فلسطين وعام ترامب الأول | الأونروا في مرمى ترامب مجددًا: استئناف مسار الاستهداف القديم في ولايته الثانية
20 يناير 2026
لم يكن الهجوم الذي تتعرض له وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في العام الأول من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثانية مفاجئًا، بل يُعد امتدادًا لسياسات بدأتها إدارته في ولايته الأولى، حين قررت الإدارة قطع التمويل الأميركي عن الوكالة، مع تشكيك سياسي وإعلامي في شرعيتها ودورها، في مسعى لإضعاف أحد أبرز الشواهد الدولية على قضية اللاجئين الفلسطينيين.
ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تجددت هذه السياسات بأدوات أكثر تشددًا، تشمل قرارات إدارية لتقليص التمويل، وضغوطًا سياسية مستمرة، وتصعيدًا إسرائيليًا يستهدف نزع شرعية الوكالة.
في المقابل، ورغم هذا الهجوم والتحديات، لا يزال هناك دعم دولي نسبي للأونروا، تجلّى مؤخرًا في تجديد تفويضها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يعكس استمرار اعتراف المجتمع الدولي بدورها الحيوي في حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتقديم خدماتها الإنسانية.
بين ضغط أميركي متجدد وتصعيد إسرائيلي مستمر، وصمود دولي نسبي، تبقى الأونروا اليوم في قلب صراع يتجاوز التمويل إلى مستقبل قضية اللاجئين وإعادة تعريف القضية الفلسطينية من جذورها.
استكمال لمسار سابق
اعتبر المتحدث باسم الأونروا، عدنان أبو حسنة، أن سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليس سوى استكمال لمسار بدأه خلال ولايته الأولى، استهدف تقويض الأونروا ودورها المركزي في قضية اللاجئين.
وأكد أبو حسنة، في حديث خاص مع "الترا فلسطين"، أن الولايات المتحدة كانت تاريخيًا أكبر داعم للأونروا، إذ قدمت ما يقارب 360 مليون دولار سنويًا، وهو ما شكّل نحو 30% من ميزانية الوكالة، وتركّز بشكل أساسي في دعم قطاعي التعليم والصحة. وأوضح أن هذا التمويل قطع بالكامل خلال الولاية الأولى لترامب، قبل أن تعيده الإدارة الديمقراطية لاحقًا، ثم يُقطع مجددًا مع عودة ترامب إلى الحكم.
وأشار إلى أن فقدان هذا الدعم شكّل ضربة كبيرة للأونروا، مؤكدًا أن الوكالة لم تتمكن حتى الآن من تعويض النقص في التمويل الأميركي، لا سيما في ظل تقليص أو وقف الدعم من دول أخرى، مثل السويد، إلى جانب خفض التمويل من مانحين آخرين، في وقت تشهد فيه منظومة الأمم المتحدة ككل تراجعًا في الدعم، شمل منظمات دولية كبرى.
وقطعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) للمرة الأولى في عام 2018، خلال ولايته الرئاسية الأولى. ومع عودته إلى البيت الأبيض في عام 2025، أعادت إدارته اعتماد النهج ذاته عبر قرارات تنفيذية قضت باستمرار وقف التمويل، في إطار سياسة أوسع لتقليص الدعم الأمريكي للمنظمات الدولية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
ضغوط سياسية وتشريعية
ويوضح أبو حسنة أن الأزمة لا تقتصر على الجانب المالي، بل تتجاوز ذلك إلى ضغوط سياسية منظمة تهدف إلى تصفية الأونروا كمدخل لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين. ويشير إلى وجود عدة مشاريع قوانين في الكونغرس الأميركي طالبت بوقف تمويل الوكالة، استنادًا إلى اتهامات إسرائيلية بمشاركة بعض موظفيها في أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
ويشدد على أن هذه الاتهامات لم تثبت، موضحًا أن مكتب الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة أجرى تحقيقات في هذا الشأن، كما خضعت إجراءات الأونروا لمراجعة مستقلة قادتها وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة كاترين كولونا. ويضيف أن محكمة العدل الدولية أكدت في قرار حديث أن إسرائيل لم تقدم أدلة تثبت خرق الأونروا لمبدأ الحياد، وطالبتها بتسهيل عمل الوكالة وحماية منشآتها وموظفيها.
