا عن الدفاع عن نظام الأسد كما دافعت عنه عام 2015". أمّا التهديد الثالث يرتبط في انهيار سوريا وظهور "جيش إرهابي هناك هدفه العمل ضد إسرائيل"، وفق قوله.
وبحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن دائرة الأبحاث التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، طرحت تقديرات سرية للوضع أمام قيادة الجيش الإسرائيلي، وأشارت إلى مؤشرات لتحركات في منطقة المعارضة المسلحة، "لكن لم تكن في إسرائيل أي معلومة حول عزم المتمردين شن هجوم مفاجئ ضد الأسد، وبالطبع ليس بسرعة وحجم حدوثه".
وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إلى أن "أمان" وكذلك الموساد "لم يرصدا أي أمر كهذا في الأفق. وعمليًا، إسرائيل وضعت مفهومًا كاملًا يستند إلى أن الأسد مستقر، وأن الدعم الروسي له قوي وأن ’يجري ترميم الجيش السوري’، وهذا كان تقدير ’أمان’ حتى الأيام الأخيرة". وأضافت الصحيفة، أن إسرائيل كانت تعتزم دمج روسيا في اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، الذي خرج إلى حيز التنفيذ في اليوم نفسه، الذي بدأ فيه هجوم المعارضة المسلحة، وذلك مقابل وقف تسليح حزب الله عبر سوريا. وذكرت الصحيفة، أن هذا التوجه الإسرائيلي "استند إلى مجموعة فرضيات، وصلت من خلال معلومات يفترض أنها مؤكدة، بأنه يوجد جمود في سوريا وأن الأسد أصبح أكثر شرعية، وأقوى أيضًا"، وفق ما ورد.
بدوره، قال المعلق العسكري في القناة الـ13 الإسرائيلية، آلون بن دافيد، إن "الطموح الإسرائيلي هو استمرار حكم الأسد الضعيف وإبعاده عن المحور الإيراني". مضيفًا: "حتى الآن لم يكن هناك أي نقاش على المستوى الاستراتيجي يحدد أهداف إسرائيل في الوضع الجديد في سوريا".
وفي السياق نفسه، كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، عن برنامج "الضربات العشر على المحور"، الذي أطلقته إسرائيل ضد حزب الله وإيران، والذي تضمن صفقة مع نظام الأسد، إذ أوضح الصحفي الإسرائيلي رونين بيرغمان، أن البرنامج الذي انطوى على تفجيرات البيجر واغتيال فؤاد شكر وقيادة قوة الرضوان والأمين العام لحزب الله وهاشم صفي الدين وحملة القصف الجوي الواسع على جنوب لبنان، بالإضافة إلى العملية البرية وضربة تجاه إيران، ينتهي بـ"عقد صفقة مع الأسد، لإقناعه بأنه يجب أن يدير ظهره لإيران وحزب الله، ويُقبل الأسد، باعتباره الشيطان الذي نعرفه، ويُعترف بنظامه الدكتاتوري، طالما أنه يضمن عدم تهريب الأسلحة إلى لبنان".
وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، فقد قدم مستشار استراتيجي لأحد رؤساء مجتمع الاستخبارات الخطة، وقال بعدما استعرض سلسلة الخطوات السابقة: "سنقدم، أي إسرائيل، ستقدم للأسد عرضًا لا يمكنه رفضه، الانضمام إلى الغرب وطرد الإيرانيين وحزب الله، الذي سيكون بالفعل قوة ضعيفة، مقابل إعادة الشرعية الدولية والأمن من الدول للنظام".
وفي مقالة نُشرت في صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، تحت عنوان "إسقاط نظام الأسد في سوريا قد يكون خبرًا سيئًا لإسرائيل"، قال مراسل الشؤون الدبلوماسية هيرب كينون، إن "إضعاف النظام السوري تحت حكم الأسد يصب في مصلحة إسرائيل. ولكن هنا تكمن المشكلة: إن إسرائيل ترغب في إضعاف الأسد، ولكن ليس إلى حد مبالغ فيه، وليس إسقاطه". مضيفًا: "إسرائيل، بشكل عام، تحب القدرة على التنبؤ، والأسد في سوريا يوفر ذلك. ورغم أن الأسد ليس صديقًا، فإن إسرائيل على الأقل تعرف ماذا تتوقع منه، ما يمكنه وما لا يمكنه فعله، وما سيفعله وما لن يفعله. والواقع أن أي حاكم جديد في دمشق سوف يكون غير قابل للتنبؤ".
