على أبواب رمضان.. عندما يكون الغاز كـ"احتياطي" حياة في غزة
12 فبراير 2026
دفعت محدودية كميات غاز الطهي وعدم انتظام توزيعه سكانًا في قطاع غزة إلى إدخار ما يتوفر لديهم للاستخدام في حالات الطوارئ، ما اضطرهم في المقابل إلى الاعتماد اليومي على الحطب لطهي وجباتهم، وفي ظل شح الإمدادات واقتراب شهر رمضان، بات الغاز مادة تُدَّخر وتقنن الاستخدام حتى لدى من حصلوا على حصصهم من غاز الطهي، بعد حرمان عام كامل، في انعكاس واضح لعمق الأزمة المعيشية.
ولا يقتصر أثر هذا الواقع على الجانب المعيشي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا صحية وبيئية، في ظل تزايد التعرض للدخان والحرائق المنزلية، خاصة بين الأطفال وكبار السن، وسط تحذيرات من أن استمرار الاعتماد على الحطب قد يفاقم المخاطر في حال غياب حلول جذرية.
على أطراف البيوت وأسـطحها وبجوار الخيام في أنحاء قطاع غزة، ما تزال ألسنة النار المنبعثة من الحطب تؤدي وظيفة غاز الطهي الغائب، في مشهد يومي اعتاده الغزيون رغم الإعلان عن بدء دورة جديدة لتوزيع الغاز، فشحّ الكميات وعدم انتظام وصولها إلى المواطنين جعلا الدخان جزءًا من روتين الحياة، لا استثناءً.
يؤكد المدير العام للهيئة العامة للبترول في غزة إياد الشوربجي، أن كميات غاز الطهي التي دخلت إلى قطاع غزة منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول / أكتوبر وحتى تاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2026، ما تزال دون الحد الأدنى من الاحتياج الفعلي، ما يُبقي أزمة الغاز قائمة ويُعمّق معاناة المواطنين
الغاز كـ"احتياطي حياة"
في منزله المتصدّع بفعل القصف، يقف مالك عبد الرحمن أمام مخزن قديم يفتحه بحذر، كما لو كان خزنة لا تُفتح إلا في لحظات الخطر، في الداخل، ترقد أسطوانة غاز صغيرة الحجم، لكنها ذات قيمة كبيرة؛ فهي "الاحتياطي" الذي يضمن استمرار حياة أسرته المكوّنة من سبعة أفراد في حال انقطع الغاز فجأة.
يقول مالك لـ"الترا فلسطين" "إن تجارب الانقطاع المتكرر جعلت العائلة تتعامل مع كل أسطوانة على أنها كنز لا يُمسّ، مضيفًا بنبرة تعب واضحة "لا نستخدم الغاز إلا في الحالات الضرورية، خوفًا من انقطاع مفاجئ يعيدنا إلى نقطة الصفر، لا نعرف متى يأتي الدور مرة أخرى، لذلك نحتفظ بالأسطوانة للطوارئ ونعود للطبخ على الحطب".
ويوضح أن آخر أسطوانة حصل عليها كانت قبل نحو ثلاثة أسابيع، خلال الدورة الثامنة، وما تزال محفوظة دون أن تُفتح رغم الحاجة الماسّة للطهي.
"الغاز موجود على الورق، لكن في البيوت الوضع مختلف"، يقول مالك، معتبرًا أن التوجّس بات سيد الموقف، لا سيما مع اقتراب شهر رمضان، حيث تتضاعف المخاوف من عدم توفر أسطوانة أخرى تكفي احتياجات العائلة، فيتحول "الادخار" إلى سلوك قسري، كأن رمضان معركة جديدة تُستنزف فيها الموارد قبل أن تبدأ.
تقنين تحت الضغط
كما في البيوت المتصدّعة التي نجت جزئيًا من القصف، لا يبدو المشهد داخل خيام النزوح مختلفًا كثيرًا، النار هي ذاتها، والدخان واحد، والانتظار أطول، حيث تختلط رائحة الحطب المحترق برائحة الطعام، لتصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، حيث يتحوّل الطهي إلى فعل صمود مُنهك، تتحمّل عبئه النساء في فضاء ضيّق لا يحتمل الخطأ.
داخل خيمتها الصغيرة بمواصي خانيونس، تشعل منال نصار، وهي امرأة في منتصف الأربعينات، الحطب بحذرٍ بالغ، وتراقب النار كما لو كانت توازن بين الحاجة والخطر.
تقول منال لـ"الترا فلسطين" إن عائلتها حصلت على أسطوانة غاز أخرى ضمن الدورة الثامنة لتوزيع الغاز، إلا أن الكمية التي تحتويها كانت محدودة، لا تتجاوز ثمانية كيلوغرامات، وهي كمية لا تكفي سوى لأيام قليلة لعائلة كبيرة، في ظل الطلب المتزايد على الغاز.
وتشير إلى أن الأسرة اضطرت إلى تخزين الأسطوانة الاخيرة واستخدامها فقط في الحالات الطارئة، خشية نفادها سريعًا وعدم ضمان الحصول على بديل في وقت قريب.