ويرى أبو حسنة أن تجديد تفويض الأونروا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية 151 دولة ولمدة ثلاث سنوات، شكّل ردًا دوليًا واضحًا على محاولات نزع الشرعية عنها. لكنه، أقرّ في الوقت ذاته بأن الموقف الأميركي ترك أثرًا ملموسًا، ودفع بعض الدول إلى التردد أو تقليص دعمها.
ويضيف أن هذا التأثير انعكس أيضًا على قطاعات حيوية، مثل التعليم والصحة، التي كانت تعتمد بشكل كبير على التمويل الأميركي، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تراجع جودة الخدمات المقدمة لملايين اللاجئين الفلسطينيين.
لا بديل عن الأونروا
وفيما يتعلق بالحديث عن بدائل محتملة، يؤكد أبو حسنة أنه لا يوجد بديل عملي للأونروا في الوقت الراهن سوى الأونروا نفسها، موضحًا أن الوكالة مستعدة لتسليم خدماتها فقط في حال قيام دولة فلسطينية قادرة على استلام هذه المهام. أما في ظل غياب حل سياسي لقضية اللاجئين، فإن الأونروا ستواصل عملها رغم الصعوبات المالية والسياسية.
ويبيّن أن الوكالة تقدم خدماتها لما يقارب ستة ملايين لاجئ فلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس ولبنان وسوريا والأردن، وتشرف على تعليم نحو 600 ألف طالب، إلى جانب خدمات الصحة والإغاثة، معتبرًا أن الأونروا تشكّل عامل استقرار إقليمي، وأن غيابها سيقود إلى فراغ خطير وتداعيات تتجاوز الفلسطينيين إلى المنطقة بأكملها.
استراتيجية متواصلة
من جانبه، يرى الخبير في شؤون الأونروا والمنظمات الدولية، سامي مشعشع، أن استهداف الأونروا لا يقتصر على التمويل أو الأداء الإداري، بل يتعلق بدورها السياسي والرمزي كضامن لقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
واعتبر مشعشع، في حديث خاص مع "الترا فلسطين"، أن استمرار عمل الوكالة يمثل اعترافًا دوليًا مستمرًا بعدم حل قضية اللاجئين، وأن أي محاولة لإضعافها تهدف إلى تحويل حقوق اللاجئين من التزامات قانونية وسياسية إلى إدارة أزمة إنسانية مؤقتة.
وأشار مشعشع إلى أن الهجوم الأميركي على الأونروا متسق منذ سنوات، لكنه يتطور بحسب السياق السياسي والإقليمي. ففي الولاية الأولى لترامب، كان الهجوم مباشرًا وصريحًا، عبر قطع التمويل فجأة، والتشكيك العلني في شرعية الوكالة، وحملات إعلامية تتهمها بالفساد أو ضعف الأداء. وتابع: أما في المرحلة اللاحقة، فقد أصبح الهجوم أكثر تنظيمًا ودهاءً، إذ تُدار الضغوط عبر المانحين، وتُفرض شروط سياسية وأمنية، ويُستغل الإعلام لتشويه صورة الوكالة، مع الحفاظ على الغطاء القانوني الدولي لتفويضها.
ويصف مشعشع هذا التطور بأنه تحويل الهجوم من موقف علني ومباشر إلى استراتيجية أكثر بنيوية وذكاءً، تهدف إلى إضعاف الوكالة تدريجيًا دون المساس بالشرعية الشكلية للتفويض الدولي.
ويشير مشعشع إلى أن أي دولة مانحة لا تستطيع قانونيًا إنهاء تفويض الأونروا، إلا أن القوانين الوطنية الأميركية، خاصة تلك المتعلقة بمكافحة الإرهاب وتمويل المنظمات الدولية، استُخدمت كأداة ضغط على الوكالة، وتحويل استقلاليتها القانونية إلى أداة للابتزاز المالي والسياسي.
ويضيف أن هذا النهج أثّر على بعض الدول المانحة الأخرى، التي خفّضت أو أوقفت دعمها خوفًا من الضغوط الأميركية، مما زاد من هشاشة الوكالة وعرقل قدرتها على تقديم الخدمات.
ويؤكد مشعشع أن الاستهداف يشمل أيضًا المخيمات الفلسطينية نفسها، التي تشكّل فضاءات سياسية وذاكرة جماعية للاجئين، وأن إضعاف الأونروا يسهل تفكيك شبكات الأمان الاجتماعي وفرض التوطين التدريجي غير المعلن، ويحوّل حقوق اللاجئين من التزامات قانونية وسياسية إلى مجرد إدارة أزمة إنسانية مؤقتة.