ماذا تفعل إسرائيل الآن؟
نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي، واحدة من أكبر "العمليات الهجومية" في تاريخ سلاح جو الاحتلال، كما قال مصدر أمني إسرائيلي لإذاعة الجيش الإسرائيلي. وبعد يومين من الغارات العنيفة على سوريا، قال مصدر عسكري لإذاعة الجيش الإسرائيلي: "تم استكمال المرحلة الأولى من عملية الهجوم على الجيش في سوريا بتدمير 70 إلى 80% من قدراته"، مشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي ينفذ عملية "سهم باشان"، موضحًا: "أقلعت نحو 350 طائرة حربية في طلعات متكررة في عموم سوريا، هاجمت فيها 500 هدف استراتيجي من دمشق إلى طرطوس وذلك تفاديًا لسقوطها على يد عناصر معادية"، كما ورد.
وذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم"، أن خطة الهجوم على مقدرات سوريا العسكرية، كانت قد وضعت في الجيش الإسرائيلي منذ عام 2011، وللمفارقة، فإنها لم تنفذ طوال حكم نظام الأسد، وأشارت إلى أن اسم العملية الهجومية الواسعة التي قام بها الجيش الإسرائيلي في مناطق سوريا، هو "سهم باشان" (بَاشَان هي أرض مملكة الأموريين في أرض كنعان واقعة جنوب سوريا وشرقي الأردن بين جبلي الشيخ وجلعاد، وذكرت في العهد القديم، وهي المنطقة المستهدفة في العملية البرية).
وبحسب صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أوصى كبار مسؤولي الجيش الإسرائيلي، مجلس الوزراء في تنفيذ العملية الهجومية، البرية والجوية، وهو ما وافق عليه وزراء الحكومة الإسرائيلية بالإجماع. وبحسب مصدر سياسي، أبلغت إسرائيل إدارة بايدن في هجمات الجيش الإسرائيلي. وقال مصدر سياسي إسرائيلي: "نحن على اتصال مع الأميركيين، كان هناك تحديث وقمنا أيضًا بتفصيل الخطة ومعناها. الأميركيون يعرفون بالضبط ما فعلناه في سوريا، ولا يجادلون فيما فعلناه".
جيش الاحتلال الإسرائيلي يتوغل داخل ثلاث قرى في ريفي #القنيطرة و #درعا على عمق 4 كيلومترات داخل الأراضي السورية.. آخر التطورات الميدانية يرصدها مراسل التلفزيون العربي قحطان مصطفى pic.twitter.com/3K8277hkTP
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) December 19, 2024
واعتبر المسؤول السياسي أن الهجوم يهدف إلى تجنب "المفاجآت على هذه الجبهة". ويظهر أن الغارات الإسرائيلية على سوريا، تتجاوز مجرد "التنسيق" مع الولايات المتحدة، إذ قال مسؤول أميركي إن "الولايات المتحدة تعمل مع عدة دول أخرى في الشرق الأوسط لمنع وقوع الأسلحة الكيميائية التي يمتلكها نظام الأسد في الأيدي الخطأ".
فيما قال مسؤول إسرائيلي لـ"أكسيوس": "تقع على عاتقنا مسؤولية التأكد من عدم وقوع أنظمة الأسلحة الاستراتيجية في الأيدي الخطأ". وسط تواصل رسمي على مستوى وزير الأمن الإسرائيلي ووزير الدفاع الأميركي. وتصريح نتنياهو، بعد لقاء مع مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، وقوله، إن "إسرائيل ستفعل كل ما بوسعها لحماية أمنها من أي تهديد، وبالتالي أمرت الجيش الإسرائيلي بالسيطرة مؤقتًا على المنطقة العازلة في سوريا، حتى يتم إنشاء قوة فعالة لفرض اتفاق فصل القوات لعام 1974". مضيفًا: "إسرائيل ستفعل كل ما هو ضروري لحماية أمنها من أي تهديد"، ووفق البيان الإسرائيلي: "أثار رئيس الوزراء خلال اللقاء [مع سوليفان] ضرورة مساعدة الأقليات في سوريا، ومنع النشاط الإرهابي من الأراضي السورية ضد إسرائيل"، وفق ما ورد.
وحتى الآن، دمرت الغارات الإسرائيلية، غالبية بطاريات الدفاع الجوي، واستهدفت المطارات العسكرية في سوريا، ودمرت معظم سلاح الجو السوري، ومخازن صواريخ أرض-أرض، بهدف "توسيع نطاق حرية العمليات لسلاح الجو الإسرائيلي في سوريا"، ووصلت الغارات إلى قاعدة القامشلي الجوية، وقاعدة شنشار في ريف حمص، ومطار عقربا والمزة جنوب غربي العاصمة دمشق، بالإضافة إلى تدمير مركز البحوث العلمية، ومركز الحرب الإلكترونية في دمشق. ووصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية، الغارات المستمرة على سوريا، بأنها "أحد أهم الأيام بالنسبة لسلاح الجو الإسرائيلي". ونقلت هيئة البث الإسرائيلية، عن الجيش الإسرائيلي، قوله: "دمرنا 85% من القدرات الدفاعية الجوية السورية"، مضيفًا: "تدمير القدرات الدفاعية الجوية السورية يجعل مسار طائراتنا الحربية أكثر أمانا ويفتح فرصة للتعامل مع النووي الإيراني"، وفق ما ورد.
ومن بين ما ينفذه الجيش الإسرائيلي في المناطق الحدودية، مشروع "الشرق الجديد"، الذي يقوم على حفر خندق طويل وعميق، بالإضافة إلى تجديد حقول الألغام في المنطقة ونشر العبوات الناسفة، بهدف منع تكرار عملية شبيهة بما حصل في هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي، أن جيش الاحتلال يستعد لبقاء طويل الأمد في الأراضي السورية التي احتلها في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد وانسحاب الجيش من مواقعه العسكرية في المنطقة العازلة ومنطقة فض الاشتباك في الجولان السوري المحتل.
وكان اللافت، تنفيذ سلاح البحرية الإسرائيلية، هجمات واسعة النطاق على الأسطول البحري السوري، في ميناء البيضا وميناء اللاذقية. وبعد هذه الضربات، وصل وزير الأمن الإسرائيلي كاتس، إلى قاعدة بحرية بالقرب من حيفا، وقال: "عمل الجيش الإسرائيلي في سوريا خلال الأيام القليلة الماضية على تدمير القدرات الاستراتيجية التي تهدد دولة إسرائيل".
وفي سياق تبرير الضربات، قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر: "ما يرشدنا هو أمن دولة إسرائيل ومواطنيها. لذلك، هاجمنا منصات الأسلحة الاستراتيجية، والقدرات المتبقية للأسلحة الكيميائية، والصواريخ بعيدة المدى والصواريخ، حتى لا تقع في أيدي العناصر المتطرفة"، وفق قوله.
ووفق مراسل القناة الـ12 الإسرائيلية للشؤون العسكرية، فإن "هدف الجيش الإسرائيلي هو تدمير كل ما تبقى من الجيش؛ لضمان عدم قدرة الأجيال القادمة على استعادة هذه القوة وتشكيل تهديد لإسرائيل"، مشيرًا إلى أن "تفكيك القدرات العسكرية المتبقية للجيش يضمن عمليات إعادة تأهيل طويلة جدًا لأولئك الذين سيتولون زمام الأمور في سوريا في نهاية المطاف".
إسرائيليون يطالبون بالاستيطان في الجنوب اللبناني والجيش الإسرائيلي يقر باجتياز إسرائيليين الحدود مع لبنان.. التفاصيل مع مراسل التلفزيون العربي أحمد دراوشة@AhDarawsha pic.twitter.com/z9Y5Q46Vf8
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) December 18, 2024
وبحسب صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، فإن "الجيش الإسرائيلي يعتقد بأن تدمير أنظمة الدفاع الجوي السورية قد يساعد في تسهيل توجيه ضربة مستقبلية للمنشآت النووية الإيرانية". مضيفةً: "تشير تقديرات الجيش الإسرائيلي إلى أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة ألحقت أضرارًا بمعظم أنظمة الدفاع الجوي، بما في ذلك الصواريخ أرض-جو، مما أدى إلى إنشاء ممر جوي مباشر وخالٍ من التهديدات إلى إيران". أمّا ما يتضح، وفق التحليلات الإسرائيلية، فإن الهجوم هو "خطوة استباقية"، تسعى مبدئيًا إلى منع وجود فصائل المعارضة السورية على مناطق السلك الحدودي، بالإضافة إلى منح أهمية "كبيرة" لتدمير المقدرات السورية، على صعيد الدفاع الجوي.
الجانب الأبعد وربما الأخطر، كان على الأرض، مع تقدم الجيش الإسرائيلي داخل المنطقة العازلة المتواجدة كلها في سوريا، إذ طلب وزير الأمن الإسرائيلي، تكثيف نشاط الجيش الإسرائيلي على طول الحدود السورية، في أعقاب احتلال الجيش السوري لجبل الشيخ. ووفق المصادر الإسرائيلية، فقد صدرت توجيهات للقوات الإسرائيلية بإنشاء منطقة أمنية خارج المنطقة العازلة "مع تعزيز العلاقات مع السكان المحليين، بما في ذلك ’المجتمع الدرزي’ [كما وردت]، لتعزيز الاستقرار في المنطقة"، وفق ما ورد.
