ultracheck
مقابلات

فلسطين وعام ترامب الأول | ثائر أبو راس: ترامب لم يخرج عن منطق التماهي مع إسرائيل

20 يناير 2026
فلسطين وعام ترامب الأول | ثائر أبو راس: ترامب لم يخرج عن منطق التماهي مع إسرائيل
باسل رزق الله
باسل رزق اللهصحفي من فلسطين

قابل الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أكثر من أي مسؤول أجنبي، في مؤشر على أولوية الملف الإسرائيلي في سياساته الخارجية. وفي العام الأول من رئاسته، دخل ترامب البيت الأبيض على وقع اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، لكن الهدنة لم تدم طويلًا، وتحولت سريعًا إلى حرب جديدة تقودها إسرائيل بقيادة نتنياهو.

في هذا الحوار، الذي يتزامن مع مرور عام على وصول ترامب إلى البيت الأبيض، نرصد ملامح سياسة الإدارة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية، وكيف تداخلت مع مسار الحرب في غزة. كما نتتبع التحولات التي طرأت على علاقة ترامب بنتنياهو، ونناقش مدى تأثير ضغوط الداخل الأميركي، وصعود التيارات الانعزالية داخل الحزب الجمهوري، على مستقبل الدعم الأميركي لإسرائيل.

حاور "الترا فلسطين"، ثائر أبو راس، المحلل والباحث، الحاصل على درجة دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ميريلاند، والماجستير من جامعة هيوستن، للوقوف أكثر عند عام ترامب الأول في الحكم.

ثائر أبو راس: ما تحصل عليه إسرائيل من الدعم الأميركي هو أكثر بكثير من مجرد أربعة مليارات دولار؛ فهو يشمل تكنولوجيا عسكرية، ودعمًا في الأمم المتحدة، وفتح علاقات وشبكة علاقات مع دوائر صناعية وعسكرية في الولايات المتحدة

  • وصل دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة في ظل اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، لكنه ترك رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يعود إلى الحرب خلال معظم سنته الأولى في الحكم، قبل أن يفرض عليه لاحقًا اتفاقًا جديدًا لوقف إطلاق النار. كيف يمكن قراءة معالم عام ترامب الأول في الحكم تجاه القضية الفلسطينية؟

كان هناك عدة مراحل أو عدة استراتيجيات جرى تجربتها من قبل دونالد ترامب. المرحلة الأولى كانت في العام الأول من حكمه، عند دخوله إلى البيت الأبيض، حيث دخل مع وقف إطلاق النار في غزة. وكان وقف النار نتيجة لانتخابه؛ إذ كان من الواضح، في فترة الحملة الانتخابية وبعد انتخابه، وجود مفاوضات مع نتنياهو والإسرائيليين. وكان من المهم له أن يدخل البيت الأبيض مع وقف إطلاق النار في غزة، حتى لو كانت اتفاقية مؤقتة. ولكن بسبب طبيعة علاقاته مع العالم العربي، فضّل أن يدخل مع وقف إطلاق النار، والإسرائيليون أعطوه ذلك.

في المقابل، هنا نحن ندخل على المرحلة الأولى لترامب في السنة الأولى، وكان فيها تماهي كامل مع الإسرائيليين، وإلى أبعد الحدود. ففي 18 آذار/مارس خُرق وقف إطلاق النار، من إسرائيل، ولكن الأهم من ذلك أنهم بدأوا سياسة التجويع، وبحسب رأيي، من بين كل الجرائم التي حدثت في حرب الإبادة، تُعدّ هذه الجريمة الأكثر تعبيرًا عن تماهي أميركا والنظام الدولي ككل مع إسرائيل في حربها؛ لأن شيئًا من هذا النوع لم نشهده في الحروب الحديثة، خاصة من دولة مرتبطة عضويًا بالغرب مثل إسرائيل. يعني، الفترة الأولى كانت تماهيًا تامًا، وكانت سياسة التجويع أبرز عناوين هذه الفترة.

