فلسطين 2025 | القيود الإسرائيلية تعطل أي مسار حقيقي للتعافي الصحي في قطاع غزة
30 ديسمبر 2025
أن يمرض الفلسطيني في غزة، فهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة؛ حيث لا أدوية، ولا أجهزة طبية، ولا أسرّة شاغرة، في ما تبقى من مستشفيات شبه منهارة، وطواقم طبية منهكة ومستنزفة، بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية، التي كانت خلالها المنظومة الصحية في بؤرة الاستهداف الممنهج.
باتت مشاهد تكدّس المرضى وجرحى الحرب في ممرات المستشفيات مشهدًا مألوفًا ومأساويًا في آن، بعدما وصل الإشغال داخل الأقسام إلى نسب خطيرة تناهز 400%، لتصل معها المنظومة الصحية إلى "حافة الانهيار"، واضطرت مستشفيات حكومية وميدانية إلى إعلان توقف الكثير من خدماتها.
وآخر هذه المستشفيات كان مستشفى الكويت التخصصي الميداني، أكبر المستشفيات الميدانية في قطاع غزة، الذي أعلن إيقاف جميع العمليات الجراحية، المجدولة والطارئة، نتيجة العجز الحاد في المستلزمات الطبية الأساسية، وفي مقدمتها أدوية التخدير، والمحاليل الطبية، ومواد ومستلزمات التعقيم، والأدوات الجراحية الضرورية، وذلك في ظل استمرار إغلاق المعابر، ومنع الاحتلال إدخال الأدوية والمعدات الطبية.
دخل اتفاق وقف إطلاق النار شهره الثالث، إلا أن الاحتلال يمعن في الضغط على المدنيين، ويفرض قيودًا من شأنها عرقلة قدرتهم على استعادة حياتهم، ومن ذلك القيود على الإمدادات الطبية، حيث يسمح بدخول أقل من 30% من شاحنات المساعدات الطبية
واقع مأساوي
يقول مدير مستشفى الكويت التخصصي، الطبيب صهيب الهمص، لـ"الترا فلسطين"، إن قرار إيقاف العمليات يأتي في ظل واقع مأساوي يشهد تكدسًا لمئات الحالات على قوائم الانتظار في مختلف التخصصات الطبية، ما يعني حرمان آلاف المرضى والجرحى من حقهم في الرعاية الصحية، وتلقي الخدمات الطبية النوعية، وهو ما يفاقم الكارثة الصحية والإنسانية التي يعيشها النازحون في القطاع.
وتدفع تداعيات الأوضاع الخطيرة الناجمة عن الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار الحصار والقيود الإسرائيلية على إدخال الأدوية والأجهزة الطبية والوفود التخصصية، المستشفيات إلى وقف جزئي لخدماتها الطبية، وفقًا للهمص.
وشهد العام 2025 التوصل إلى اتفاقين لوقف إطلاق النار؛ الأول في 19 كانون الثاني/يناير، وانهار إثر استئناف الاحتلال الحرب في 18 آذار/مارس، والثاني دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر، ويوصف بأنه "هش"، ولم يشعر معه الغزيون بتغيير حقيقي في حياتهم، مع استمرار الخروقات الإسرائيلية وجرائم القتل التي أودت بحياة أكثر من 400 شهيد، وأكثر من ألف جريح، فضلًا عن استمرار احتلال معبر رفح البري، ومنع الجرحى والمرضى من السفر لتلقي العلاج.
ويقول الهمص إنه من دون تدخل عاجل وفوري من الهيئات الدولية الإنسانية والصحية، والضغط على الاحتلال لكسر الحصار وإدخال الأدوية والمستلزمات الصحية، فإن انهيارًا كليًا للمنظومة الصحية سيصبح واقعًا، وستحدث كارثة تودي بحياة الآلاف.
استغاثة بلا استجابة
ولم تتوقف وزارة الصحة عن إطلاق نداءات الاستغاثة، الممتزجة بأنين المرضى والجرحى على أسرّة متهالكة في المستشفيات، وعلى فرشات مهترئة في ممراتها، وأرواحهم معلّقة بين الموت والحياة، حيث لا تتوفر للكثير منهم علاجات في المستشفيات، لعدم توفر الكوادر المتخصصة، والأجهزة الطبية، والأدوية.
وتقول دائرة الصيدلة في وزارة الصحة إن مخازن الوزارة تعاني "تدهورًا خطيرًا في الأرصدة الدوائية"، وبحسب مدير الدائرة علاء حلس، فإن "المنظومة الصحية تشهد حالة من الاستنزاف الخطير وغير المسبوق، بعد عامين من الحرب والحصار المطبق، ما أدى إلى انخفاض حاد في قدرتها على تقديم الخدمات التشخيصية والعلاجية، وانخفاض كبير في أرصدة الأدوية، والمستهلكات الطبية، والمواد المخبرية".
وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن الوزارة حول واقع الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية إلى وضع متدهور وخطير؛ إذ بلغ عدد الأصناف الصفرية من قائمة الأدوية الأساسية 321 صنفًا، بنسبة عجز 52%، فيما بلغ عدد الأصناف الصفرية من قائمة المستهلكات الطبية 710 أصناف، بنسبة عجز 71%، بينما بلغت نسبة العجز في قوائم الفحوصات المخبرية وبنوك الدم 59%.
وتركّزت أهم معدلات العجز الدوائي، وفقًا لحلس، في خدمات الطوارئ، خاصة المحاليل الوريدية المنقذة للحياة، إضافة إلى المضادات الحيوية الوريدية، والمسكنات.
مخزون صفري
دخل اتفاق وقف إطلاق النار شهره الثالث، إلا أن الاحتلال يمعن في الضغط على المدنيين، ويفرض قيودًا من شأنها عرقلة قدرتهم على استعادة حياتهم، ومن ذلك القيود على الإمدادات الطبية، حيث يسمح بدخول أقل من 30% من شاحنات المساعدات الطبية، ويتعمد ألا تلبي هذه الكميات الحاجة والأولويات، فضلًا عن منعه دخول الوفود الطبية التخصصية.
ومنذ بداية العام 2025، يفقد يوميًا ما بين 12 و15 مريضًا حياتهم، جراء نقص الأدوية والأجهزة الطبية، والقيود الإسرائيلية المفروضة على سفر المرضى والجرحى للعلاج في الخارج، وفقًا لمدير دائرة المعلومات الصحية في وزارة الصحة، المهندس زاهر الوحيدي، لـ“الترا فلسطين”.
ويوضح الوحيدي أن أكثر الخدمات الطبية تأثرًا بالواقع الدوائي المتدهور هي الجراحات، والرعاية الصحية الأولية، وخدمات السرطان، والأم والطفل. ويشير إلى أن مرضى السرطان وأمراض الدم يتهددهم الخطر الأكبر، نتيجة عجز بنسبة 74% في الأدوية الخاصة بهم، ويقدَّر عددهم بنحو 10 آلاف مريض، فيما تُقدَّر نسبة العجز في أدوية الرعاية الصحية الأولية بنحو 64%، وتشمل نحو 350 ألف مريض يعانون أمراضًا مزمنة، كالضغط، والسكري، وأمراض القلب، إضافة إلى علاجات الأطفال.
ونتيجة عجز بنسبة 71% في المستهلكات الطبية، يشير الوحيدي إلى انعكاسات خطيرة على الخدمات الصحية، أبرزها توقف خدمات جراحة القلب المفتوح والقسطرة القلبية بنسبة 100%، وتوقف جراحات العظام بنسبة 99%، وتوقف خدمات غسيل الكلى بنسبة 67%.
وفي مؤشر على العرقلة الإسرائيلية والقيود المفروضة على إدخال الإمدادات الطبية، يقول الوحيدي إن نسبة العجز في المستهلكات الطبية كانت قبل اتفاق وقف إطلاق النار 68%، وارتفعت بمعدل 3% منذ 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
ولا تزال دولة الاحتلال، بحسب تأكيد الوحيدي، تفرض قيودًا مشددة على جميع احتياجات المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، بما في ذلك الزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مولدات الكهرباء، وقطع الصيانة الخاصة بسيارات الإسعاف، والأجهزة الطبية المتهالكة.
حرب على المنظومة الصحية
نتيجة سياسة الاستهداف الممنهج للمنظومة الصحية، يشير توثيق المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن 38 مستشفى و96 مركزًا للرعاية الصحية تعرّضت للقصف أو التدمير، أو خرجت عن الخدمة، فضلًا عن استشهاد نحو 1670 شخصًا من أفراد الطواقم الطبية، واعتقال 362 آخرين، أبرزهم خلال العام 2025 مدير المستشفيات الميدانية الدكتور مروان الهمص، الذي اختطفته قوات الاحتلال في عملية خاصة بمنطقة المواصي، ولا يزال رهن الاعتقال، فيما أُطلق سراح ابنته، الممرضة تسنيم، بعد شهرين من اختطافها في عملية مماثلة.
وانخفضت معدلات القتل بالنيران، غير أن مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، الدكتور إسماعيل الثوابتة، يؤكد لـ"الترا فلسطين" أن "القتل لم يتوقف عبر الأمراض، والقيود المفروضة على إدخال الإمدادات الطبية، ومنع سفر نحو 22 ألف جريح ومريض للعلاج في الخارج".
ويقول الثوابتة إن الاستهداف الممنهج للقطاع الصحي أدى إلى إضعاف قدرته التشغيلية والعلاجية إلى مستويات غير مسبوقة، وجعله يعمل في حالة طوارئ دائمة، بقدرات محدودة، وضمن بيئة غير آمنة، في ظل تدفق أعداد هائلة من الجرحى والمصابين، تجاوزت 171 ألف جريح، كثير منهم بحاجة إلى تدخلات جراحية معقدة أو تأهيل طويل الأمد، ما فاق الطاقة الاستيعابية المتبقية للمستشفيات.