وعلى الأرض، يسعى جيش الاحتلال الإسرائيلي، إلى تهجير سكان المناطق التي احتلها في سوريا، ويضغط عليهم بشكلٍ مستمر لدفعهم للخروج من المنطقة. بينما قال وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس: "أوعزت للجيش الاستعداد للبقاء في قمة جبل الشيخ طوال أشهر الشتاء"، مضيفًا: "الأحوال الجوية القاسية تتطلب تركيب أجهزة مناسبة واستعدادات خاصة لبقاء الجنود في قمة جبل الشيخ".
وحول التحرك في هذا الوقت، قال الباحث في مركز موشيه ديان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية في جامعة تل أبيب، جويل باركر: "على مدى عقود من الزمن، اعتبرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الحدود مع سوريا هي الأكثر هدوءًا وارتباطًا وثيقًا بنظام الأسد. الأسد هو الشيطان الذي تعرفه إسرائيل، ولكن في الوقت نفسه، ومع الالتزام الفعلي بعدم الاعتداء على سوريا، شاهدت إسرائيل أنها تبني قدرات عسكرية، بما في ذلك تطوير الأسلحة الكيميائية، إلى مستويات كانت أبعد بكثير من المستوى الذي تم تحديده عند إنشاء خط الهدنة".
وقبل حوالي شهر، أسس الجيش الإسرائيلي، وحدة خاصة مسؤولة عن حراسة مرتفعات الجولان المحتلة، كانت تنشط في الضفة الغربية، وعرفت عنها تنفيذ عشرات الاعتداءات، ويطلق على الوحدة "كتيبة استطلاع جولان". ووصف جيش الاحتلال، أن "البقاء" في المنطقة العازلة في سوريا وجبل الشيخ، أمر "استراتيجي طالما كان ذلك ضروريًا". والخطة التي تهدف إلى زيادة المنطقة العازلة وحفر الخنادق، أعدت مسبقًا أيضًا. وأشارت المصادر الإسرائيلية، إلى أنه خلال سنوات قمع النظام للثورة السورية "غضت إسرائيل الطرف عن وصول قواته المدرعة، إلى المنطقة المتاخمة للحدود، بما في ذلك إلى قرى خان أرنبة، من أجل محاولة السماح لجيش النظام بمحاربة المتمردين".
واعتبرت مقالات وتقديرات إسرائيلية عدة، الوجود في جبل الشيخ، أمرًا هامًا للجيش الإسرائيلي ووصف بـ"عيون الدولة" والنقطة الأكثر استراتيجية من بين النقاط "التي يعمل فيها الجيش الإسرائيلي". مع وجود تقديرات، إسرائيلية عدة بأن الاحتلال الدائم والطويل للمنطقة، يحتاج إلى قدرات إضافية، ليست موجودة حاليًا لدى جيش الاحتلال. وتشير المصادر الإسرائيلية، إلى أن الجيش الإسرائيلي، توقف عن التدريب على احتلال المواقع السورية على الحدود، في بداية القرن الحالي.
وقال آفي ديختر، الوزير الإسرائيلي وعضو مجلس الوزراء الأمني، إن الهدف من التوغل هو "إثبات الحقائق على الأرض". فيما قال شخص مطلع على مناقشات مجلس الوزراء، إن مسؤولين إسرائيليين ناقشوا العمليات مع نظرائهم الأميركيين في غضون ساعات من الإطاحة بالأسد.
وقال مسؤولون أميركيون لصحيفة "الواشنطن بوست"، إن واشنطن منحت موافقتها منذ سنوات على حرية إسرائيل في العمل في سوريا، بما في ذلك "شن غارات جوية، كإجراء للدفاع عن النفس، وإنها تمتد إلى الوقت الحاضر". وأكد المسؤولون أن إسرائيل لم تحتاج إلى موافقة الولايات المتحدة أو تطلب مساعدتها في عملياتها في سوريا منذ سقوط الأسد. وبالمناسبة، أوروبا اتخذت "موقفًا متفهمًا لتحرك تل أبيب في سوريا، بداية. ولاحقًا تحول ليكون أكثر انتقادية"، بحسب صحيفة "هآرتس".
قال الشخص المطلع على مناقشات مجلس الوزراء: "كانت الحاجة إلى اتخاذ إجراء بشأن المنطقة العازلة واضحة منذ اليوم الأول". وأضاف: "لم يكن أحد يريد أن يرى المتمردين على جبل الشيخ ينظرون إلى إسرائيل"، وفق ما ورد في "الواشنطن بوست".