في أشهر الصيف، يمكن القول إنها الفترة الثانية، وهي الفترة التي كان من الواضح فيها ابتعادٌ معيّن عن الخط الذي انتهجه في البداية، أي التماهي الكلي مع إسرائيل. بدأنا نسمع ترامب يتحدث عن أن سمعة إسرائيل آخذة في السوء، وأنه قريب جدًا من الوصول إلى اتفاقية إطلاق النار. وقتها، كان هناك حديث لعدة مرات، عن وجود إمكانية للوصول إلى اتفاقية يتوقف بموجبها إطلاق النار.

الفترة الثالثة بدأت في شهر أيلول/سبتمبر، ولكن بشكل أدق بعد الضربة الإسرائيلية على قطر، وهي مرحلة الضغط على إسرائيل؛ إذ بدأ ترامب يضغط، وبشكل قوي عمليًا، على الإسرائيليين للتوصل إلى اتفاقية وقف إطلاق نار. بدأنا نسمع تسريبات في الإعلام الأميركي تفيد بأن ترامب، عمليًا ومن خلف الكواليس، كان ينتقد ويشتم نتنياهو، ويقول إن هذا الرجل لا يعرف كيف ينتصر، وأن كل ما نقدمه ليس مستعدًا لتقبّله.

في نهاية المطاف، جرى التوصل إلى اتفاقية وقف إطلاق النار في شهر تشرين الأول/أكتوبر، وبعد أسبوع جاء إلى البلاد، وفي الكنيست قال ترامب لنتنياهو: "لا تستطيع محاربة العالم كله"، وكان ذلك تعبيرًا عن غضب ترامب من نتنياهو، باعتبار أن نتنياهو كان يرتكن إلى أن الولايات المتحدة خلفه، وبإمكانه أن يفعل ما يشاء، حتى لو جاء ذلك على حساب المصالح الأميركية نفسها.

عمليًا، يمكن القول إن ترامب كان لديه ثلاث تحولات، أو ثلاث سياسات، تجاه إسرائيل في سنته الأولى. الفترة الأولى كانت تماهيًا كاملًا، والفترة الثانية مرحلة الابتعاد نوعًا ما وبدء التذمّر، أما المرحلة الثالثة فكانت مرحلة الضغط، أي الضغط الشامل على إسرائيل لوقف هذه الحرب. وجاءت هذه المرحلة خاصة بعد الضربة الإسرائيلية على قطر؛ لأن الضربة الإسرائيلية على قطر مستّ بالمصالح الأميركية وبمصالح دونالد ترامب، إذ ضمن استراتيجيته الدولية في الشرق الأوسط، كان معنيًا بالتقارب مع دول الخليج، خاصة في ظل الصعوبات الاقتصادية في الولايات المتحدة؛ فهو معني باستثمارات خليجية، وكذلك بكل قضية الاستقرار الإقليمي.

دونالد ترامب فهم نقطة قد يكون نتنياهو نفسه لم يفهمها أو يتغاضى عنها، وهي أن الشرق الأوسط منطقة تفتقر إلى الاستقرار، وأن ضرب دولة مستقرة نسبيًا مثل قطر قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تداعيات سلبية جدًا، خاصة إذا قررت دولة مثل قطر الرد على إسرائيل، وليس بالضرورة بشكل مباشر. وفي حينه، منح ترامب قطر اتفاقية التحالف، وأجبر الإسرائيليين على التراجع.

  • لكن عمومًا، لم يخرج منطق ترامب تمامًا عن منطق التماهي الكامل مع إسرائيل.

لا، هو لم يخرج عن منطق التماهي مع إسرائيل. دونالد ترامب قادم من خلفية تكونت فيها النخبة السياسية في الولايات المتحدة بشكل عام، والحزب الجمهوري بشكل خاص، على ارتباط وثيق بمصالح قريبة جدًا من إسرائيل. وإدارته نفسها تضم شخصيات من عتاة الصهاينة؛ فشخص مثل وزير الخارجية ماركو روبيو هو شخص مقرّب جدًا من دوائر صهيونية، وليس حديثًا. كذلك السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، وهو رجل دين إنجيلي متطرف جدًا، وكان من دعاة ضم الضفة الغربية قبل ثلاثين عامًا، عندما كانت هذه الفكرة تتبناها أعتى تيارات اليمين في إسرائيل وأميركا، بينما أصبحت اليوم في إسرائيل جزءًا من التيار المركزي، في حين كانت في ذلك الوقت فكرة متطرفة.