وأدى الاستنزاف البشري الخطير، عبر القتل والاعتقال، للأطباء والعاملين في المنظومة الصحية، إلى فجوة حادة في الكوادر المتخصصة، لا سيما في مجالات الجراحة، والعناية المركزة، والتخدير، والطوارئ، وأجبر العاملين المتبقين على العمل تحت ضغط نفسي وجسدي هائل، ولساعات طويلة، وفي ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة المهنية.
وعلى عكس المتوقع، يؤكد الثوابتة أن فترات التهدئة لم تُنهِ الأزمة الصحية، بل كشفت عمقها؛ فالتدمير الواسع للبنية التحتية، واستمرار الحصار، ومنع إدخال الاحتياجات الطبية، أبقى المستشفيات في حالة إنهاك دائم، تعمل بأجهزة متهالكة، ومخزون شبه منعدم، وكوادر مستنزفة ومرهقة.
ويقول إن "التهدئة لم تُتح للقطاع الصحي فرصة للتعافي أو إعادة البناء، بل استُخدمت كفواصل زمنية قصيرة لإدارة الكارثة، لا لإنهائها، في ظل استمرار الاحتلال في التحكم بالمعابر، ومنع الإمدادات، وتعطيل أي مسار حقيقي للتعافي الصحي".
ويختم الثوابتة بالتأكيد على أن القطاع الصحي يقف اليوم أمام تحديات وجودية، تتمثل في إعادة تشغيل وإعمار المرافق الصحية المدمّرة، في ظل خسائر مباشرة تُقدَّر بنحو 5 مليارات دولار، وتعويض النقص الحاد في الكوادر الطبية، وإعادة تأهيل الطواقم التي تعرضت لإصابات أو صدمات نفسية شديدة، وضمان تدفق منتظم للأدوية والمستهلكات الطبية والوقود، ووقف سياسة المنع والتجويع الطبي، والتعامل مع الأثر التراكمي للإصابات البالغة، والبتر، والإعاقات، وما يتطلبه ذلك من برامج تأهيل طويلة الأمد غير متوفرة حاليًا، ومنع انهيار ما تبقى من المنظومة الصحية، في ظل استمرار الحصار وغياب أي ضمانات بعدم تجدد العدوان.
الكلمات المفتاحية
بعد عامين من الإغلاق.. سوق الزاوية في غزة يستقبل شهر رمضان
قبيل شهر رمضان اكتست أزقة سوق الزاوية الشعبي، بالفوانيس والأهلّة المضيئة وتفوح بين زوايا الدكاكين القديمة رائحة الأعشاب الطبيعية العطرية والتوابل التي تحفز الحواس ويتردد على مسامع المتجولين في السوق الأغاني التراثية الرمضانية
صانع البهجة في زمن الوجع: حكاية "فريق المهرج الطبي" في مستشفيات غزة
خلف الأنف الأحمر المستعار والابتسامة المرسومة بعناية، يخفي المهرج مراد مراد الذي يحب أن يعرف بـ"عمو مروش" حكايات من الألم
عائلة سمارة ترفض دفن طفلها علي وتطالب بالإفراج عن سامر ومحاسبة مطلقي النار
سامر سمارة كان مطلوبًا للاحتلال منذ عام 2017، بعدما اعتقل مصابًا ونُقل للعلاج في مستشفى العفولة، وتمكن لاحقًا من الهرب
قرأ 50 صفحة.. نتنياهو يهاجم المؤسسة الأمنية في الكابينت بشأن 7 أكتوبر
أقدم نتنياهو على توجيه انتقادات حادة للجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات، متهمًا إياهما بالتقصير والإهمال على مدى فترة طويلة، بدل التفرغ لبحث التحديات المرتبطة بإيران
80 دولة ومنظمة تدين التوسع الاستيطاني وإجراءات الضمّ في الضفة الغربية
بيان لـ80 دولة ومنظمة: "ندين بكل قوة القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية، والتي تهدف إلى توسيع الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية".
أكسيوس: 50 طائرة أميركية مقاتلة نُقلت إلى المنطقة خلال الساعات الـ24 الماضية
مسؤول أميركي قال إن المحادثات النووية مع إيران أحرزت "تقدمًا"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن "الكثير من التفاصيل لا تزال قيد النقاش".
المرحلة الأولى من خطة "تسوية الأراضي": تهويد 510 آلاف دونم من مناطق "ج"
قرار حكومة الاحتلال هو جزء من خطة استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تعريف الوضع القانوني للأراضي في الضفة الغربية عبر تحويلها إلى "أملاك دولة".