وقالت مصادر للتلفزيون العربي: إن "الجيش الإسرائيلي طالب شركات مقاولات بتقديم عروض بناء مواقع عسكرية في مناطق توغله بالجولان السوري"، مضيفةً: "توجه الجيش الإسرائيلي إلى شركات البناء جاء بعد تعليمات من كاتس للبقاء في سوريا خلال أشهر الشتاء".
ودخل رئيس الوزراء الإسرائيلي، في يوم 17 كانون الأول/ديسمبر، إلى المنطقة المحتلة من الجولان وجبل الشيخ، وقال نتنياهو إن القوات الإسرائيلية ستبقى على الجبل "حتى يتم التوصل إلى ترتيب آخر يضمن أمن إسرائيل". فيما أشار مكتب وزير الأمن الإسرائيلي إلى أنه من المنوي أن تُستكمل بناء التحصينات والترتيبات اللازمة للجنود "للاستعداد بشكل كامل لاحتمال وجود ممتد في الموقع". وبحسب صحيفة "هآرتس"، أعرب مسؤولون عسكريون إسرائيليون كبار عن "قلقهم من أن تصريحات أعضاء الحكومة التي تقول إن من المتوقع أن تبقى إسرائيل في سوريا وقطاع غزة لفترة طويلة قد تضر بالشرعية الدولية لإسرائيل للعمل في تلك المناطق"، وفق ما ورد.
بالطبع، مثل أي احتلال أو توسع إسرائيلي جديد، فإن الأمر "يدغدغ" أحلام جماعات استيطانية عدة، كانت تطمح للاستيطان في غزة، وطرحت ذلك في جنوب لبنان، والآن تقدم دعوة مشابهة في المناطق المحتلة حديثًا من سوريا. يشار إلى أن الحكومة الإسرائيلية، قررت تعزيز و"تنمية" الاستيطان في الجولان المحتل، خلال الأيام الأخيرة.
"الاحتلال أخرجنا من بيوتنا وما ظل عندنا شيء بعد".. سوريون من قرى في ريف #القنيطرة يتحدثون للتلفزيون العربي عن إخراجهم من منازلهم بالقوة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي#سوريا pic.twitter.com/oCwIFE3hpu
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) December 17, 2024
الكرد والموحدين الدروز.. إسرائيل تبحث عن مصالحها
التصريح الإسرائيلي الوحيد تجاه سوريا وقبل فرار الأسد، الذي صدر عن تل أبيب، ويظهر انحيازًا، جاء في صحيفة "يسرائيل هيوم"، ونسب إلى مسؤول كبير، قال فيه إنه "على الرغم من أن إسرائيل تتجنب التدخل المباشر فيما يجري في البلاد، في الاختيار بين استمرار حكم الأسد وانتصار المتمردين، فإن الخيار الثاني أفضل بالنسبة لنا".
وتابع المصدر الإسرائيلي: "المصلحة الإسرائيلية العليا هي كسر المحور الإيراني الذي يشكل الأسد جزءًا منه. وهذا على الرغم من حقيقة أن المتمردين الجهاديين معادون لإسرائيل كما هم للإيرانيين". أمّا عن التقدير الإسرائيلي، فقد قال: "السيناريو الأكثر ترجيحًا هو عدم التوصل إلى نهاية كاملة، فيستمر الأسد في حكم جزء من سوريا والثوار في أجزاء أخرى"، وفق ما ورد.
والتصريح ربما يشي بكونه جاء من وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الذي ذكر الكرد في خطابات عدة، وقال: "تعمل إسرائيل بالفعل على منع وقوع مخزونات الأسلحة التابعة للجيش السوري في أيدي المتمردين، خوفًا من استخدامها ضدها في المستقبل. كما ستستمر في إحباط شحنات الأسلحة الإيرانية الكبيرة إلى نظام الأسد. بالإضافة إلى ذلك، تعتزم إسرائيل حماية حلفائها في المنطقة، مع التركيز على الدروز في جبال الدروز والأكراد الذين يخشون انتقام الأتراك الذين يدعمون المتمردين"، وفق تعبيره.
وختم التصريح، بالقول: "الحفاظ على الاستقرار في الأردن هو مصلحة عليا، وإسرائيل تعتزم استخدام القوة إذا حاول المتمردون أو الميليشيات الإيرانية تقويض الحكم"، والنقطة الأخيرة ظهرت في عدة تحليلات إسرائيلية بشكل لافت.
وقبيل سقوط نظام الأسد، نقلت هيئة البث الإسرائيلية، عن مصادر إسرائيلية، أن تل أبيب، تقييم حوارات أولية مع "قوات سوريا الديمقراطية".