ويضيف أن هذا النهج يسمح للقوى الكبرى بإفراغ التفويض الدولي من مضمونه العملي تدريجيًا، ما يصعّب اعتراض المجتمع الدولي ويخلق واقعًا متجذرًا على الأرض.
ويرى مشعشع أن الهجوم على الأونروا يمثل نموذجًا أوسع للهجوم على المؤسسات الدولية المستقلة، حيث يتم استخدام التمويل والقوانين الوطنية والسياسات الإعلامية كأدوات ضغط على الوكالات الدولية، مع الحفاظ على مظاهر الشرعية القانونية.
ويشير أيضًا إلى التداعيات المباشرة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في مناطق عمل الأونروا، إذ يؤدي ضعف الوكالة في غزة إلى تصاعد الفقر والاحتقان السياسي واحتمالات تفجّر أزمات أمنية، وفي الضفة الغربية إلى تفكيك شبكات الأمان الاجتماعي وارتفاع التوتر السياسي، بينما يزداد هشاشة اللاجئين في لبنان، ما يفاقم الأزمات الاجتماعية والأمنية خارج المخيمات.
وبين ضغط أميركي متجدد وتصعيد إسرائيلي مستمر، وصمود دولي نسبي، تبقى الأونروا اليوم في قلب صراع يتجاوز التمويل إلى مستقبل قضية اللاجئين وإعادة تعريف القضية الفلسطينية من جذورها.
الكلمات المفتاحية

رمضان بلا مساجد ولا لمّة… كيف غيّرت الحرب ملامح الشهر في حياة الغزيين؟
لم يكن شهر رمضان في حياة الغزيين مجرد مناسبة دينية، بل شهرًا له نظامه اليومي الخاص وتفاصيله الثابتة؛ يبدأ بتناول وجبة السحور وصلاة الفجر، ويمتد حتى ما بعد صلاة التراويح، تتخلله لمّة العائلة، والعزائم، وقراءة القرآن وأصوات الأذان والابتهالات الدينية.

على أبواب رمضان.. عندما يكون الغاز كـ"احتياطي" حياة في غزة
في ظل شح الإمدادات واقتراب شهر رمضان، بات الغاز مادة تُدَّخر وتقنن الاستخدام حتى لدى من حصلوا على حصصهم من غاز الطهي

أزمة الأمن الغذائي في غزة: فوضى الاستيراد وعقبات مُركّبة أمام الرقابة
كثيرين في غزة يُضطرون لشراء الدواجن أو اللحوم أو غيرها من المنتجات على أساس أسعارها، رغم علمهم بانتهاء تاريخ صلاحيتها أو قربه من الانتهاء
رؤساء سابقون للشاباك يتهمون نتنياهو بالتنصل من مسؤولية 7 أكتوبر
أفادت القناة 12 بأن خمسة رؤساء سابقين لجهاز الشاباك وجّهوا رسالة شديدة اللهجة إلى نتنياهو ورئيس الجهاز الحالي دافيد زيني، متهمين إياه بمحاولة التنصل من المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر
مستشفى شهداء الأقصى يحذر من توقف وشيك لخدماته بسبب تعطل المولدات
حذر مستشفى شهداء الأقصى من خطر وشيك يهدد استمرار عمله، نتيجة توقف المولد الكهربائي الرئيسي الثاني عن العمل، بعد توقف المولد الرئيسي الأول قبل ثلاثة شهور

الكاتبة الهندية البارزة أرونداتي روي تنسحب من مهرجان ألماني بسبب رفضه مناقشة إبادة غزة
انسحبت الكاتبة أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي الدولي بعد أن صرح رئيس لجنة التحكيم في المهرجان بأن على صناع الأفلام الابتعاد عن السياسة
نيكولاي ملادينوف يتبنى الموقف الإسرائيلي: "البداية في نزع سلاح غزة"
ذكر ملادينوف "ضرورة حصول السلطة الانتقالية على السيطرة المدنية والأمنية الكاملة على غزة، وأن تحقيق ذلك يتطلب استكمال نزع سلاح جميع الفصائل الفلسطينية التي تمتلك أسلحة"