هناك متطرفون حقيقيون حول ترامب، ومن هذه الناحية يمكن القول إنه متماهٍ مع إسرائيل. قد تكون هناك اختلافات بينه وبين نتنياهو، وقد لا تكون العلاقة الشخصية بينهما قوية، بعكس ما يُشاع، لكن على مستوى العلاقة المؤسسية، إن صحّ التعبير، بين إسرائيل والولايات المتحدة تحت قيادة ترامب، فهي علاقة ممتازة.

  • في "قمة السلام" التي أعقبت حرب غزة، لم يُدع الرئيس الفلسطيني، قبل أن يحضر لاحقًا، كما أن ترامب لم يذكر في أي مناسبة مصطلح "حل الدولتين". وفي القرار الأممي رقم 3028، الذي خرج بعد نقاشات درامية، غابت أي إشارة إلى قرارات دولية مرتبطة بالقضية الفلسطينية . هل يتجه ترامب إلى مشاركة نتنياهو في إنهاء القضية الفلسطينية سياسيًا؟

نعم صحيح، دونالد ترامب، ومرة أخرى بعض الدوائر المقربة منه، ربما القضية ليست ترامب شخصيًا، ولكن بعض المقربين متماهيين مع نتنياهو ليس فقط فيما يخص مكان إسرائيل في العالم وقدرتها على أن تقوم بجرائمها، وإنما بتصفية القضية الفلسطينية ككل، سواء عبر إنهاء أو إضعاف إلى حد كبير السلطة الفلسطينية، أو خلق بيئة في السلطة تكون في نهاية المطاف مستعدة للتنازل عن فكرة الدولة مقابل حكم ذاتي أو شيء من هذا القبيل.  وصفقة القرن كانت عبارة عن حكم ذاتي أو عدة جزر داخل الضفة الغربية ترتبط مع بعضها بشكل غير طبيعي ويُطلق عليها دولة فلسطينية، وفي نهاية المطاف تصفية القضية. هناك الكثير ممن حول ترامب عمليًا يؤمنون أن هذا الحل هو الحل الوحيد للقضية الفلسطينية.

بالطبع، ترامب يحاول موازنة عدة مصالح في نهاية المطاف، ومنها المصالح العربية التي يجب أخذها بعين الاعتبار، خاصة دول الخليج، ولكن أيضًا مصر والأردن. وطبعًا هذه الدول مصالحها تختلف من هذه الناحية عن مصالح اليمين داخل الإدارة الأميركية. لكن ترامب بكل تأكيد يختلف عن الرؤساء السابقين على الأقل في مستوى التصريح، ومعروف عنه أنه يبتعد عن الصوابية السياسية بشكل عام. فرؤساء سابقين، سواء ديمقراطيين أو جمهوريين، تحدثوا بشكل واضح عن أن الوضع يجب أن يفضي في نهاية المطاف إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، بينما هو لا يذكر هذا الكلام. لكن، أعتقد أيضًا أن كل هؤلاء الرؤساء، من كلينتون حتى اليوم، تحدثوا عن دولة فلسطينية، لكنهم لم يطبقوا ما قالوه في ذلك الوقت.

صحيح أن ترامب يختلف عنهم في التصريح، ولكن فيما يخص التطبيق، في نهاية المطاف لا يوجد فرق جوهري بينه وبين الرؤساء الذين سبقوه. نتحدث كثيرًا أن سموتريتش يزيد من النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، لكن هذا العمل الاستيطاني والنشاط الاستيطاني كان موجودًا خلال الثلاثين عامًا الماضية. إذا نظرنا إلى الأرقام بعد أوسلو أو حتى من مؤتمر مدريد عام 1991، كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية تقريبًا أقل من 200,000، ونحن اليوم نتحدث عن أكثر من 750,000 في الضفة الغربية والقدس الشرقية. النشاط الاستيطاني متواجد منذ 30 عامًا على الأقل، حتى ولو أنه في فترة ترامب هناك متطرفون صهاينة يتحدثون بوقاحة أكبر، إلا أنه على مستوى الممارسة نحن لا نشاهد شيئًا يختلف عن فترات سابقة.

