كيف نحلم تحت الركام؟ سرديّة الحياة في غزة
26 ديسمبر 2025
في غزة، لم تعد الأحلام وعدًا بالمستقبل، بل وسيلةً للبقاء. سرديّة عن الحياة اليومية تحت حربٍ شوَّهت اللغة، وأجبرت الناس على تبرير رغبتهم في العيش.
لم نعد نُجيد الكلام عن المستقبل كما يفعل الآخرون. الحرب لم تسرق منا البيوت فقط، بل شوَّهت اللغة التي كنّا نستخدمها للحلم. صارت الكلمات أثقل من أن تُقال، وأخفّ من أن تُصدَّق. ومع ذلك، ما زلنا نحلم. لا لأننا متفائلون، بل لأن العيش بلا حلم صار شكلًا آخر من أشكال الموت.
نحن أبناء هذه المدينة التي تعلّمت كيف تعيش على الحافة، نحمل أحلامنا بحذر، كما يُحمَل شيء قابل للكسر في طريقٍ طويل. لا نرفع سقفها كثيرًا، ولا ندفنها تمامًا. نتركها معلّقة بين الممكن والمستحيل، لأن الحرب علّمتنا أن الأحلام الكبيرة تُقصف أولًا.
بعد كل هذا الخراب، لا نسأل إن كانت أحلامنا معقولة أو مبالغًا فيها. نسأل سؤالًا واحدًا، بسيطًا ومؤلمًا: لماذا يبدو أن الرغبة في العيش، في غزة، ما زالت تُعامَل كشيء يجب تبريره؟
أحلام مُعلَّقة بين الممكن والمستحيل
نحلم باللّمّة. تلك الكلمة البسيطة التي تبدو عادية في أماكن أخرى، لكنها هنا صارت حلمًا مؤجّلًا. نحلم أن نجتمع كما كنّا، دون أن نعدّ المقاعد، دون أن نفتّش عن أسماء الغائبين في الوجوه الحاضرة. نحلم بلمّة لا يقطعها صوت انفجار، ولا يُفسدها خبر عاجل. لمّة لا تكون احتفالًا بالنجاة، بل عودة طبيعية إلى حياة لم تكن استثنائية.
فرّقتنا الحرب أكثر مما نحب أن نعترف. بعثرت العائلات بين مدن ومخيّمات وخيام. صار اللقاء حدثًا نادرًا، والغياب قاعدة. ومع ذلك، نحلم أن نعود لنجلس معًا، لا لنتذكّر ما خسرناه فقط، بل لنتذكّر من كنّا قبل أن يُعاد تعريفنا كنازحين وناجين وأرقام.
نحلم بدفء البيت، لا بوصفه جدرانًا وسقفًا، بل باعتباره شعورًا بالاستقرار. بيت لا نرتّبه على عجل، ولا ننام فيه بملابس الخروج. بيت لا نخشى أن نفقده في نشرة الأخبار القادمة. دفء البيت الذي لا تصنعه البطانيات وحدها، بل الكهرباء التي تعود بعد غياب طويل، الضوء الذي يملأ الغرفة دون خوف من انقطاع مفاجئ، والمفتاح الذي نضعه في جيبنا ونحن واثقون أنه سيظل يفتح المكان ذاته غدًا.
نحلم بالكهرباء لأننا تعبنا من العيش في الظل. لأن الظلام هنا ليس رومانسيًا، بل قاسيًا، طويلًا، ومُنهكًا. عامان من الانقطاع جعلا الضوء رفاهية، والصمت فرصة للخوف. نحلم أن نضغط زرًا صغيرًا فتشتعل الغرفة، أن نغلي ماءً دون حساب، أن نشحن هواتفنا دون انتظار، أن نعيش حياة لا تُدار على بطارية مؤقتة.
نحلم أن ننام. نعم، أن ننام فقط. في مكان نظيف، بخصوصية كاملة، دون أن نسمع أنفاس الغرباء حولنا، دون أن نتشارك الخوف والمساحة والليل. نحلم بباب نغلقه خلفنا، بستارة تحجب العالم، بسرير لا يُطوى كل صباح لأن المكان ليس لنا وحدنا.
نحلم أن نمارس أبسط حقوقنا دون وجع قلب. أن نُعدّ كأس شاي أو قهوة على الغاز، لا على نار الحطب، دون أن نشعر أننا نمارس ترفًا محرّمًا. تعبنا من الجلوس حول النار لا بدافع الدفء، بل لأن الخيارات نفدت. نحلم بحياة لا تحتاج كل تفاصيلها إلى جهد إضافي وتكيّف قاسٍ.
حين يتحوّل الحقّ في الحياة إلى سؤال
نحلم بأن تُفتح المعابر. لا فقط للعلاج، ولا للهروب من الموت، بل للسفر ذاته. للسفر بوصفه رغبة إنسانية طبيعية. أن نسافر لأننا نريد أن نرى العالم، لا لأننا نبحث عن نجاة. أن نعود لأننا نشتاق، لا لأننا أُجبرنا. أن يكون لنا جواز سفر لا يعتذر عن صاحبه في كل مرة.
