كل هذا النفق المظلم..
9 يوليو 2026
Photo by EYAD BABA / AFP via Getty Images
في صيرورته التاريخية الممتدة، وفي إطار الصراع ضد الحركة الصهيونية ممثلةً بنظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني، تعرض الشعب الفلسطيني وواجه العديد من التحديات المركبة، والمؤامرات التي ترمي إلى تصفية وجوده الوطني فوق أرضه. وتُعدّ لحظة البدء بتنفيذ التطهير العرقي والتهجير الجماعي منذ أواخر عام 1947، اللحظة التأسيسية للنكبة الصهيونية الكولونيالية، والإبادة الجماعية الشاملة ضد الفلسطينيين، والمستمرة بذروة وحشية ما تزال تشحذ العقيدة الأمنية الصهيونية بالإيمان القاضي بأن دماء الفلسطينيين المسفوكة هي وحدها من تكفل استمرارية وبقاء الدولة الصهيونية.
وكما كانت النكبة هي اللحظة التأسيسية للمشروع والنظام الصهيوني، فهي، في ذات الآن، كانت اللحظة التأسيسية التي مهّدت لولادة الفلسطيني الجديد، الرافض والمتصدي لآثار وتداعيات النكبة، ولم يكن ذلك بالأمر اليسير أو القصير، إذ استغرق الأمر، والتيه، والخيبة، والخوف، والظلام، واليأس، ما يقارب العشرين عامًا، تجلّت إثرها إشراقة تاريخية وكفاحية تمثّلت بمعركة الكرامة في آذار 1968، وذلك عندما تصدت بضع فصائل فدائية فلسطينية لعدوان الجيش الصهيوني على قواعد الفدائيين في محيط منطقة الكرامة الأردنية.
إن الاحتجاج لفعلٌ إنسانيٌ مطلوب في زمن الإبادة، ويرتقي أكثر في إنسانيته عندما يكون وحدويًا لا مفرقًا، ووطنيًا لا تخوينيًا، وأخلاقيًا بلا شتائم أو إساءات، والتعبير يخون، ولكن المُعبّر لا يخون
حيث بزغ من جرح الفدائي الفلسطيني، في تلك اللحظة، الملامح المضيئة للهوية الوطنية الفلسطينية المستعادة من جوف النكبة الصهيونية، والجرح هنا هو الثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان في سبيل كرامته ووجوده الإنساني الحر. جرح الهوية النازف، الذي يرفض، في نفس الوقت، أن يكون قدر الفلسطيني في هذا العالم هو الصراع والقتل والدماء، فهو لم يُولد ليكون قاتلًا، ولم يُولد ليكون مقتولًا، بل ليكون إنسانًا حرًا يعيش بكرامة وعدالة في هذا العالم.
ولكن، ما الذي فعلته معركة الكرامة بالعشرين عامًا النكبوية والمظلمة؟ وهل كانت بمثابة مواجهة مصيرية مع المستعمر الصهيوني فحسب؟ أم هي مواجهة لخطاب تذويت النكبة والخيمة والنكسة، وعدم الإيمان بقدرة الفلسطيني على النهوض والمواجهة؟
لست بصدد تضخيم ملامح التصدي البطولية لبضع فدائيين في مواجهة الجيش الذي كان يدّعي بأنه لا يُقهر، ولا أقول بأن معجزة خارقة للعادة هي التي ثبّتت قلوب الذين استُضعفوا في الأرض، بل أقول إن معركة الكرامة أحرقت خيمة النكبة، ورفضت أن تكون جزءًا من هويتها، ليشرع الفلسطيني منذ تلك اللحظة بأخذ زمام الأمل والفعل الثوري الواعي، غير أن هذا الفعل الواعي لم يستمر ولم يستدم، إثر عدة التباسات واختلالات في الرؤى السياسية مسته، بدءًا مما يُسمى بالبرنامج المرحلي، أو ما يُعرف ببرنامج النقاط العشر، في عام 1974، والذي شرّع الفلسطيني من خلاله ما تُسمى بقرارات الشرعية الدولية في خطابه السياسي، الذي بات مبتورًا تمامًا منذ الوقوع في شرك التسويات "السلمية"، دون أدنى مرجعية سياسية أخلاقية جامعة تكفل ضبط البرنامج السياسي والكفاحي لكافة المشارب السياسية الفلسطينية.
