تقف المخرجة وصانعة الأفلام شروق العيلة أمام كاميرتها، تعكس ما تبقى من روحها منذ أن فقدت شريك دربها الصحفي رُشدي السراج، مواصلة عملها وفاءً لروحه، وسعيًا لإيصال رسالة مدينتها المحاصرة بصوت الضحايا.
بقوة هادئة تنعكس على ملامحها، تستعيد شروق اللحظة المفصلية التي غيّرت حياتها، وتحكي لـ"الترا فلسطين": "استشهاد حبيبي رُشدي هي اللحظة التي غيّرت كل شيء. كنت أتخيّل أن أتلقى اتصالًا يخبرني بارتقائه، لكنه استشهد وهو واقف أمامي فاتحًا يديه وأنا أحمل طفلتنا دانية. شكّل بجسده درعًا بشريًا ليمنحنا الحياة حين استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي مربعنا السكني بحزام ناري".
في اليوم العالمي للمرأة، الذي يوافق الثامن من آذار من كل عام، تمر المناسبة العالمية على نساء قطاع غزة مثقلة بذاكرة الفقد وأعباء البقاء والصمود اليومي.
تصمت شروق قليلًا أمام سيل الذكريات، ثم تضيف بصوت متماسك: "الفقد ليس مرتبطًا بمدة زمنية، بل هو ندبة ترافقك حتى في لحظات الفرح، حيث يتدفق سيل من الذكريات".
بعد استشهاد رُشدي لم تتوقف المآسي عند ذلك الحد، إذ تعرّض منزل العائلة للاستهداف، ما اضطرها للنزوح جنوبًا إلى مدينة رفح. ورغم قسوة النزوح والفقد، قررت العودة إلى عملها الصحفي الميداني. تقول: "لو أن كل شخص فقد عزيزًا عليه وتوقف عن العمل، فلن تصل رسالتنا ولن تُسمع أصواتنا. الحمد لله استطعت أن أواصل".
وعن أصعب التحديات التي واجهتها كامرأة وأم لطفلة رضيعة، تضيف: "مع اشتداد الحرب والتغطية الميدانية، كنت أضطر لترك طفلتي دانية، التي كانت بعمر سنة، مع إخواني وأخواتي في أماكن نزوحهم. كان الخوف والقلق يلازمانني دائمًا من أن يصيبها خطر القصف الإسرائيلي. فهاجس أن تعيش ابنتي فاقدةً أبويها يلاحقني لأنني فقدتُ كلتا والديّ وأنا صغيرة".
رغم الألم، واصلت العيلة مسيرتها المهنية، لتحصد الجائزة الدولية لحرية الصحافة لعام 2024 كفائزة وحيدة من العالم العربي، ونالت جائزة إيمي العالمية المرموقة (Emmy) عن فئة الأفلام الإخبارية والوثائقية، وأصدرت كتابًا باللغة الإيطالية بعنوان "Hanno ucciso habibi" (لقد قتلوا حبيبي)، تروي فيه قصتها في محاولة تربية ابنتها وحيدة وسط المجاعة وتحت نيران القصف الإسرائيلي.
تقاطع حديثنا ضحكة دانية، وتقول شروق: "لا أنظر لنفسي كامرأة مبدعة، بل أعتبر نفسي وسيلة لإيصال رسالة وطني وشعبي، وصوت وصورة زوجي رُشدي رحمه الله. ويؤلمني أن أحصل على جوائز عالمية دون مشاركة رفيق دربي".

في اليوم العالمي للمرأة، الذي يوافق الثامن من آذار من كل عام، تمر المناسبة العالمية على نساء قطاع غزة مثقلة بذاكرة الفقد وأعباء البقاء والصمود اليومي.
على طاولة رخامية متناثر عليها قوالب دائرية ومستطيلة ومربعة، تحرّك الشيف جيهان سعد الشوكولاتة الداكنة والبيضاء لتصبها في القوالب البلاستيكية المحشوة بالمكسرات ورشة جوز الهند.
تحدثت الشيف الأربعينية لـ"الترا فلسطين" بنبرة صوت هادئة: "بعدما أنهيت دراستي الجامعية بتخصص التربية الإسلامية، أطلقت العنان لحلمي بصناعة الشوكولاتة اليدوية وافتتحت مشروعي الخاص Sweet Love Chocolat. تحقق الحلم وافتتحت أول متجر شوكولاتة في قطاع غزة، وأصبح لنا علامة تجارية معروفة".
في كل قطعة تصنعها جيهان تضع شيئًا من حكايتها، وتحكي بحرقة: "لم أكن أعلم أن حرب الإبادة ستفقدني حلمي وقطعة من قلبي. حاصرنا جنود الاحتلال الإسرائيلي داخل المتجر واستخدمونا دروعًا بشرية بإطلاق وابل من الرصاص، وحرقوا المتجر وهربنا تحت القصف". تمسح دمعتها وتضيف: "لم يكتفوا بذلك، قصفوا منزلنا واستشهد ابني محمد وأشقائي، والكثير من الأحبة ما زالوا مغيبين حتى هذه اللحظة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي".
دمّر الاحتلال الإسرائيلي منزل الشيف سعد وأحرق متجر الشوكولاتة بمعداته وآلاته وقوالبه، واختلط السكر بالدم والركام.
تضع جيهان أناملها فوق بعضها البعض وتقول: "خلال الحرب انقطعت كل السبل والإمكانات لتصنيع الشوكولاتة، لكننا عدنا للعمل بأقل الموارد والإمكانات. خلال المجاعة الأولى التي عصفت بالشمال، بحثت عن بدائل للعمل عليها، فاتجهت إلى صناعة المخبوزات من البسكويت والمعمول وسبريد الشوكولاتة، وكلها بأقل الإمكانات المتاحة وباستعمال خبراتنا في التصنيع الغذائي".
وتستكمل: "تأتي أوقات أنهار فيها، ثم أقف وأستجمع قوتي، لأن أسرتي وعائلتي بحاجة إلى قوتي للوقوف ولمواصلة حلمي وشغفي وفاءً لرفقاء الدرب من ابني وإخوتي، الذين كانوا نبراس هذا الإنجاز والعمل. ورغم الدمار والقصف والنزوح المتكرر والفقد، لم أتوقف خلال حرب الإبادة. في كل مرة أقف من جديد رغم التحديات والصعوبات".
وعن أبرز الإنجازات التي حققتها، تقول بنبرة فخر: "عدت إلى عملي الأساسي في صناعة الشوكولاتة الفاخرة، وأعمل على فتح مركز تدريب لنقل الخبرة والمعرفة للسيدات لفتح مشاريعهن الخاصة، لإيصال رسالة لكل سيدة فقدت أحبتها: من أجلهم عليك النهوض وإكمال الطريق، أنتِ الأمل. المرأة الفلسطينية الغزية مثل العنقاء، كلما وقعت نهضت من جديد وكانت أقوى".