ونحلم، بوجعٍ كامل، أن نأخذ حقنا في الحزن. أن نودّع أبناءنا المدفونين تحت الركام وداعًا يليق بهم. أن نعرف أين يرقدون، بأسمائهم، بملامحهم، لا كأرقام في مقابر جماعية. نحلم بحزن مكتمل، لأن الحزن المؤجَّل يتحوّل إلى غضب، والغضب غير المُعترف به ينهش الروح ببطء.
نحلم بماء نظيف، لأن الماء هنا ليس تفصيلًا صحيًا، بل كرامة. نحلم بطعام جيد، لا لأنه فاخر، بل لأنه حق. تعبنا من الأكل الذي يُشبه النجاة أكثر مما يُشبه الحياة. نحلم أن نأكل دون ذلّ السؤال، وأن نشبع دون شعور بالذنب.
نحلم بإعمار، لكن ليس ذلك الذي يُلتقط له الصور. نعرف أن الإعمار سيستغرق وقتًا، وربما أكثر مما تبقّى لنا من أعمار، لكننا نحلم أن يكون إعمارًا يعيد للناس إحساسهم بالمعنى. ألّا تُبنى البيوت على عجل وتُترك الأرواح مهدَّمة. أن يبدأ الإعمار من الإنسان، من حاجته للأمان، من حقه في أن يعيش دون أن يشعر أنه ضيف مؤقت على أرضه.
نحلم بمدارس لا تكون مرادفًا للنزوح. مدارس لا تتحوّل إلى ملاجئ، ولا تُغلق كلما اقترب الخطر. نحلم بمقاعد دراسية لا تُحمَل من مكان إلى آخر، وسبّورات لا تُمسح على عجل. نحلم أن يتعلّم أطفالنا دون أن يحفظوا أسماء الأسلحة، دون أن يكتبوا أحلامهم على دفاتر قد تُحرق. نحلم بتعليم يبني مستقبلًا، لا جيلًا مُنهكًا من الطوارئ.
نحلم أن نمارس حقنا الكامل في الأحلام. أن نحلم دون أن نعتذر، دون أن نُتَّهم بالمبالغة، دون أن يُطلب منا الصبر إلى ما لا نهاية. نريد أن نعيش. لا لأننا أقوياء فقط، بل لأننا نحب الحياة رغم كل ما فعلته بنا.
بعد كل هذا الخراب، لا نسأل إن كانت أحلامنا معقولة أو مبالغًا فيها. نسأل سؤالًا واحدًا، بسيطًا ومؤلمًا: لماذا يبدو أن الرغبة في العيش، في غزة، ما زالت تُعامَل كشيء يجب تبريره؟
الكلمات المفتاحية
حرب الاستنزاف بالوكالة.. الميليشيات المتعاونة مع "إسرائيل" في غزة
يبدو للمشاهد بصورة جلية أنّ ثمة اتساعًا في دور الميليشيات المتعاونة مع إسرائيل داخل قطاع غزة، مع تنامي حضورها في المجال الأمني والحرب النفسية وإدارة مساحات رمادية في المشهد الداخلي
رمضان كما يراه أطفال غزة
في غزة، لا تغيّر الحرب المشهد العام فحسب؛ بل تعيد تشكيل الذاكرة نفسها، الزينة التي كانت تلوّن الشوارع بهجةً، تراجعت أمام آثار الدمار، وصلاة التراويح التي كانت تجمع العائلات، غدت رحلة محفوفة بالصعوبة
كيف لوّنت إسرائيل حياتنا؟
لوّنت حياتنا ليس لتُجمّلها بل لتَحدّها وتجعلها أكثر كآبةً، حتى باتت الألوان لا تخبرنا بما نشعر بل بما هو مسمحٌ لنا أن نفعل، الأمر الذي حَوّل اللون في حياتنا من أداة إحساس إلى أداة ضبط، ومن خيار جمالي إلى قرار سيادي
قرأ 50 صفحة.. نتنياهو يهاجم المؤسسة الأمنية في الكابينت بشأن 7 أكتوبر
أقدم نتنياهو على توجيه انتقادات حادة للجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات، متهمًا إياهما بالتقصير والإهمال على مدى فترة طويلة، بدل التفرغ لبحث التحديات المرتبطة بإيران
80 دولة ومنظمة تدين التوسع الاستيطاني وإجراءات الضمّ في الضفة الغربية
بيان لـ80 دولة ومنظمة: "ندين بكل قوة القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية، والتي تهدف إلى توسيع الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية".
أكسيوس: 50 طائرة أميركية مقاتلة نُقلت إلى المنطقة خلال الساعات الـ24 الماضية
مسؤول أميركي قال إن المحادثات النووية مع إيران أحرزت "تقدمًا"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن "الكثير من التفاصيل لا تزال قيد النقاش".
المرحلة الأولى من خطة "تسوية الأراضي": تهويد 510 آلاف دونم من مناطق "ج"
قرار حكومة الاحتلال هو جزء من خطة استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تعريف الوضع القانوني للأراضي في الضفة الغربية عبر تحويلها إلى "أملاك دولة".