ultracheck
تقارير

ليالي التأهب والقلق: أمهات غزة في حراسة دائمة لأطفالهن

30 أبريل 2026
ليالي التأهب والقلق: أمهات غزة في حراسة دائمة لأطفالهن
آصال أبو طاقية
آصال أبو طاقية صحفية ومدونة فلسطينية من غزة

سبعة أشهر مرت على وقف إطلاق النار، وما زال الموت وأمراض خطيرة يتسللان إلى خيام النزوح المنتشرة في قطاع غزة، ليس في شكل قذيفة أو رصاصة، بل عبر انتشار القوارض والحشرات، التي تحمل معها لسكان الخيام مشاهد مفزعة ومخاوف لا تنقطع ليلاً ولا نهارًا، لتعمق المعاناة النفسية للنساء وتثقل كواهلهن بأعباء جديدة.

ما تعيشه الأمهات في غزة يُعرف بـ"الصدمة المستمرة"، إذ لا يُتاح للجهاز العصبي أي وقت للهدوء أو التعافي، وكل صوت مفاجئ أو حركة ليلية يُفعّل استجابة الجسم للخطر

ربا صيام، أم لطفلين أنجبت أصغرهما قبل شهرين، وتعيش معهما في خيمةٍ لا تتجاوز مساحتها أمتارًا قليلة في مواصي خان يونس، لكن الإبادة الجماعية الممتدة لعامين ونصف لم تمنحها فرصة لتعيش لحظة أمومة هادئة. تقول بصوتٍ متعب وقد أرهقها السهر: "من أول يوم وأنا خايفة، مش من تعب الولادة فقط، من كل شيء حولنا".

تصف ربا يومها بأنه قلقٌ ممتدٌ لا نهاية له، إذ لا يمر يوم دون أن يتعرض طفلها الأكبر لقرصات الحشرات، ما يترك على جسده الصغير آثارًا مؤلمة، بينما تحاول هي بوسائل بسيطة أن تخفف عنه، دون جدوى حقيقية، مضيفة: "كل يوم بصحى بلاقي علامات جديدة على جسمه، وبحس بالعجز، ما في شي أقدر أحميه فيه".

لكن الليل هو الأسوأ بالنسبة لربا، فتقول: "بقضي الليل في مراقبة الأرض، وأي حركة بتخليني أنقز. الفئران حوالينا، وإحنا خايفين تقرب من الأولاد".

ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت آثار السهر والخوف على صحة ربا، فقد تحدثت لنا عن إرهاقٍ دائم، وصداعٍ لا يفارقها، وتوترٍ يجعلها على حافة الانهيار: "بحس جسمي تعب، ونفسيتي تعبت أكثر. ما في راحة، ولا أمان، ولا حتى نوم".

ومع تزايد الضغط، وجدت ربا نفسها أمام خيارٍ صعب، وهو ترك المكان بعد فشل كل محاولات القضاء على القوارض، والانتقال إلى مكان آخر، على أمل أن يكون المكان الجديد أقل خطورة على طفليها، غير أن القلق انتقل معها ولم يبق في مسكنهما السابق

"كابوس يؤرقنا"

تؤكد صابرين حسن أن الفئران باتت كابوسًا يؤرقهم وخطرًا يهدد حياتهم داخل الخيمة. تقول صابرين إنها اضطرت إلى حفظ ما تبقى من المؤونة في أوعية محكمة الإغلاق، خوفًا من أن تفسدها هذه الفئران أو تلوثها وتنقل الأمراض إلى أطفالها.

وتوضح صابرين أن طبيعة المكان تفاقم الأزمة، فالخيام ووسائل التخزين البسيطة لا توفر أي حماية حقيقية، إذ تسمح الفتحات بدخول القوارض والحشرات بسهولة، ما يجعل السيطرة عليها شبه مستحيلة.

وتشير صابرين إلى أن الفئران تقتحم الخيام ليلًا مصحوبة بالبراغيث، حتى أن صوتها بات جزءًا من طقوس الليل، وأحيانًا يشعرون بها تسير على رؤوسهم في مشهدٍ تصفه بـ"المرعب"، ولا تجد العائلة وسيلة سوى محاربتها بطرق بدائية، باستخدام عصي أو أدوات بسيطة لطردها أو قتلها.

وتعترف صابرين أنها مرت بحالات انهيار في بداية الأمر، دفعتها إلى العزلة عن كل محيطها بسبب التوتر، إلى أن أجبرت نفسها على التماسك من أجل أطفالها. وتؤكد أن الخوف لا يزال يلازمها، خصوصًا بعد مشاهدتها صورًا لأطفال تعرضوا لهجمات من الفئران، ما يجعلها تعيش في حالة قلق دائم.

وتوضح أن الليل بالنسبة لها تبدل من وقتٍ للراحة والسكون إلى ساعات ثقيلة من القلق والترقب لأي حركة أو صوت، ما خلق حالة مستمرة من الاستنزاف النفسي دون مساحة للطمأنينة.

لا أمان في الخيمة

وتتشارك رولا أبو هاشم مع أمهات أخريات معاناتهن داخل خيمة النزوح بمرارة واضحة، قائلة: "كنا نعتقد أن أصعب ما سنواجهه هو البرد أو المطر، لكن الواقع كان أقسى بكثير".

وتضيف رولا أن مشكلة القوارض بدأت في البداية كتهديد للطعام، إذ كانت تفسد المؤونة التي اشترتها العائلة بصعوبة بالغة، لكن سرعان ما اتّسع خطرها ليشمل أماكن النوم رغم خلوها من أي طعام.

ولا تنسى رولا لحظة تصفها بالصعبة جدًا، حين رأت فأرًا يمر بالقرب من طفلها الرضيع، فتقول: "كان عمره شهرًا فقط، وفجأة رأيت الفأر يمشي بجانبه، صرخت بصوت عال وتسببت برعبٍ لطفلي". وتضيف: "كنت أظن أن السرير مكان آمن لكن الفأر كان يتحرك بكل سهولة إلى جانبه ولا شيء يمنعه".

وتشير رولا إلى أن كل محاولات التخلص من القوارض باءت بالفشل، بما في ذلك استخدام المصائد واللاصقات: "جربنا كل شيء، لكن الوضع أكبر من قدرتنا، فالفئران منتشرة بشكل كبير، ولا نستطيع السيطرة عليها".

ومع مرور الوقت، امتد الضرر إلى بنية الخيمة نفسها، "فصارت تمزّق أرضية الخيمة وتحفر فيها فتحات. حتى الأشياء البسيطة مثل تخزين ملابس الأطفال أصبحت مشكلة، فنضع أغراضهم في كراتين لعدم وجود خزانات، وحين نفتحها نجد روث الفئران على ملابس أطفالنا".

وتوضح أن أطفالها يعانون من حكة ومشكلات صحية، ما ينعكس عليها نفسيًا، ويضعها في حالة مستمرة من القهر والعجز أمام واقع لا تجد له حلاً أو أفقًا. وبمزيج من اليأس والإحباط تقول: "الخيمة التي دفعت فيها دم قلبك وتحاول أن تحافظ عليها، صارت مكانًا للخوف بدل الأمان. ولم يعد هناك شيء اسمه راحة".

صدمة للأمهات يتأثر بها الأطفال

وتوضح الأخصائية النفسية سيرين العبسي أن ما تعيشه الأمهات في هذه الظروف يُعرف بـ"الصدمة المستمرة"، إذ لا يُتاح للجهاز العصبي أي وقت للهدوء أو التعافي، وكل صوت مفاجئ أو حركة ليلية يُفعّل استجابة الجسم للخطر، ما يُدخل الأم في حالة فرط يقظة دائمة، ويجعل النوم سطحيًا ومجزأً.

وتضيف العبسي في حديث لـ "الترا فلسطين" أن الخوف هنا يتمحور حول الأطفال بالدرجة الأولى، وهو من أعمق أشكال القلق، لأنه مرتبط بغريزة الحماية، ومع تكراره يتعزز شعور الأم بالعجز، ليس بسبب قصورٍ منها، بل لأن البيئة نفسها تسلبها الإحساس بالسيطرة.

وتشير إلى أن الأمهات في مرحلة ما بعد الولادة يكنّ أكثر هشاشة نفسيًا وبيولوجيًا، إذ يمرّ الجسد بتغيرات هرمونية وتكون الحاجة للأمان والدعم في ذروتها. لكن داخل الخيام، تعيش الأم عكس ذلك تمامًا، حيث التهديد المستمر والاستنزاف بدل الراحة، ما يزيد من احتمالية الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، والقلق الحاد، أو أعراض انفصالية.

ومع الوقت، لا يقتصر التأثير على القلق الظاهر، بل يتسلل إلى طبقات أعمق: شعور مزمن بالعجز، وتوتر داخلي لا يهدأ، وأفكار قهرية مرتبطة بأسوأ السيناريوهات الممكنة. وبعض الأمهات قد يجدن أنفسهن في حالة مراقبة مستمرة لأطفالهن طوال الليل، أو استيقاظ متكرر للتحقق من سلامتهم، حتى دون وجود خطر فعلي في تلك اللحظة.

وتوضح العبسي أن هذا النمط من التوتر المستمر يعني أن الجسم يعمل لفترات طويلة تحت تأثير هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، ما يؤدي إلى إرهاق شديد، وضعف في المناعة، وصداع مزمن، واضطرابات في الشهية والنوم، وكأن الجسد يُستنزف ببطء، دون فرصة حقيقية لإعادة الشحن.

أما الأثر الأعمق، بحسب العبسي، فيظهر في العلاقة بين الأم وطفلها، إذ بدلًا من أن تكون العلاقة مساحة أمان وتنظيم عاطفي للطفل، تصبح مشبعة بالتوتر غير المرئي، مبينة أن الطفل يلتقط هذا التوتر عبر نبرة الصوت، وتوتر الجسد، وسرعة الاستجابة، وهنا، لا يعود الضغط فرديًا، بل ينتقل بشكل غير مباشر إلى الآخرين.

هذا النمط من التوتر المستمر يعني أن الجسم يعمل لفترات طويلة تحت تأثير هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، والأثر الأعمق يظهر في العلاقة بين الأم وطفلها

وتؤكد سيرين العبسي أن وجود القوارض والحشرات لم يعد مجرد مشكلة صحية، بل عاملًا يُغذّي الخوف المستمر ويمنع الاستقرار النفسي. "لذا، لا تكفي الاستجابة الإنسانية بتوفير الغذاء والمأوى فقط، بل يجب أن تشمل تقليل مصادر التهديد وتقديم دعم نفسي يعيد للأمهات شعور الأمان، فما يعشنه ليس ضغطًا عابرًا، بل تجربة قد تترك آثارًا طويلة المدى" وفقًا للعبسي.

وكانت منظمة الصحة العالمية أعلنت، في تقرير لها أواخر نيسان/أبريل، عن تسجيل أكثر من 17 ألف إصابة مرتبطة بالقوارض والطفيليات بين النازحين في قطاع غزة منذ بداية العام 2026، وذلك في ظل بيئة صحية متدهورة، وتراكم النفايات، وغياب مقومات النظافة الأساسية داخل مناطق النزوح.

الكلمات المفتاحية

عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه

عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه

بعد نحو عام ونصف على نزوح أهالي مخيم طولكرم، عادت بعض العائلات الأربعاء، بشكل مؤقت إلى المخيم لجمع ما تبقى من مقتنياتها، في ظل الدمار الذي طال أجزاء واسعة منه


بعد صورته تحت جسر بالقاهرة.. الأسير المحرر نديم عواد: خرجنا من ذل السجن إلى ذل الحياة

بعد صورته تحت جسر بالقاهرة.. الأسير المحرر نديم عواد: خرجنا من ذل السجن إلى ذل الحياة

قال عواد: "اضطررت للنوم تحت الجسر لمدة 15 يومًا، والصورة التي انتشرت ليست سوى جزء مما عشته خلال تلك الفترة"


تعديلات قانون الانتخابات.. نقاش حول التمثيل والشرعية

قانون انتخابات التشريعي: أسئلة تتجاوز التعديل إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني

المرسوم الرئاسي بتعديل قانون الانتخابات فتح نقاشًا واسعًا يتجاوز الجانب التقني للتعديلات، ليصل إلى جوهر النظام السياسي


إعلان سموتريتش إلغاء ترتيبات "اتفاق الخليل".. خطوة أخرى في مسار ضم الضفة

إعلان سموتريتش إلغاء "اتفاق الخليل".. الضم والتهويد لأغراض انتخابية

يثير إعلان سموتريتش مخاوف من أن يتحول نموذج الخليل إلى سابقة يتم تعميمها في مناطق أخرى

إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة انـسحاب الجيش الإسرائيلي من يد إيران
أخبار

إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران

قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي

نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
أخبار

نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات

تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية


"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
أخبار

"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا

وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية

عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه
تقارير

عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه

بعد نحو عام ونصف على نزوح أهالي مخيم طولكرم، عادت بعض العائلات الأربعاء، بشكل مؤقت إلى المخيم لجمع ما تبقى من مقتنياتها، في ظل الدمار الذي طال أجزاء واسعة منه

الأكثر قراءة

1
تقارير

البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟


2
قول

مروان البرغوثي وكأس العالم


3
تقارير

هكذا يُستهدف الأطفال في غزة.. والد الطفل جاد لـ"الترا فلسطين": قبَّل يدي ثم خطفه الصاروخ


4
تقارير

خاص | لقاءات فصائلية قبيل جولة تفاوضية بين حماس والوسطاء: لرد موحد على ملادينوف


5
تقارير

بعد اقتحام سموتريتش.. تصاعد المخاوف من الاستيلاء على برك سليمان