تضيف منال بصوت يثقله القلق: "نسمع عن دخول الغاز، لكننا نتردد في استخدامه خوفًا من أن ينفد قبل أن نكون بأمسّ الحاجة إليه"، مشددة على أن بطء عمليات التوزيع يجعل الأسرة مضطرة إلى الادخار، حتى لو كانت الدورة تمضي بسرعة.
تصف منال كيف أصبح الدخان جزءًا من يومهم، فلا يمر يوم دون أن تشعر بتعب في الصدر وحرقة في العينين، فيما يتزايد القلق مع اقتراب شهر رمضان، وتخشى أن ينفد ما لديها من غاز قبل حلول الشهر الفضيل، لذلك يدّخرونها لساعات السحور فقط.
وترى منال أن الإعلان عن بدء دورة جديدة لتوزيع غاز الطهي لم ينعكس تغييرًا ملموسًا على حياتهم اليومية، مؤكدة أن الفجوة ما تزال واسعة بين الإعلان عن دخول الغاز وبين قدرة العائلات على استخدامه بشكل آمن ومنتظم.
الدخان في الصدور
هذه الصورة لا تقتصر على خيمة منال وحدها، في خيمة أخرى قريبة، تجلس أم أحمد جودة أمام موقد حطب صغير، بينما يقترب طفلها منها، يلفّ يديه حول صدره كأن الدخان يضغط على أنفاسه، كلما اشتعلت النار أكثر، ارتفع الدخان داخل المساحة الضيقة، فتغطي الأم وجهها للحظة، ثم تتابع الطهي، وكأنها تؤدي مهمة لا يمكن تأجيلها.
تقول أم أحمد لـ"الترا فلسطين" إن الغاز لا يصل بانتظام، وإن الحطب أصبح الخيار الوحيد لإعداد الطعام يوميًا. "الطبخ على الحطب متعب وخطير، خاصة مع الأطفال، لكن لا بديل لدينا"، تضيف ذلك وهي تراقب طفلها الذي يعاني سعالًا متكررًا وضيقًا في التنفس، نتيجة استنشاق الدخان لساعات طويلة.
وتشير إلى أن أطفالها باتوا يعانون مشاكل صحية متكررة، لكن العائلة مجبرة على التكيّف، في ظل غياب الإمكانيات المادية وندرة البدائل الآمنة، فكل خيار آخر يتطلب مالًا لا تملكه، أو غازًا لا يمكن الاعتماد على استمراره.
التوريد غير مستقر
يؤكد صبحي شبير أحد موزّعي غاز الطهي في مدينة خانيونس، أن أزمة الغاز ما تزال قائمة، رغم الإعلان المتكرر عن دخول شاحنات جديدة، موضحًا أن الكميات التي تصل فعليًا لا تغطي الحد الأدنى من احتياجات السكان، ولا تسمح بتوزيع منتظم أو آمن.
ويصف شبير لـ"الترا فلسطين" واقع التوريد بأنه غير مستقر، إذ تدخل كميات محدودة تُقسّم على أعداد كبيرة من المستفيدين، بحيث لا يتجاوز نصيب الأسرة في معظم الأحيان ثمانية كيلوغرامات، وهي كمية لا تكفي سوى نحو أسبوعين في أفضل الأحوال، خاصة في ظل زيادة الاستهلاك خلال فصل الشتاء واقتراب شهر رمضان.
ويؤكد أن لجوء المواطنين إلى إدخار الغاز وعدم استخدامه إلا في الحالات الضرورية، في وقت تعيش فيه مئات آلاف العائلات في خيام النزوح أو منازل متضررة، لا يعود إلى سوء تقدير، بل إلى فقدان الثقة باستمرارية التوزيع والتقنين في إدخاله من قبل الاحتلال، في ظل غياب أي جدول واضح لوصول الشاحنات.
ويضيف أن الخوف من الانقطاع يدفع كثيرين إلى الاحتفاظ بالغاز للطوارئ، حتى لو اضطروا للاعتماد اليومي على الحطب، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر صحية.
ويختم بالتأكيد أن دخول كميات من الغاز لا يعني انتهاء الأزمة، مشددًا على أن الحل يكمن في تدفق منتظم وكميات كافية تضمن استقرار التوزيع، وتجعل غاز الطهي متاحًا كضرورة أساسية للحياة اليومية، لا كخيار مؤقت تحكمه المخاوف.
أزمة قائمة
بدوره، يؤكد المدير العام للهيئة العامة للبترول في غزة إياد الشوربجي، أن كميات غاز الطهي التي دخلت إلى قطاع غزة منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول / أكتوبر وحتى تاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2026، ما تزال دون الحد الأدنى من الاحتياج الفعلي، ما يُبقي أزمة الغاز قائمة ويُعمّق معاناة المواطنين.
يوضح الشوربجي لـ"الترا فلسطين" أن إجمالي ما دخل خلال هذه الفترة بلغ 307 شاحنات، محمّلة بنحو6,458,100 كيلوغرام من غاز الطهي، وهي كمية لا تمثل سوى نحو20 % فقط من الاحتياج الحقيقي للقطاع، في ظل استمرار الحصار وسياسة "التنقيط" التي يتبعها الاحتلال في إدخال البضائع والمساعدات، الأمر الذي حال دون حدوث أي انفراجة حقيقية في أزمة الغاز.
ويبيّن أن التفاهمات التي رافقت الاتفاق الأخير كانت تنصّ على إدخال نحو 1500 شاحنة غاز خلال الفترة الماضية، إلا أن ما تم إدخاله فعليًا لم يتجاوز307 شاحنات، معتبرًا أن هذا الفارق الكبير يعكس عدم التزام الاحتلال بتعهداته، واستمراره في سياسة المماطلة والتسويف في تنفيذ بنود الاتفاق المتعلقة بالإمدادات الإنسانية.
وفي ما يتعلق بالوتيرة الحالية للإدخال، يشير إلى أن الأسبوع الماضي شهد دخول 40 شاحنة غاز، وهو أعلى رقم أسبوعي منذ بدء الهدنة، إلا أنه يبقى دون مستوى الاحتياج، إذ يحتاج القطاع فعليًا إلى ما بين80 إلى100 شاحنة أسبوعيًا، بمعدل يقارب260 طنًا يوميًا، لضمان استقرار الإمدادات وتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان.
الاحتلال المتحكم المباشر
ويعزو أسباب عدم شعور المواطنين باستقرار إمدادات الغاز إلى محدودية الكميات الواردة وتحكّم الاحتلال المباشر في وتيرة وكميات الإدخال، مشيرًا في الوقت ذاته إلى تسجيل تحسّن نسبي في أعداد المستفيدين وقوائم التوزيع، لكنه لا يرقى إلى مستوى معالجة الأزمة بشكل جذري.
ويضيف" أن القدرة على تأمين احتياجات المواطنين خلال شهر رمضان المبارك تظل مرهونة بزيادة كميات غاز الطهي الواردة إلى القطاع"، مشيرًا إلى أن الإمدادات الحالية تُوزَّع بشكل فوري ومباشر على المواطنين، دون إمكانية للتخزين، في ظل محدودية الكميات وعدم توفر أي فائض يسمح بتكوين مخزون استراتيجي يضمن الاستقرار في التزويد.
ويلفت إلى أن لجوء بعض المواطنين إلى ادخار كميات محدودة من الغاز يأتي في إطار إجراءات احترازية لتغطية احتياجات شهر رمضان، وتأمين أنفسهم في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالأوضاع المحلية والإقليمية، معتبرًا أن هذا السلوك يعكس وعيًا بضرورة ترشيد الاستهلاك وتقنين الاستخدام، في محاولة لضمان توفر الغاز خلال الفترات المقبلة، في ظل استمرار شح الإمدادات وعدم انتظامها.
رغم مرور قرابة أربعة أشهر على وقف الحرب واستئناف إدخال كميات محدودة من الغاز المنزلي إلى قطاع غزة، لا تزال أزمة الغاز مستمرة، في ظل محدودية عملية الادخال وعدم انتظامه، ما حوّلها من أزمة طارئة إلى معاناة يومية تثقل كاهل السكان.
ولم يُنجز خلال هذه الفترة سوى توزيع الدورة السابعة ضمن كشوفات المستفيدين، فيما أُعلن عن بدء الدورة الثامنة قبل نحو ثلاثة أسابيع، على أن يحصل المستفيدون فيها على حصصهم بعد فترة لا تقل عن شهرين، الأمر الذي يعكس استمرار الفجوة بين الإعلان عن التوريد والقدرة الفعلية على تلبية احتياجات المواطنين.
الكلمات المفتاحية
في يوم المرأة العالمي.. نساء غزَّة بين الفقد وصناعة الأمل
رغم الخسارات الكبيرة والندبات المؤلمة، لا تزال النساء الغزيات يتمسكن بالأمل ويكتبن حكايات صمود مستمرة.
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
كيف تأثر قطاع غزة بالعدوان على إيران؟
بدا واضحًا أن إسرائيل ترى في العدوان على إيران فرصة للانقلاب على اتفاق وقف إطلاق النار الذي كانت قد خرقته 1620 مرة حتى تاريخ 10 شباط
في يوم المرأة العالمي.. نساء غزَّة بين الفقد وصناعة الأمل
رغم الخسارات الكبيرة والندبات المؤلمة، لا تزال النساء الغزيات يتمسكن بالأمل ويكتبن حكايات صمود مستمرة.
قتيلان في الناصرة وعكا وسط تصاعد جرائم القتل داخل أراضي الـ48
قتل مواطنين اثنين اليوم السبت، أحدهما بجريمة إطلاق نار، داخل أراضي الـ48، والتي شهدت في الآونة الأخيرة احتجاجات ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في مواجهتها
تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي
استشهاد شاب وإصابة شقيقه برصاص مستوطنين في مسافر يطا
أفادت مصادر محلية مساء اليوم السبت، باستشهاد أمير محمد شناران وإصابة شقيقه برصاص المستوطنين في منطقة "واد الرخيم" جنوب يطا في الخليل