فلسطين 2025 | قطاع غزة والجوع الذي غيّر اسمه ولم يرحل
25 ديسمبر 2025
في خيمة مهترئة على أطراف مدينة دير البلح، تُقسّم أمٌّ رغيف خبز إلى أجزاء صغيرة. لا تفعل ذلك لأن أطفالها أربعة، بل لأن الوجبة القادمة غير مضمونة. لا أحد يموت جوعًا اليوم، لكن الجميع يعرف أن الجوع يقيم هنا. هكذا تبدو غزة في عام 2025 بلا إعلان رسمي عن المجاعة، لكنها مثقلة بأجسادٍ أنهكها نقص الغذاء، وبأجيالٍ تدفع ثمنًا مؤجّلًا لما يُسمّى "تحسّنًا".
في كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلنت مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) أن المجاعة لم تعد قائمة في قطاع غزة، بعد تحسّن وصول الإمدادات الغذائية الإنسانية والتجارية عقب وقف إطلاق النار الهش الذي دخل حيّز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر. غير أن هذا الإعلان لم يكن نهاية القصة، بل بدايتها الأكثر تعقيدًا.
ترحّب وكالات الأمم المتحدة بإعلان انتهاء المجاعة، لكنها لا تتوقف عنده. تحذيرات منظمة الصحة العالمية، والأونروا، واليونيسف، تتقاطع عند نقطة واحدة: ما تحقق هشّ وقابل للانهيار في أي لحظة.
إعلان بلا نهاية
التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي مرصد عالمي يعتمد معايير تقنية صارمة لتوصيف المجاعة. وحين قال إن "لا مناطق مصنّفة ضمن المجاعة" في غزة، كان يلتزم بتعريف محدد: انخفاض نسب الجوع الحاد والوفيات المرتبطة به عن الحدود المعتمدة دوليًا.
لكن المرصد نفسه حذّر من أن الوضع "قابل للانهيار عند أول اختبار سياسي"، وأن أسوأ السيناريوهات، تجدد القتال أو توقف تدفّق المساعدات، قد يدفع قطاع غزة بأكمله إلى المجاعة حتى منتصف نيسان/أبريل 2026. بعبارة أخرى، لم تُحلّ الأزمة، بل جرى تثبيتها عند الحد الأدنى للبقاء.
أرقام لا تُشبع
وراء مصطلح "لا مجاعة" تختبئ أرقام ثقيلة. وفق تقرير IPC الأخير، يواجه ما لا يقل عن 1.6 مليون شخص، أي نحو 77% من سكان غزة، مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد. أكثر من 100 ألف طفل، و37 ألف امرأة حامل ومرضعة، يُتوقع أن يعانين من سوء تغذية حاد حتى نيسان/أبريل المقبل.
هذه الأرقام لا تعبّر عن نقصٍ عابر في السعرات الحرارية، بل عن مسار طويل من التدهور الصحي والاجتماعي، حيث بات الطعام حاضرًا بكميات لا تكفي، أو بأسعار لا تُحتمل.
محسن الحواري، نازح من شرق المغازي إلى دير البلح، يروي تفاصيل هذا التحوّل القاسي وهو يطهو بعض البطاطا والباذنجان على نار خفيفة. يقول إن هذا الطعام "كان قبل وقف إطلاق النار يساوي وزنه ذهبًا". يتوقف قليلًا ثم يضيف: "نعم، انتهت المجاعة، لكننا الآن أمام تحدٍّ آخر، العمل والمردود المادي للشراء. الطعام موجود، لكن القدرة على الوصول إليه ما زالت نادرة". هذا التناقض يتكرر في بيوت كثيرة، حيث تحوّل الجوع من غياب الطعام إلى غياب القدرة على اقتنائه.
اقرأ/ي: كان يبحث عن الطعام لطفلته.. استشهاد لاعب كرة السلة محمد شعلان برصاص الاحتلال في خانيونس
حين يصبح الحطب ذهبًا والبلاستيك وقودًا.. غزة بين نار الاحتلال والحياة
مجاعة غزة في أوجه عديدة.. واقع يومي يكذب مزاعم "إسرائيل"
مواليد حرب غزة.. حياة تنتهي قبل أن تبدأ
الغذاء الذي لا يصل أو لا يُطال
تقول إسرائيل إن ما بين 600 و800 شاحنة تدخل غزة يوميًا، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن المتوسط أقل بكثير. المدير العام لمنظمة الصحة العالمية قدّر المعدل الفعلي بين 200 و300 شاحنة يوميًا، وفي بعض الفترات لم يتجاوز 140 شاحنة.
ولا تكمن المشكلة في العدد فقط، بل في الأولويات. وكالات إغاثة تؤكد أن الشاحنات التجارية تُعطى أولوية على الإمدادات الإنسانية، وأن كثيرًا من السلع التي تدخل تُباع في الأسواق بأسعار تفوق قدرة معظم السكان.
من شمال القطاع، تصف سارة لبد لحظة نادرة قائلة: "لم ترَ مقدار السعادة التي ظهرت على وجوه الأطفال حين دخل والدهم ببعض من البيض. كان حلمًا قبل أشهر… حلمًا فقط".