  • يمكن القول إنه في هذه المرحلة، فعليًا، ترامب يعيد إنتاج صفقة القرن بشكل أو بآخر.

أعتقد أنه في ظروف طبيعية يمكن جدًا أن يكون ذلك، لكن أعتقد أن هناك اختلافًا واحدًا كبيرًا بين صفقة القرن في عام 2020 وبين الآن، وهو أن الموقف العربي يختلف قليلًا، أولًا بسبب حرب الإبادة، أي هناك شعور أنه إذا أردنا أن نتقدم في هذا الملف يجب أن يكون التنازل الإسرائيلي أكبر من التنازل الذي كان في عام 2020، خاصة لو أردنا إقناع الرأي العام العربي. ولكن هناك أيضًا مسألة تخص العالم العربي وهي الموقف الخليجي. وقتها كان مفتتًا كليًا في فترة صفقة القرن بسبب الأزمة الخليجية؛ الدول الخليجية كانت مختلفة بينها، وهناك دول بسبب مصالحها الذاتية أرادت الوصول إلى صفقة إقليمية كبرى على حساب الفلسطينيين في تلك الفترة. هذه الحالة ليست موجودة الآن، وهذا لا يعني أن دول الخليج أصبحت تضع القضية الفلسطينية على رأس سلم أولوياتها، لكن المصالح تتغير وتتبدل. أيضًا الحرب الأخيرة خلال السنتين والضربات التي تلقتها إيران وإضعافها أيضًا غيرت، بحسب رأيي، الديناميكية، والخوف من إيران الآن في دول الخليج أقل. بالعكس، هناك شعور أنه على المستوى الإقليمي إيران ضعفت قليلًا، وإسرائيل في المقابل ارتفعت أسهمها قليلًا، وفي نهاية المطاف ليس عندهم مصلحة أن تكون إيران ضعيفة إلى هذا الحد، أو في المقابل أن تكون إسرائيل قوية إلى هذا الحد أو العكس. بما أن إسرائيل تبدو أقوى الآن، فإن السعودية ستطالب بتنازلات أكبر من إسرائيل من أجل الحفاظ على التوازنات الإقليمية.

  • التقى ترامب بنيامين نتنياهو عدة مرات، ربما أكثر من أي مسؤول أجنبي آخر، وتحدث عنه بإعجاب لافت في الكنيست، كما تبنّى تعديلاته على مقترح وقف الحرب. وفي زيارته الأخيرة، ورغم تسريبات متعددة من محيط ترامب تتحدث عن وجود توتر بين الطرفين، إلّا أن اللقاء الأخير أظهر توافقًا كبيرًا. هل كنا أمام افتراق في بعض الملفات أم أن الأمر لا يتجاوز تباينات شكلية؟

أولًا، موضوع الإعجاب الشخصي؛ شخصيًا غير مقتنع به. دونالد ترامب لديه تجربة سابقة مع نتنياهو، فهذه ليست دورته الأولى، وهو يعلم جيدًا أن نتنياهو يشكّل حجر عثرة أمام خططه الكبرى، لكنه لا يستطيع التعامل مع نتنياهو بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع زعماء آخرين. لإسرائيل مكانة مختلفة كليًا في السياسة الأميركية؛ إذ لديها حلفاء داخل الكونغرس، وداخل الإعلام الأميركي، وطبعًا بين طبقة رجال الأعمال، وهو يدرك أنه يجب التعامل معها بطريقة مختلفة.

على العكس، أعتقد أن ترامب غير معجب بنتنياهو، لكن في الدائرة المقرّبة من ترامب هناك حلفاء لنتنياهو. وبالنسبة لي، القضية معاكسة، لكنها تقوم على مصالح مشتركة. فعندما يثني ترامب على نتنياهو علنًا، ويطلب من الرئيس الإسرائيلي علنًا منحه العفو في قضايا الفساد، فذلك لأن دونالد ترامب نفسه يعاني من هذا الموضوع في الداخل الأميركي؛ لكن في حالته قضايا جنسية، ومحاولات لرفع قضايا عليه في المحاكم. وهو ينظر إلى قضية نتنياهو بالطريقة نفسها التي ينظر بها إلى قضيته، باعتبار أن النخب الليبرالية تحاول التخلّص منه بطرق غير قانونية بعد أن فشلت في ذلك عبر صناديق الاقتراع. لدينا هنا هذا البعد.

ثانيًا، هناك بُعد المصالح الإقليمية المشتركة؛ فالقضية الإيرانية، على سبيل المثال، تهم الولايات المتحدة وليست فقط إسرائيل. منع إيران من امتلاك سلاح نووي مصلحة أميركية، والولايات المتحدة لا مصلحة لها في وجود هذا السلاح، وتُعدّ إسرائيل الأداة الأفضل للتعامل مع هذا الملف، وسيتعاونون في واشنطن مع من يشغل منصب رئيس وزراء إسرائيل، وفي هذه الحالة نتنياهو.

ما أقصده هو أنني شخصيًا لا آخذ قصة الإعجاب الشخصي بعين الاعتبار. هناك كتاب للصحفي الإسرائيلي باراك رافيد، أجرى خلاله مقابلة مع دونالد ترامب، وتحدث فيها بحرية، وشتم نتنياهو عدة مرات، واستخدم كلمات بذيئة جدًا بحقه، وأعتقد أنه كان صريحًا في تلك المقابلة. لذلك، فالقضية الشخصية ليست مركزية برأيي، إذ إن هناك قضايا أكبر ومصالح هي التي تقرّب الرجلين من بعضهما.

وبكل الأحوال، الامتحان الكبير، حسب رأيي، لعلاقتهما سيكون بعد نهاية عام 2026، في انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وفي الانتخابات الإسرائيلية. فإذا فاز نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية، وفي المقابل خسر دونالد ترامب، كما هو متوقع، في انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وأصبح في موقع الأقلية داخل الكونغرس، ففي هذه الحالة سيكون بإمكان دونالد ترامب أن يبتعد قليلًا عن نتنياهو بشكل علني. وإذا ابتعد عنه، فهذا بالنسبة لي سيؤكد وجود تنافر واضح بين الرجلين في طبيعة العلاقة بينهما.

  • قبل أيام، تحدث نتنياهو عن نيته الوصول إلى "صفر مساعدات" أميركية، بالتزامن مع خطاب داخلي له عن "سوبر إسبرطة"، جاء ذلك في سياق صعود تيارات انعزالية داخل السياسة الأميركية. فهل يمكن الحديث عن موقف موحد داخل تيار "ماغا" تجاه إسرائيل؟ وهل يمكن أن يقود ذلك فعلًا إلى تصدّع في هذا التحالف الاستراتيجي أو إلى تقليل الاعتماد المتبادل؟

بكل تأكيد، هذا الأمر مرتبط بصعود التيار الانعزالي في الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة بشكل عام. نتنياهو وأصدقاء إسرائيل في أميركا يعرفون أن إحدى النقاط التي تُطرح لإحراج إسرائيل والتحالف معها هي: لماذا يحصل الإسرائيليون على أربعة مليارات دولار سنويًا من الولايات المتحدة، في حين أن إسرائيل، في عام 2026، دولة غنية جدًا، وأغنى من بعض الولايات الأميركية نفسها؟ ويُطرح السؤال: لماذا نستثمر كل هذه الأموال في دولة غنية؟ خاصة أن حرب الإبادة شهدت استثمارًا مباشرًا تجاوز 30 مليار دولار، وهذه أموال دافعي الضرائب الأميركيين، التي تأتي على حساب حقوقهم والبنى التحتية، وكل هذه الأمور التي تفتقر إليها الولايات المتحدة حاليًا. هناك إحراج كبير جدًا تشعر به إسرائيل وداعموها كلما طُرح هذا الموضوع، وهذه إحدى الطرق التي يردّ بها نتنياهو على هذه القضية.

قبل فترة، نشرت صحفية إسرائيلية خطابًا لنتنياهو يعود إلى عام 1996، عندما كان رئيسًا للوزراء لأول مرة، قال فيه: "خلال فترة حكمي، وفي السنوات المقبلة، سنعمل على إنهاء الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل". قال هذا الكلام قبل ثلاثين عامًا، ومن يعرف نتنياهو لن يتفاجأ؛ إذ يمكن القول بصراحة إنه شخص كاذب، ويُعرف عنه استخدام الكذب لخدمة مصالحه السياسية.

إسرائيل، من الناحية المادية، بإمكانها فعل ذلك؛ فعلى الرغم من أن الأربعة مليارات دولار تبقى مهمة حتى لدولة غنية مثل إسرائيل، فإن بإمكانها عمليًا إيجاد طرق بديلة للحصول على هذا الدعم، أو أن تدفع ثمن هذه الأسلحة. لكن العلاقة الأميركية–الإسرائيلية أعمق وأكثر تعقيدًا من دعم مادي سنوي بقيمة أربعة مليارات دولار أو غيره.

اليوم، كدولة غنية، تحتاج إسرائيل إلى الدعم الأميركي في الأمم المتحدة أكثر مما تحتاج إلى أربعة مليارات دولار. غير أن هذه الشبكة كلها مترابطة. بإمكان إسرائيل أن تتنازل عن الأربعة مليارات دولار، لكن في المقابل، إذا أراد المجتمع الدولي معاقبة إسرائيل على الاستيطان، ولم ترفع الولايات المتحدة يدها باستخدام الفيتو ضد مثل هذا القرار، فستواجه إسرائيل عقوبات اقتصادية كبيرة جدًا، أكبر بكثير من الأربعة مليارات التي تحصل عليها من الولايات المتحدة.

ما أريد قوله هو أن العلاقة أكثر تعقيدًا من مسألة أربعة مليارات أو خمسة مليارات، أو ما إلى ذلك. لكن لا يستطيع نتنياهو أو داعمو إسرائيل في الولايات المتحدة التحدث بهذه الطريقة، لأن ذلك يكشف الضعف الاستراتيجي لإسرائيل، أو اعتمادها الاستراتيجي على الولايات المتحدة. وإذا كانت إسرائيل تعتمد على الولايات المتحدة، فلماذا لا تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأميركية؟ هذا سيكون السؤال التالي من قبل تيار "ماغا" أو التيار الانعزالي.

خاصة أن الحرب الأخيرة كشفت، إلى جانب البعد الأخلاقي، مساهمة إسرائيل في عدم الاستقرار في الشرق الأوسط ككل، وعدم الاستقرار هذا يُجبر الولايات المتحدة على التدخل في الإقليم. على سبيل المثال، كثير من الأميركيين لا يفهمون لماذا يجب على الولايات المتحدة قصف الحوثيين في اليمن؛ أولًا لأن الشعب الأميركي يفضل أن تُستثمر هذه الأموال في الداخل الأميركي، وثانيًا لأن العالم تغيّر عمّا كان عليه قبل 30 أو 40 أو 50 عامًا. فإذا كانت الولايات المتحدة تستفيد من باب المندب، وهي الحجة المستخدمة للضربات الأميركية تحت شعار الحفاظ على حرية الملاحة، فإن أميركا كانت سابقًا تستفيد من باب المندب، لكن المستفيد الأول اليوم هو الصين، وليس الولايات المتحدة؛ فالصين هي التي تتاجر مع الدول في أفريقيا. وعمليًا، عندما تتاجر الولايات المتحدة مع أوروبا، فإنها تفعل ذلك عبر المحيط الأطلسي، وليست بحاجة إلى باب المندب وقناة السويس. أما الصين فهي التي تحتاج إلى باب المندب وقناة السويس، ولذلك يقول الأميركيون: لماذا نقوم بكل هذه الأعمال؟ اتركوا الصينيين يستخدمون أموالهم وعتادهم ورجالهم للقيام بذلك.

عمليًا، أصبحت الولايات المتحدة تسدد خدمات استراتيجية للصين، بسبب التزامها بإسرائيل على سبيل المثال. وهناك من يربط بين هذه القضايا داخل الولايات المتحدة، وإسرائيل وداعميها لا يملكون جوابًا مقنعًا لكل هذه الطروحات. فيكون الرد أن إسرائيل، خلال سنوات قليلة، ستتخلى عن الدعم الاقتصادي الذي تحصل عليه. ولا أعتقد أن هذا سيحدث؛ فهذا مجرد كلام لتخفيف الضغط.