وبالرغم من الخراب الذي طال الإرادة السياسية والجماعية الفلسطينية، إلا أن تأثيرات معركة الكرامة أسست ورسمت ملامح وأبعاد الهوية الوطنية الفلسطينية، بل انتشلت الفلسطيني من النفق المظلم وخيمة اللجوء البائسة، ومنحته القدرة على إدهاش نفسه قبل أن يدهش العالم من حوله، وأصبح ثمة شعب يسعى نحو تحرره، مما أسهم في فشل وانكسار المفهومية الصهيونية التي كانت تؤمن بأنه ليس هناك شيء أو جماعة يُطلق عليها الشعب الفلسطيني.
وها هو الفلسطيني اليوم يعيش الإبادة الجماعية ويُقتل فيها، كما لو أنها حدث طارئ وشديد الوحشية يمارسه النظام الصهيوني في سبيل الدفاع عن وجوده، كما أوهم العالم، للأسف، حيث إن الإبادة، كالاستعمار، ليست حدثًا، بل بنية شاملة وعاتية، وعلة كل شيء، بما في ذلك هذا النفق المظلم الذي يعمه الفلسطينيون في كل مكان.
وقد يقول البعض إن ثمة فرقًا بين معركة الكرامة التي انتشلت الفلسطينيين من نفق النكبة المظلم، وبين معركة طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، التي أعادت وزجّت بالشعب الفلسطيني في أعماق نفق أشد ظلامًا وبؤسًا، ولكن كلتا المعركتين كانتا في مواجهة المستعمر الصهيوني، أصل العلة والبلاء، ولا يمكن التخفيف من الأهوال الرهيبة التي انتهجها النظام الصهيوني في خضم رده الفاشي على جرأة الفلسطيني في توجيه صفعة مؤلمة لعقيدته الأمنية، إذ دُمّرت غزة وأبيدت، وكما واجهت المقاومة الباسلة جيش المستعمر الجرار بأنفاقها الكفاحية، فقد قام الصهيوني بإقحام الفلسطيني في ذات النفق، لا لشيء سوى لتذويت الإبادة في داخله، وكسره، وتأبيد زمنه، وربطه بزمن الإبادة بكافة مستوياتها، أي كيّ وعيه، وحرق قلبه، وتمزيق معجمه الوطني. وهذا لا يعني بالضرورة أن العديد من أبناء غزة المحتجين على كيفية التعبير والتوصيف عما جرى ويجري من إبادة بحقهم قد هزمتهم الإبادة، وأطفأت بصيص أملهم بالنضال والصمود والأمل، بل على العكس تمامًا، إنهم يحتجون بكل مرارة وألم على ما أصابهم من فقدان وجراح بالغة الألم والوحشية، مطالبين، في ذات الآن، بإعادة صياغة الخطاب السياسي والوطني الفلسطيني، وإعادة الاعتبار للإنسان كقيمة وروح وجسد وحلم وأمل وأسرة.
إن الاحتجاج لفعلٌ إنسانيٌ مطلوب في زمن الإبادة، ويرتقي أكثر في إنسانيته عندما يكون وحدويًا لا مفرقًا، ووطنيًا لا تخوينيًا، وأخلاقيًا بلا شتائم أو إساءات، والتعبير يخون، ولكن المُعبّر لا يخون، بل يسعى نحو الاحتجاج هو الآخر في سبيل الخروج من كل هذا النفق المظلم؛ نفق الإبادة والركام والدماء، فالكرامة ستنبعث من ذات النفق الذي سيستحيل رحمًا سنولد منه جميعًا أحرارًا ومتساوين مع كل العالم.
الكلمات المفتاحية
هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟
الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له
في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم
في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر
نحو صياغة عهد تربوي جديد
إن فكرة المعهد الوطني التربوي، ضرورة وطنية ملحّة، فما نراه من ارتجالية في رسم السياسات التعليمية، ينذر بذهابنا في التعليم إلى هناك.
تحقيق: إسرائيل تداولت في مستويات رسمية كذبة اختلقها حساب هندي
بدأ التصريح الكاذب من حساب هندي قومي ثم عاد إلى الهند نفسها باعتباره خبرًا أكده الإعلام الإسرائيلي
مصادر التعليم المفتوحة: اعتراضات واسعة والوزارة تؤكد مضيها في التنفيذ
شهدت المنصات الرسمية لوزارة التربية والتعليم حملة ترويجية ونشرًا مكثفًا لمقاطع فيديو تستعرض حصصًا دراسية تعتمد نظام مصادر التعليم المفتوحة
ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية
هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق الذي يتيح إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة
تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي