ultracheck
قول

كيف غيرتنا الإبادة؟

6 مايو 2026
الإبادة الجماعية في غزة
عامر المصري
عامر المصري كاتب فلسطيني

عندما يفقد الإنسان شخصًا يحبه، يودّع معه جزءًا خفيًا من نَفسه، وهو جزءٌ لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولكنّه يُحَسُّ مع مرور الأيام، حتى يكاد يكون ظاهرًا تمامًا لولا أنه غير مادي، أي ليس جزءًا من الجسد. كذلك الحال عندما يتعلّق الأمر بالبيت، والحارة، والشارع، والمكان المفضل. لذلك، عندما نقول إن الإبادة غيرتنا، فنحنُ نقصد أننا بعدها لم نعد كما قبلها، على الرغم من أنّ الظاهر يشير إلى أشخاصٍ استطاعوا النجاة، ولكن ليس كل من نجا من الإبادة، نجا بالفعل.

في قانون الإبادة، لا يُقاس الزمن بالساعات التي تمرّ، بل بما تَحمله من خسارة وألم، ما يَجعل الأيام ثقيلة لا تكاد تنقضي. حتى يُمكن القول إن الإبادة تجعل الزمن يومًا واحدًا طويلًا لا ينتهي

ولأننا على مدى عامين كنا منشغلين تمامًا بالنجاة، أو ما كنا نظنها نجاة، لم ندرك كيف تغيرنا من الداخل، وكيف أننا لم نعد أولئك الأشخاص الذين كانوا يحلمون ويخططون ويؤجلون الأشياء كأنّ الوقت لن يفلت من بين يديهم أبدًا. لقد بدأنا ندرك ذلك عندما تقلّصت مساحة الحياة في وعينا، وبتنا منشغلين تمامًا بالبقاء، بما هو آني ومؤقّت، وقد ينهار في أي لحظة.

إعادة تعريف البقاء

لأنّ يوم الإبادة الواحد لا يعادل يومًا عاديًا يعيشه أي شخص آمن على هذا الكوكب، يُمكن القول إن أيام الإبادة الطويلة جدًا تَمكنت من قهرنا، ولم يعد الوقت بعدها متسِعًا لفعل الأشياء بل للهروب منها، وهنا، نجد أن الأولويات تغيّرت على نحوٍ يدفع إلى البقاء لا إلى الحياة، والأحلام تقزّمت وبعدما كانت تشمل السفر وتكوين الذات وتحقيق النجاحات، أصبحت تتلخص في: تدعيم الخيمة حتى لا تغرقها الأمطار، توفير جرة غاز إضافية، البحث عن طرد غذائي يسدّ الرمق.

ولأنّ الإبادة لم تكن حدثًا يُرى فقط، بل تجربة تُعاش بشكلٍ غير مباشر، لم ينجُ منها أولئك الذين خرجوا منها، فمع تراكم الأخبار والمشاهد، وتحوّل الموت إلى حدث يومي يجب التعاطي معه باستمرار، تغيّرت الأولويات، وأصبح الاتصال للاطمئنان، ومتابعة الأخبار، والتواصل مع الأهل والأصدقاء جزءٌ أساسي من أيّ يوم. لذلك، يمكن القول إنّ ما تغيّر لم يكن أولوياتنا فقط -نحن الغزيين في الداخل والخارج- بل الطريقة التي نُدرك فيها ما هو مهم أصلًا، وهنا نجدُ أنّ معنى الحياة ذاته تغيّر، وأصبح قائمًا على أساسٍ واحد وهو: البقاء أولًا.

إعادة تعريف الخوف

عندما يتعرّض الإنسان للخوف بشكل مُستمر ومُتكرر، ينكسر شيء ما في داخله، وبالتالي يتحوّل خوفه من ردة فعل إلى حالة دائمة قد لا يلاحظها أصلًا. وهذا ما فعلته الإبادة بنا، إذ جعلت الخوف ليس حدثًا استثنائيًا مرتبطًا بلحظة قصف أو فقد أو نزوح، بل جزءًا أساسيًا من أيامنا، يعيد ترتيب ردود أفعالنا، ويحدد الطريقة التي نرى ونفكر ونتحرك بها.

على الرغم من ذلك، لا يمكن القول إننا تجاوزنا خوفنا، فالحقيقة أننا لم نتجاوزه لحظةً، بل اندمجنا فيه تمامًا حتى صار جزءًا من وعينا اليومي، ينام قليلًا ويصحو مع كلّ خبرٍ جديد أو اتصالٍ مفاجئ كان يومًا ما شيئًا عاديًا. وعند هذه النقطة بالتحديد، صار الخوف قادرًا دائمًا على تنظيم حياتنا، وإعادة تعريف معنى الأمان في داخلنا.

إعادة تعريف الأمل

لسنواتٍ طويلة، كنتُ أرى الأمل شيئًا ضخمًا لا يُمكن أبدًا أن يضمحل، ولأننا نحن الفلسطينيون اعتدنا على تربيته منذ سنواتٍ طويلة رغم عدم وجوده، كنتُ مقتنعًا تمامًا، في أشدّ لحظات اليأس، أن هنالك أمل. ولكن الإبادة قلّصت الأمل، وحولته من فكرة واسعة يمكن البناء عليها، إلى محاولة يومية لا تعني النجاة من الخسارة، بل محاولة تأجيلها ليومٍ آخر. كما أنه لم يعد مرتبطًا بتحقيق شيءٍ جديد في حياتنا، فقد علمتنا الإبادة كيف لا نرفع سقف توقعاتنا حتى لا يؤلمنا السقوط ويكسرنا إلى الأبد.

وهكذا أصبح الأمل في حياتنا مرتبطًا بتفاصيل صغيرة ربما لم نلتفت إليها من قبل، تتلخص في: مرور يومٍ جديد دون فَقد، الاستيقاظ في اليوم التالي بالمكان نفسه، سماع صوت من نحبّهم. وهذه كلها كانت أشياء بديهية، وأضحت اليوم أقصى ما يمكننا التشبّث به، أما الأحلام الكبيرة التي لا تعدّ ولا تُحصى، فقد أصبحت جزءًا من الماضي، فما بين أيدينا من أمل لا يكفي إلا لأن نستمر. وربما لا نريد نحنُ إلا أن نستمر، على الأقل.

إعادة تعريف الزمن

في قانون الإبادة، لا يُقاس الزمن بالساعات التي تمرّ، بل بما تَحمله من خسارة وألم، ما يَجعل الأيام ثقيلة لا تكاد تنقضي. حتى يُمكن القول إن الإبادة تجعل الزمن يومًا واحدًا طويلًا لا ينتهي، وعلى الرغم من أنّ هذا اليوم يبدو مماثلًا للأيام التي يعيشها البشر في الخارج، إلا أنه يسير في زمنٍ موازٍ تمامًا، فالوقت لا يمرّ على مَن يموت مثلما يمرّ على مَن يحيا، أو على الأقل من يمتلك أدوات تجعله يحاول أن يحيا.

ومع مرور الوقت، تقلّصتِ المسافة بين الحاضر والمستقبل إلى حدّ التلاشي، فانكمش الزمن في وعينا ولم نعد نراه كامتدادٍ يمكن التفكير فيه أو التخطيط له، بل كلحظةٍ ضيّقة نُحاول عبورها فقط. وهنا، لم يعد هناك زمن مؤجل يمكن الركون إليه مثلما كان الأمر قبل توقّف الإبادة، حيث كانت جملة "بعد الإبادة" منقذًا لنا في مواقف وأحداثٍ كثيرة، أما بعدما اكتشفنا أن توقف الإبادة لن يعيد الذين نُحبهم، ولن يحمل أقدامنا إلى بيوتنا وإلى حياتنا السابقة، أصبح الزمن في عيوننا مساحة محدودة لا نتحرك داخلها، بل نحملها عبئًا ثقيلاً نود أن نتخلّص منها.