ما تحصل عليه إسرائيل من هذا الدعم المادي هو أكثر بكثير من مجرد أربعة مليارات دولار؛ فهو يشمل تكنولوجيا عسكرية، ودعمًا في الأمم المتحدة، وفتح علاقات وشبكة علاقات مع دوائر صناعية وعسكرية في الولايات المتحدة، وما إلى ذلك، وهي أمور أكبر بكثير من أربعة مليارات دولار.

  • بعد عام طويل من حكم ترامب، اتسم بخطاب عدواني، وترافق مع حديث متزايد في الصحافة عن استعادة مبادئ إمبريالية صريحة.. ماذا ينتظر المنطقة والقضية الفلسطينية في الأعوام المتبقية من ولايته؟

من الواضح جدًا أن ترامب غير معني بالاستثمار كثيرًا في الشرق الأوسط. فقد وضع نصب عينيه منطقتين أساسيتين: أولًا، "الباحة الخلفية" للولايات المتحدة، أي أميركا اللاتينية وأميركا الوسطى، مع التقليل من الاعتماد على التدخلات حول العالم، والتركيز على المناطق القريبة من الولايات المتحدة بشكل خاص. ويرتبط هذا التوجه بملفين مهمين جدًا: الملف الأول هو الهجرة غير النظامية إلى الولايات المتحدة، والملف الثاني هو المخدرات، خاصة بعد إعلانه الحرب على المخدرات التي تدخل إلى الولايات المتحدة. وإذا أراد التعامل مع هذين الملفين، فسيُجبر على تركيز جهوده في المناطق المحاذية للولايات المتحدة، أي المكسيك، وفنزويلا، وكولومبيا.

الملف الثاني هو الصين؛ فهي بالنسبة للأميركيين الغريم الأول، وصعودها يزعج الولايات المتحدة، التي تشعر بأنها بحاجة إلى البدء بالسيطرة عليها أو منعها من التمتع بالهيمنة التي بدأت خلال السنوات الماضية، خاصة عبر التجارة وبناء شبكة علاقات حول العالم. هذا الأمر يثير قلق الأميركيين على المدى البعيد، ولذلك سيكون التركيز عليه أكبر، لا سيما مع شروع الصينيين في الحديث أكثر عن احتلال تايوان وضمّها بشكل رسمي.

على مستوى المنطقة، سيترك ترامب الأمر لإسرائيل وحلفائه، وهدفه الرئيسي هو اتفاقيات أبراهام، وطبعًا درة التاج هي السعودية. هو يعتقد أنه، بسبب علاقاته الجيدة جدًا مع إسرائيل من جهة، والسعودية من جهة أخرى، بإمكانه الوصول إلى اتفاقية ما بين الطرفين. لكن كما نرى، على الأقل حاليًا، تبقى القضية الفلسطينية عائقًا أمام الوصول إلى هذه الاتفاقية، ويبقى السؤال: إلى أي مدى هو مستعد للضغط على الطرفين لتقديم تنازلات في هذا الموضوع، وماهية التنازل الذي يمكن أن يُقدَّم؟

لذلك، شخصيًا لا أتوقع أن تكون هناك تحولات كبيرة في هذا الملف قبل انتخابات عام 2026، سواء الانتخابات الإسرائيلية أو الانتخابات الأميركية. ففي عام 2026، ستوضع القضية الفلسطينية في حالة تجميد، وبعد الانتخابات التي ستجري، سواء أفضت إلى حكومة إسرائيلية جديدة أم لا، وكذلك بحسب وضع ترامب في واشنطن ونتائج الانتخابات الداخلية، سيتم البتّ والنظر في هذا الموضوع بشكل أكبر.

الكلمات المفتاحية

الناطق باسم حماس حازم قاسم لـ"الترا فلسطين": عملية تسليم الحكم في قطاع غزة جاهزة

الناطق باسم حماس حازم قاسم لـ"الترا فلسطين": عملية تسليم الحكم في قطاع غزة جاهزة

شدد حازم قاسم على أن حماس "لم تتلقَّ حتى اللحظة تصورًا متكاملاً وشاملاً ونهائيًا من قبل الوسطاء، فيما يتعلق بملف السلاح"


فلسطين وعام ترامب الأول | أنطوان شلحت: العلاقة بين ترامب وإسرائيل استراتيجية ثابتة والخلافات للاستهلاك الداخلي