اقرأ/ي: كتب وأثاث ولوحات فنية وقودًا للنار لمواجهة المجاعة وأزمة غاز الطهي في غزة
لا نأكل لنشبع.. كيف أعاد الاحتلال تشكيل عادتنا الغذائية؟
بضائع على الرفوف وجوع في البيوت: فتح معابر غزة لا ينهي المجاعة
حين يصبح الطعام رهينة السوق
في غزة، لا يُحكم الطعام بالكميات وحدها، بل بالسوق. تقول إسلام مهنا من مدينة غزة إن "الطعام تحكمه المادة، والمادة يحكمها السوق، والسوق يحكمه التجار، والتجار تحكمهم إسرائيل". تضيف: "نحن خرجنا من المجاعة، لكننا ما زلنا على حافتها".
ومع انهيار الإنتاج المحلي، لم يعد السوق وسيطًا بين الغذاء والناس، بل صار أداة ضبط تتحكم في من يأكل ومتى وبأي ثمن. فالطعام الذي كان يُنتَج داخل غزة، ويُوزَّع عبر شبكات محلية، بات سلعة نادرة مرتبطة بتقلبات المعابر، وأولويات الاستيراد، وهوامش الربح في ظل غياب أي رقابة حقيقية.
تقول إسلام ذلك وهي تطهو، للمرة الأولى منذ شهور، الدجاج والأرز على الغاز. وجبة عادية في مكان آخر، لكنها في غزة حدث استثنائي، لا يعكس وفرة بقدر ما يعكس لحظة مؤقتة من القدرة على الشراء، في اقتصاد هشّ لا يضمن تكرارها.
الجوع الذي دمّر الأرض: تدمير الزراعة كسياسة
لم يكن الجوع في غزة نتيجة القيود على المعابر وحدها، بل ثمرة تدميرٍ شبه كامل لمنظومة إنتاج الغذاء المحلي، وعلى رأسها قطاع الزراعة، الذي شكّل قبل الحرب ركيزة أساسية في اقتصاد غزة ومصدرًا مركزيًا للأمن الغذائي في القطاع.
وفقًا لتقديرات صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فقد تضرّر نحو 86% من الأراضي الزراعية في غزة بشكلٍ كبير منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كما دُمّرت معظم البيوت البلاستيكية والآبار والحقول والبساتين بصورة شبه كاملة. وقد طال الدمار أيضًا قطاع الثروة الحيوانية، حيث أُبيدت قطعان الأبقار والأغنام والدواجن والنحل، التي كانت تشكّل مكوّنًا جوهريًا في منظومة إنتاج الغذاء في القطاع.
وقبل الحرب، كان قطاع الزراعة أحد القطاعات الإنتاجية المركزية في غزة، إذ بلغت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي عام 2022 نحو 11%، واعتمد عليه نحو 560 ألف شخص بشكل كلي أو جزئي، سواء من خلال الزراعة أو صيد الأسماك أو تربية المواشي. كما شكّلت الأراضي الزراعية نحو 41% من مساحة القطاع الكلية، وبلغت مساحة الأراضي المزروعة في موسم 2020–2021 نحو 117 ألف دونم.
لكن الهجمات الإسرائيلية الواسعة دمّرت هذه المنظومة بصورة شبه كاملة. ووفق تحليل أجرته الفاو ومركز الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة (UNOSAT)، تبيّن أنه حتى تموز/يوليو 2025 تضرّر 86% من الأراضي المزروعة بالمحاصيل، أي ما يعادل 130 كيلومترًا مربعًا من أصل 150 كيلومترًا مربعًا. وبسبب أوامر الإخلاء والقيود المفروضة على الحركة، أصبحت أكثر من 90% من الأراضي الزراعية غير متاحة للمزارعين، ولم يتبقَّ سوى 1.5% فقط من أراضي غزة قابلة للزراعة.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية أن 71.2% من البيوت البلاستيكية تضرّرت، وأن 82.8% من الآبار الزراعية لحقتها أضرار جسيمة. ووفق تقديرات البنك الدولي الصادرة في شباط/فبراير 2025، تجاوزت الخسائر التي لحقت بقطاع الزراعة ملياري دولار، فيما يحتاج إنعاش هذا القطاع إلى نحو 8.4 مليارات دولار.
أما قطاع الثروة الحيوانية، فقد تعرّض لانهيار شبه كامل. إذ لم يتبقَّ سوى 3.8% من الأبقار على قيد الحياة، و36% من الأغنام، و39% من الماعز، و1.4% فقط من الدواجن. كما نفق أكثر من 90% من النحل، وتراجع إنتاج العسل من نحو 250 طنًا سنويًا إلى أقل من 25 طنًا.
هذا التدمير الواسع لم يكن نتيجة عرضية للحرب، بل جزءًا من تفكيك منهجي للبنى التحتية المدنية الضرورية لبقاء السكان. ومع انهيار الإنتاج المحلي، أصبحت غزة تعتمد اعتمادًا شبه كامل على المساعدات الإنسانية التي تُقيَّد أو تُمنع، ما جعل الجوع بنيةً دائمة لا حالة طارئة.
الجوع كمرض طويل الأمد
في مستشفيات غزة، لا يُقاس الجوع بعدد الوفيات فقط، بل بأوزان المواليد. آلاف الأطفال وُلدوا بأوزان أقل من الطبيعي، وبعضهم بأقل من كيلوغرام واحد. خلال الأشهر العشرة الأولى من العام، عولج أكثر من 36 ألف طفل من سوء التغذية الحاد الشديد، فيما استقبلت مراكز العلاج آلاف النساء الحوامل والمرضعات.
تحذّر منظمة أطباء بلا حدود من أن أسابيع قليلة من سوء التغذية قد تترك آثارًا دائمة على التطور الجسدي والعقلي للأطفال، وتزيد من مخاطر الأمراض المزمنة مستقبلًا، في قطاع لا يعمل فيه سوى نصف المرافق الصحية جزئيًا.
بموجب القانون الدولي الإنساني، يُعد استخدام الجوع كسلاح حرب جريمة حرب. وبصفتها القوة القائمة بالاحتلال، تقع على إسرائيل مسؤولية ضمان إمداد السكان بالمواد الغذائية والطبية. غير أن القيود المفروضة على دخول المساعدات، واستهداف القدرة على الإنتاج الذاتي، شكّلا معًا منظومة ضغط ممنهجة على السكان.
وفي مارس/آذار 2025، أدى حصار كامل استمر لأشهر إلى تفاقم أزمة كانت أصلًا في ذروتها، مؤكّدًا هشاشة أي "تحسّن" لا يستند إلى ضمانات دائمة.
العالم الذي يعرف ويؤجّل
ترحّب وكالات الأمم المتحدة بإعلان انتهاء المجاعة، لكنها لا تتوقف عنده. تحذيرات منظمة الصحة العالمية، والأونروا، واليونيسف، تتقاطع عند نقطة واحدة: ما تحقق هشّ وقابل للانهيار في أي لحظة.
لدى الأونروا طرود غذائية تكفي 1.1 مليون شخص، وطحين يكفي سكان القطاع كافة، بانتظار السماح بدخولها. ولدى العالم معرفة كاملة بما يجري، لكنه يكتفي بإدارة الأزمة بدل إنهائها.
غزة في عام 2025 لا تحتاج إعلانًا جديدًا، بل قرارًا واضحًا: فتح المعابر، حماية القدرة على الإنتاج الغذائي المحلي، وتمكين الناس من حقهم الأساسي في الغذاء. إلى أن يحدث ذلك، سيبقى الجوع حاضرًا، حتى لو أُعيدت تسميته.
الكلمات المفتاحية
بعد عامين من الإغلاق.. سوق الزاوية في غزة يستقبل شهر رمضان
قبيل شهر رمضان اكتست أزقة سوق الزاوية الشعبي، بالفوانيس والأهلّة المضيئة وتفوح بين زوايا الدكاكين القديمة رائحة الأعشاب الطبيعية العطرية والتوابل التي تحفز الحواس ويتردد على مسامع المتجولين في السوق الأغاني التراثية الرمضانية
صانع البهجة في زمن الوجع: حكاية "فريق المهرج الطبي" في مستشفيات غزة
خلف الأنف الأحمر المستعار والابتسامة المرسومة بعناية، يخفي المهرج مراد مراد الذي يحب أن يعرف بـ"عمو مروش" حكايات من الألم
عائلة سمارة ترفض دفن طفلها علي وتطالب بالإفراج عن سامر ومحاسبة مطلقي النار
سامر سمارة كان مطلوبًا للاحتلال منذ عام 2017، بعدما اعتقل مصابًا ونُقل للعلاج في مستشفى العفولة، وتمكن لاحقًا من الهرب
قرأ 50 صفحة.. نتنياهو يهاجم المؤسسة الأمنية في الكابينت بشأن 7 أكتوبر
أقدم نتنياهو على توجيه انتقادات حادة للجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات، متهمًا إياهما بالتقصير والإهمال على مدى فترة طويلة، بدل التفرغ لبحث التحديات المرتبطة بإيران
80 دولة ومنظمة تدين التوسع الاستيطاني وإجراءات الضمّ في الضفة الغربية
بيان لـ80 دولة ومنظمة: "ندين بكل قوة القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية، والتي تهدف إلى توسيع الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية".
أكسيوس: 50 طائرة أميركية مقاتلة نُقلت إلى المنطقة خلال الساعات الـ24 الماضية
مسؤول أميركي قال إن المحادثات النووية مع إيران أحرزت "تقدمًا"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن "الكثير من التفاصيل لا تزال قيد النقاش".
المرحلة الأولى من خطة "تسوية الأراضي": تهويد 510 آلاف دونم من مناطق "ج"
قرار حكومة الاحتلال هو جزء من خطة استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تعريف الوضع القانوني للأراضي في الضفة الغربية عبر تحويلها إلى "أملاك دولة".