إعادة تعريف الذات

عندما أقول إن الإبادة غيرتنا، فأنا لا أقول هنا أنها تركت ندبة في الروح أو أثّرت على سلوكنا فغيرته قليلًا، بل أقصد أنها غيرتنا من الداخل، أعادت تعريف ذواتنا أمام أنفسنا وأمام الآخرين، حتى لم نعد نحنُ أنفسنا الذين دخلوا الإبادة. ولو قابل الواحد منا نفسه قبل الإبادة لقال: هذا لستُ أنا! فقد غيّرت الإبادة نظرتنا للحياة، قدرتنا على العمل والفرح والقول، وإلا، ما الذي يجعلنا صامتين إلى هذا الحد؟ وأين ذهبت الأحلام والطموحات والأقدام التي لا تتوقف عن الركض؟

لم يحدث ذلك دفعةً واحدة، وإنما ببطءٍ على فترات متباعدة، وشيئًا فشيئًا أصبحنا أقلّ رغبة واندفاعًا، وأكثر حذرًا في كلّ شيء، حتى في لحظات السعادة القليلة. ثم إننا لم نعد نثق بما نشعر وبما نريد، كأنّ شيئًا ما قطعَ الحبل الذي كان يربطنا بأنفسنا، وربما هذا ما يجعلنا غير قادرين على التجاوز والتعامل مع الحياة بين الأمل واليأس، والخوف والاطمئنان، ولا نعرف الآن إن كنا سنتمكن من صعود الجبل يومًا ما، أم أن أقدامنا ستخذلنا إلى الأبد.

الكلمات المفتاحية

ماذا ألغى سموتريتش من "اتفاق الخليل"؟

ماذا ألغى سموتريتش من "اتفاق الخليل"؟

بينما كان الوزير الإسرائيلي، سموتريتش، يفتتح مستوطنة في الضفة الغربية، خرج بإعلان دراماتيكي، قائلًا إنه قائم بإلغاء اتفاقية الخليل، أي ما يعرف رسميًا باسم بروتوكول الخليل الموقع في مطلع عام 1997


قراءة سياسية وقانونية في تعديلات قانون الانتخابات الفلسطينية لعام 2026

قراءة سياسية وقانونية في تعديلات قانون الانتخابات الفلسطينية لعام 2026

تقتضي القراءة الموضوعية للتعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات العامة التمييز بين مستويين مختلفين من التحليل


معضلة السلاح في غزة بين الأمن الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية!

معضلة السلاح في غزة بين الأمن الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية!

منذ بدأت ملامح مفاوضات ما بعد الحرب على غزة تظهر إلى العلن، عاد سؤال قديم ليتصدر المشهد من جديد: ماذا سيحدث لسلاح الفصائل الفلسطينية في غزة؟


انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني: تجديد للشرعية أم إعادة هندسة النظام السياسي؟

انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني: تجديد للشرعية أم إعادة هندسة النظام السياسي؟

يصعب التعامل مع مرسوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس الداعي إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل باعتباره خطوة ديمقراطية طبيعية أو استحقاقًا مؤجلًا طال انتظاره

عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
أخبار

عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب

كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.

إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة انـسحاب الجيش الإسرائيلي من يد إيران
أخبار

إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران

قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي


نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
أخبار

نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات

تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية

"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
أخبار

"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا

وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية

الأكثر قراءة

1
تقارير

البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟


2
قول

مروان البرغوثي وكأس العالم


3
تقارير

هكذا يُستهدف الأطفال في غزة.. والد الطفل جاد لـ"الترا فلسطين": قبَّل يدي ثم خطفه الصاروخ


4
تقارير

خاص | لقاءات فصائلية قبيل جولة تفاوضية بين حماس والوسطاء: لرد موحد على ملادينوف


5
تقارير

بعد اقتحام سموتريتش.. تصاعد المخاوف من الاستيلاء على برك سليمان