فلسطين وعام ترامب الأول | أنطوان شلحت: العلاقة بين ترامب وإسرائيل استراتيجية ثابتة والخلافات للاستهلاك الداخلي

أنطوان شلحت: العلاقة بدأت كعلاقة استراتيجية منذ ولاية ترامب الأولى. ونذكر أنه في الولاية الأولى، اتخذت الإدارة الأميركية خطوات مؤيدة لإسرائيل، ولا سيما فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية، ناقضت بها قرارات إدارات سابقة


حوار | هاني المصري: إدارة ترامب تريد سلطة مجوفة من دورها التمثيلي والوطني

فلسطين وعام ترامب الأول | هاني المصري: إدارة ترامب تريد سلطة فلسطينية مجوفة من دورها التمثيلي والوطني

بعد عام على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في فترة رئاسية ثانية، تتّضح ملامح مقاربة أميركية تقوم على تجاوز القيادة الفلسطينية، وتجويف دور السلطة الفلسطينية، والتعامل مع الفلسطينيين كأفراد واحتياجات أمنية لا كشعب صاحب حقوق سياسية


حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟

عارف بكر: المشهد الثقافي في غزة بعد حرب الإبادة يبدو مُثقلاً بالخسارة والغياب. العشرات من المواقع الأثرية والمراكز والمؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر دُمّرت كليًا أو جزئيًا

رؤساء سابقون للشاباك يتهمون بنيامين نتنياهو بالتنصل من مسؤولية 7 أكتوبر
أخبار

رؤساء سابقون للشاباك يتهمون نتنياهو بالتنصل من مسؤولية 7 أكتوبر

أفادت القناة 12 بأن خمسة رؤساء سابقين لجهاز الشاباك وجّهوا رسالة شديدة اللهجة إلى نتنياهو ورئيس الجهاز الحالي دافيد زيني، متهمين إياه بمحاولة التنصل من المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر

مستشفى شهداء الأقصى يحذر من توقف وشيك لخدماته بسبب تعطل المولدات
أخبار

مستشفى شهداء الأقصى يحذر من توقف وشيك لخدماته بسبب تعطل المولدات

حذر مستشفى شهداء الأقصى من خطر وشيك يهدد استمرار عمله، نتيجة توقف المولد الكهربائي الرئيسي الثاني عن العمل، بعد توقف المولد الرئيسي الأول قبل ثلاثة شهور


الكاتبة الهندية البارزة أرونداتي روي تنسحب من مهرجان ألماني بسبب رفضه مناقشة إبادة غزة
منوعات

الكاتبة الهندية البارزة أرونداتي روي تنسحب من مهرجان ألماني بسبب رفضه مناقشة إبادة غزة

انسحبت الكاتبة أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي الدولي بعد أن صرح رئيس لجنة التحكيم في المهرجان بأن على صناع الأفلام الابتعاد عن السياسة

نيكولاي ملادينوف يتبنى الموقف الإسرائيلي: "البداية في نزع سلاح غزة"
أخبار

نيكولاي ملادينوف يتبنى الموقف الإسرائيلي: "البداية في نزع سلاح غزة"

ذكر ملادينوف "ضرورة حصول السلطة الانتقالية على السيطرة المدنية والأمنية الكاملة على غزة، وأن تحقيق ذلك يتطلب استكمال نزع سلاح جميع الفصائل الفلسطينية التي تمتلك أسلحة"

الأكثر قراءة

1
قول

قصّة انقلاب مُعلن.. قراءة في قرارات الكابينيت الإسرائيلي بالضفة الغربية


2
تقارير

وجوه في الثلاجة: رحلة غزة للبحث عن هوية الشهداء


3
تقارير

انتخابات حماس | مصادر لـ"الترا فلسطين": توجه لتأجيل انتخابات رئاسة الحركة للعام القادم


4
تقارير

مصادر لـ"الترا فلسطين": طلب إسرائيلي بإغلاق 2000 حساب في بنك فلسطين وكشف معلومات عن حسابات السلطة والصندوق القومي


5
تقارير

شهادة لـ"الترا فلسطين": قيود وتنكيل بالعائدين عبر معبر رفح من الاحتلال وبمشاركة ميليشيا "أبو شباب"