على شرشف ملون تتناثر عليه علب الألوان الزيتية والخشبية ولوحات بيضاء، يجلس الأطفال حول الرسامة آلاء الجعبري ويتخلصون من مشاعر الحرب والفقد على الورق الأبيض.
بابتسامة تحدثنا الرسامة الثلاثينية: "رسوماتي تسلط الضوء على قصص الفئات المهمشة، وعلى التحديات التي يواجهها الأطفال في واقعهم اليومي، بتحويل القضايا الحساسة إلى حكايات بسيطة وعميقة في آنٍ واحد. أستخدم الصورة واللون والحوار القصير لإيصال مشاعر معقدة بلغة قريبة".
تتنهد الجعبري وتخبرنا عن اللحظة التي غيرت حياتها: "حين خرجنا من بيتنا ولم يعد لنا مكان نعود إليه، ونحن نمشي إلى الجنوب نحو الحاجز، شعرت أنني أترك خلفي حياة كاملة. ولأنني أؤمن أن الرسم أحيانًا أصدق من الكلمات، وأن القصة المصورة قادرة على منح الصوت والمساحة والكرامة، قررت أن أكمل".
حرب الإبادة لم تفقد آلاء بيتها وفرش الألوان ورسوماتها فحسب، بل أخذت جزءًا من ذاكرتها وأفقدتها الإحساس بالاستمرارية، ذلك الخيط الذي كان يربطها بنفسها.
تتوسع حدقة عين آلاء متابعة: "أفرغت الألم بالرسومات في وقت لم أكن أمتلك فيه قلمًا ولا ورقة. الأحداث متسارعة لا تتوقف وكأن الذاكرة تُسحق تحت السرعة، لذلك أخذت عهدًا على نفسي بتحويل كل ما هو عالق في ذاكرتي إلى قصص ورسومات كي لا نصبح مجرد أرقام".
تعلم الجعبري الأطفال كيفية مزج الألوان وتقول: "أن تكوني امرأة في وسط الدمار يعني أن تحاولي حماية نفسكِ ومساحتكِ ومشاعركِ في وقت لا توجد فيه مساحات أصلًا. لا وقت للحزن، لا زاوية آمنة، لا باب يُغلق. لم يكن النهوض لحظة واحدة بطولية، بل خطوات صغيرة جدًا: نفسٌ أعمق، يومٌ إضافي أعيشه، كلمة أكتبها أو رسمة أرسمها. أحيانًا لم أنهض لأنني قوية، بل لأنني لم أملك خيارًا آخر سوى أن أحاول مرة أخرى".

سؤال يومي كان يدور في ذهن أصدقاء الكاتبة فداء أبو مريم عن حياتها التي تعيشها كامرأة تحت نيران حرب الإبادة الإسرائيلية، لتجيب عنه بنصوص شعرية وثقتها في كتابها "تركت وجهي في المرآة"، ليجوب العالم بينما فداء محاصرة في مدينة غزة.
تحدثت الكاتبة فداء قائلة: "كانت الكتابة رفاهية قبل الحرب لعملي معلمة لغة عربية، لكن الحرب حولتها إلى إسعاف نفسي وتفريغ عما فقدته فيها من نزوح وتدمير بيتي وفقدان قبر والدتي. تركت كل شيء خلفي دون وداع، وكتبته عبر نصوص شعرية".
صدر كتاب "تركت وجهي في المرآة" باللغة اليونانية والعربية، وشارك في معرض الكتاب في أثينا والشارقة، ووصل إلى حيفا وعكا ورام الله، وحصد وسام الثقافة من اتحاد الكتاب الفلسطيني، وسافر الكتاب إلى أماكن لم تصلها الكاتبة.
تختتم أبو مريم حديثها: "المرأة الغزية ليست خارقة إلى الحد الذي يجعلها خارقة، وليست مستكينة إلى الحد الذي يجعلها مثيرة للشفقة. مثلنا مثل نساء العالم، لدينا القدرة على الابتسامة وتفاصيلنا الجمالية، ونحتاج وقتًا أكثر لنحزن على ما فقدناه".
رغم الخسارات الكبيرة والندبات المؤلمة، لا تزال النساء الغزيات يتمسكن بالأمل ويكتبن حكايات صمود مستمرة.