وكانت "مغازلة" إسرائيل للطوائف والقوميات المنتشرة في المنطقة، فكرة حاضرةً بشكلٍ متكرر، وظهرت مع تأسيس الدولة الإسرائيلية، وحاولت الذهاب فيها إلى خطوات جدية في لبنان، إذ حملت مشروعها للتقسيم على الدبابات الإسرائيلية، خلال غزو البلاد، ولا يبدو هذا السلوك بعيدًا عما تفكر فيه الآن، إذ أنها تتوغل في أراضٍ سورية، دون غياب هذه الفكرة.
ومن أول التصريحات الإسرائيلية، حول سقوط نظام الأسد، قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، إن "إسرائيل تجري محادثات مع المتمردين الأكراد الذين يسيطرون على شمال شرق سوريا، والدروز". يشار إلى أن ساعر ذكر في خطابه عند تولي مسؤولية وزارة الخارجية الإسرائيلية، "الكرد والتواصل الإسرائيلي معهم، ضمن ما يراه تحالفًا للأقليات في المنطقة، التي ترى إسرائيل نفسها فيها أيضًا أقلية".
وبينما ترى، تحليلات إسرائيلية عدة، أن محاولة "نسج" علاقة معززة مع الكرد في سوريا، قد يضيف طبقة من التوتر مع تركيا، في "خطوة محفوفة بالمخاطر"، خاصةً في كون سوريا، قد تصبح "ساحة للصراع الإقليمي أو الدولي في هذه الفترة". إذ قال إيتمار رابينوفيتش، السفير الإسرائيلي السابق الذي قاد محادثات خلف الكواليس مع سوريا في تسعينيات القرن العشرين: "إذا شكلت إسرائيل شراكة مع الأكراد السوريين، الذين تعتبرهم تركيا تهديدًا، فإن هذا من شأنه أن يحول تركيا إلى عدو حقيقي. والربح لا يبرر المخاطرة". الأهم أن خرائط السيطرة الميدانية غير ثابتة في هذه الأثناء، مع خسارة قوات سوريا الديمقراطية السيطرة على دير الزور.
على جانب آخر، تسعى إسرائيل إلى خلق علاقة مع الموحدين الدروز في سوريا، تحت مزاعم "الحماية" والتعاون، وتعمل على عكس ذلك عبر توغلها واحتلالها قرية حضر تحديدًا.
بيان الهيئة الروحية والزمنية في قرية حضر، الجولان السوري، اليوم ١٣.١٢.٢٠٢٤: pic.twitter.com/kcgowaBkl0
— آرام (@aramshakib2) December 13, 2024
وفي أعقاب سقوط الأسد، كُشف عن لقاء رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية شلومي بيندر مع الرئيس الروحي للطائفة الدرزية موفق طريف. وقيل في البيان الإسرائيلي أن بيندر "بحث مع طريف تطورات المشهد في سوريا وتأثيراتها على الطائفة الدرزية". مضيفًا: "أكد رئيس هيئة الاستخبارات الالتزام العميق بين جيش الدفاع وهيئة الاستخبارات وبين الطائفة الدرزية التي تساهم بشكل حاسم في مجالات حساسة وحيوية في جيش الدفاع عامة وفي هيئة الاستخبارات خاصة". وتابع: "شكر بيندر الشيخ [طريف] على دوره المهم في بناء جسور مع المجتمع الدرزي في سوريا"، وفق زعمه. وجاء لقاء بيندر مع طريف، بعد عودته من زيارة إلى الإمارات. كما قابل طريف رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو، لكنه رفض التعقيب على اللقاء.
لا تظهر إسرائيل كثيرًا من القلق على المكونات المتعددة في المنطقة، أو "الأقليات" كما تصفها، وتظهر التجارب التاريخية تخليًا متكررًا عنها بعد التحالف معها. وما تريده إسرائيل فعلًا، البحث عن مدخل للنفوذ عبر علاقات مع المكونات المتعددة في سوريا، بينما يُنظر لسوريا الآن في إسرائيل، باعتبارها ساحة "صراع إقليمي"، فإن تل أبيب تحاول إيجاد موازنة عبر هذا النفوذ، أو نقاط قوة في مواجهة دول أخرى، مثل تركيا. وفي جانب آخر، ترى إمكانية الحصول على موقع نفوذ استراتيجي، نظرًا لتوزع المكونات التي تظهر في الخطاب الإسرائيلي في مناطق متعددة من سوريا.
نقاط أخيرة
إسرائيل دولة مدمنة على الوضع الراهن، أو هذا ما كانت عليه حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر، إذ كسر الوضع الراهن، وكسرت عدة مسلمات في فهم إسرائيل، أو ما كان يعتقد أنها كانت كذلك. وحتى ما كان من ثوابت نتنياهو، في انعدام رغبته بالحروب الطويلة، وعدم رغبته في تغيير الواقع كثيرًا.
كانت إسرائيل، مصدومة مع من صدموا بفرار الأسد السريع، وهو ما كسر "الوضع الراهن المعتاد"، الذي كانت تتعامل معه وفق "ما يقول الكتاب"، وتمتلك دليلًا للتعامل معه، وبينما لم تصل إلى استراتيجية واضحة تجاه سوريا، رأت تحليلات عدة أن ما يحصل يحمل "مخاطر وفرص"، أمنية وسياسية، بما يتجاوز سوريا نفسها، وصولًا إلى القلق من إمكانية تنشيط مشروع إيران النووي (هناك أصوات تدعو للهجوم على إيران في إسرائيل الآن)، والتجاوب الإسرائيلي الأول، كان أمنيًا، كما هو معهود، في عملية قصف كبيرة وواسعة واحتلال المزيد من المناطق السورية.
وفق التقديرات، لا ترى إسرائيل القدرة على التأثير في الأحداث داخل سوريا، لكن التحليلات، تذكر مرارًا بـ"الشرق الأوسط الجديد" (الذي صار كلمة نتنياهو الأثيرة)، وهو على عكس ما تخيلته إسرائيل سابقًا، أي قبل حوالي 30 عامًا، فهو "منطقة أكثر فوضى"، ولم تندمج إسرائيل أو تطبع نفسها فيه بعد. وحال استمرار ما وصف بـ"الفوضى"، قال مستشرق إسرائيلي: "ليس من المستحيل أن نحزن على رحيل الأسد الابن".
أمّا تخوفات إسرائيل فهي عدة، فهناك خشية من مرحلة وصول ترامب إلى الحكم، وتحديدًا من نهجه "الانعزالي" الذي قد يتراجع عن الانخراط في سوريا، إذ ترغب تل أبيب في حضور أميركي في هذا الوقت، ويرغب نتنياهو في أن يظل ترامب منخرطًا في الشرق الأوسط بشكل عام، بما في ذلك سوريا.
كما تقلق إسرائيل من الإقليم، أو تخشى تعميم النموذج السوري، بإسقاط نظام الحكم في دولة أخرى محيطة في إسرائيل. وهذا وصل، في مبالغة إلى حد أمر وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الجيش الإسرائيلي بزيادة الاستعدادات للدفاع عن مستوطنات الضفة الغربية، نتيجة الخشية من تكرار هجوم على غرار ما حصل في سوريا، بالضفة الغربية.
في مقالة لرئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، يذكر في قول نتنياهو في محكمة الفساد الخاصة به: "لقد حدث شيء تكتوني هنا، زلزال لم يحدث منذ مائة عام منذ اتفاقية سايكس بيكو". ويعقب على ذلك: "الإشارة لم تكن تهدف إلى تعليم درس في التاريخ للقضاة في محكمة منطقة تل أبيب. إن نتنياهو يلمح ضمنًا إلى أن اتفاقيات الحدود القائمة على سايكس بيكو ماتت ودُفنت. ويبدو أن رئيس الوزراء يسعى إلى ترك إرث باعتباره الزعيم الذي وسع حدود إسرائيل بعد خمسين عامًا من التراجع. وهناك دعم متحمس من جانب اليمين لفكرة أن العقوبة المناسبة لأعداء إسرائيل هي خسارة الأراضي".
وأضاف: "يريد نتنياهو أن يتذكره الناس باعتباره الشخص الذي أنشأ إسرائيل الكبرى، وليس مجرد مخطط سياسي متهم بالفساد تخلى عن 100 رهينة في غزة . ولهذا السبب سيحاول ترسيخ السيطرة الإسرائيلية في شمال غزة. ولهذا السبب لن يسارع إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة حديثًا في الجولان. وفي ظل ظروف معينة، قد يوسعها". ولعل هذه القضية، هي الأبرز في عدوان إسرائيل على سوريا، الاحتلال الذي قد يطول لأرض جديدة.
وفي التفكير الإسرائيلي حاليًا، فإن المناطق المحتلة حديثًا من سوريا، ستبقى تحت الاحتلال إلى وقت غير محدد، قد تكون فرصة لـ"مقايضة"، أو ورقة ابتزاز، أو فتح باب للحوار، وفي تصريح لنتنياهو، قال: "الهدف من الهجوم الواسع النطاق على القدرات العسكرية الاستراتيجية في سوريا هو منع وصول الأسلحة إلى الجهاديين. نريد علاقات سليمة مع النظام الجديد في سوريا، لكن إذا سمح هذا النظام لإيران بالتواجد في سوريا ونقل الأسلحة فإن هذا النظام سيدفع ثمنًا باهظًا". ولعل هذا التصريح يوجز الكثير، من تصور نتنياهو، فهو لم يتحدث عن اتفاق تطبيع، بل أشار إلى علاقة "سليمة"، ويخشى من المجهول في سياسة السلطة الجديدة في دمشق، ولكن الإشارة إلى إيران، تبدو غير مفهومة أو ضمن بحث نتنياهو عن الحصول على ضمانات ما، أو ببساطة فإن الهدف هو الاستمرار في احتلال مناطق جديدة من سوريا، بالتزامن مع نيته تعزيز الاستيطان في الجولان، الذي ذكره في خطاباته الأولى، بالقول إنه "سيبقى جزءًا من إسرائيل للأبد". وفي جانب رمزي، فإن نتنياهو كان يحاول تقديم صورة "النصر الكامل"، الذي يتحدث عنه منذ أكثر من عام، لكنه تحت هذه الصورة، فإن الجيش الإسرائيلي ينفذ خطوات فعلية على الأرض.
المفارقة الأخيرة، كانت في سلوك إسرائيل العسكري، بالتزامن مع نهاية نظام الأسد، فإن الطائرات الإسرائيلية كانت تتجهز لتنفيذ ضربات، لم تكن تحتاجها طوال غالبية سنوات حكم الأسد لسوريا، لكنها صارت ضرورة مع نهايته، خشية من "المجهول" رغم سنوات من بلاغة ورطانة "الممانعة والمقاومة" التي اختفى تحتها الأسد، مجازًا لسنوات (معظم الغارات الإسرائيلية ضمن ما عرف بـ’المعركة بين الحروب’ استهدفت الوجود الإيراني في سوريا، وباستثناءات ارتبطت في بطاريات الدفاع الجوي التابعة للنظام). وفي ظل ذلك، احتاجت إسرائيل إلى إعلان حرب على سوريا ما بعد الأسد، إذ قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هليفي، في اليوم التالي لفرار الأسد، إن الجيش الإسرائيلي انخرط رسميًا في جبهة حرب رابعة.
الكلمات المفتاحية
المرحلة الأولى من خطة "تسوية الأراضي": تهويد 510 آلاف دونم من مناطق "ج"
قرار حكومة الاحتلال هو جزء من خطة استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تعريف الوضع القانوني للأراضي في الضفة الغربية عبر تحويلها إلى "أملاك دولة".
هآرتس: الحركة الاستيطانية لليمين الديني تحقق إنجازات بفضل اتفاق أوسلو
مقال لعميرة هاس: "أحد أسباب نجاح اليمين الديني في فرض وقائع ميدانية يعود إلى براعة التخطيط التي أتاحتها ترتيبات أوسلو، رغم رفض هذا التيار للاتفاق سياسيًا".
المعركة على الوعي الأميركي: هل يتصدّع الحصن الداعم لـ"إسرائيل"؟
مقال إسرائيلي: "الدعم المسيحي الأميركي لـ"إسرائيل" يواجه تحديًا متصاعدًا بفعل حملات رقمية وخطابات دينية وسياسية جديدة، خاصة في أوساط الشباب".
قرأ 50 صفحة.. نتنياهو يهاجم المؤسسة الأمنية في الكابينت بشأن 7 أكتوبر
أقدم نتنياهو على توجيه انتقادات حادة للجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات، متهمًا إياهما بالتقصير والإهمال على مدى فترة طويلة، بدل التفرغ لبحث التحديات المرتبطة بإيران
80 دولة ومنظمة تدين التوسع الاستيطاني وإجراءات الضمّ في الضفة الغربية
بيان لـ80 دولة ومنظمة: "ندين بكل قوة القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية، والتي تهدف إلى توسيع الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية".
أكسيوس: 50 طائرة أميركية مقاتلة نُقلت إلى المنطقة خلال الساعات الـ24 الماضية
مسؤول أميركي قال إن المحادثات النووية مع إيران أحرزت "تقدمًا"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن "الكثير من التفاصيل لا تزال قيد النقاش".
المرحلة الأولى من خطة "تسوية الأراضي": تهويد 510 آلاف دونم من مناطق "ج"
قرار حكومة الاحتلال هو جزء من خطة استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تعريف الوضع القانوني للأراضي في الضفة الغربية عبر تحويلها إلى "أملاك دولة".