مأوى مشروط: الخوف يحول الإيجارات في غزة إلى علاقة قسرية
19 يناير 2026
لم يعد البحث عن شقة للإيجار في قطاع غزة مسألة سكنية عادية، بل تحوّل إلى رحلة قسرية محفوفة بالقيود والخسائر والخوف اليومي من العودة إلى العراء. ففي قطاع دمّرت الحرب معظم وحداته السكنية، وخلّفت أكثر من مليون نازح بلا مأوى ثابت، بات السكن سلعة نادرة تُدار بمنطق النجاة لا الحق، وتُفرض عليها شروط تتجاوز القدرة والكرامة معًا.
في هذا الواقع، لا يواجه المستأجر أزمة أسعار فقط، بل يدخل في علاقة غير متكافئة، يتحكّم فيها الخوف بالحياة اليومية، ويُعاد فيها تعريف المأوى بوصفه امتيازًا مؤقتًا لا استقرارًا إنسانيًا.
الشهادات تكشف أن السكن لم يعد مجرد عقد إيجار، بل علاقة قسرية يتحكّم فيها المالك بتفاصيل الحياة اليومية للمستأجر: من الضيوف، إلى المياه، إلى مواعيد الدخول والخروج، وحتى طبيعة العمل والانتماء
شروط المالك: الخوف بوصفه عقدًا غير مكتوب
يبدأ الامتحان منذ اللحظة الأولى. فحتى حين يعثر النازح على شقة قابلة للسكن، يواجه سلسلة شروط يفرضها المالك بدافع الخشية من الاستهداف. تصوير بطاقات الهوية، التحري عن مكان السكن السابق، منع استقبال الضيوف، خصوصًا الرجال، وأحيانًا منع زيارة الأقارب من الأساس.
في حالات متكررة، تُرفض عائلات كاملة بسبب طبيعة عمل أحد أفرادها في الصحافة، أو العمل الإنساني، أو التعليم الجامعي، أو الداخلية، خشية أن يشكّل وجودهم "خطرًا أمنيًا" على البناية، في ظل نمط استهداف إسرائيلي متكرر لمنازل شخصيات بعينها.
هذه الشروط لا تُدوَّن غالبًا في عقود رسمية، لكنها تُفرض كأمر واقع. يبرّر المالكون ذلك بحماية عائلاتهم، فيما يرى المستأجرون أن الخوف تحوّل إلى أداة إقصاء تُضيّق الخيارات إلى حدّ العدم.
اقرأ/ي: بين ركام الحرب.. سوق العقارات في غزة يروي حكايات البقاء
المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة
المستأجر داخل العقار: حياة على الحافة
محمد صالح، مستأجر سابق لشقة قائمة على نصف طابق في الدور الرابع، يروي أن رحلة السكن لم تبدأ إلا بعد اجتياز قائمة طويلة من "الممنوعات". ورغم أن عائلته لا تتجاوز أربعة أفراد، فُرضت عليه شروط قبل بها مكرهًا بسبب شحّ البدائل.
يقول: "لا ضيوف بالمطلق، منع الحركة داخل الشقة بحجة الإزعاج، منع الإسراف في المياه، إغلاق باب العمارة الساعة السابعة مساءً شتاءً إلا للضرورة القصوى، وإجباري على تكسير الحطب خارج المنزل".
ويضيف أن المالك قيّد استقبال أهله بيومين فقط، مع اتصالات شبه يومية للاستفسار عن أي صوت مرتفع، وزيارات مفاجئة لمراقبة الشقة. ويتابع: "هذا الضغط المستمر دفعني في النهاية لترك البيت والعودة إلى الخيمة".
وفي خانيونس، وجد عمر حامد نفسه أمام استجواب مباشر قبل استئجار "حاصل" بلا خدمات. "سألني المالك: هل تعمل صحفيًا؟ هل تنتمي لأي حزب؟ لا أريد أن يُقصف البيت بسببك"، يروي. ورغم دفعه ألف شيقل شهريًا مقابل مكان يفتقر لأدنى مقومات السكن، لم تتوقف المضايقات. "كان يُدخل مستأجرين جدد ليروا المكان طمعًا بإيجار أعلى، ثم أجبرني على دفع مبلغ مضاعف حتى لا أعود للخيمة"، يقول.
وخلال إعداد هذا التقرير، عُرضت شقة غير مكتملة، بلا أبواب أو شبابيك، دون بلاط أو خدمات، مقابل 1800 شيقل شهريًا. وعندما أُبدي الاعتراض على السعر، جاء الرد صريحًا: "اللي بده يستأجر مغفل". ولم تتوقف الشروط عند هذا الحد، إذ اشترط المالك امتلاك المستأجر نظام طاقة خاص، ومنع تأجير الشقة لأي صحفي أو شخص منتمٍ للأحزاب.
وفي واقعة أخرى، تراجع مالك عن موافقته على التأجير فور علمه أن أحد المتقدمين يعمل صحفيًا، رغم موافقته المسبقة على عدد أفراد العائلة، قال بشكلٍ قاطع: "أنا ما بأجّر صحفيين… بلاش ننقصف".
هذه الشهادات تكشف أن السكن لم يعد مجرد عقد إيجار، بل علاقة قسرية يتحكّم فيها المالك بتفاصيل الحياة اليومية للمستأجر: من الضيوف، إلى المياه، إلى مواعيد الدخول والخروج، وحتى طبيعة العمل والانتماء.
سوق بلا سقف: الدمار يرفع الإيجارات ويغذّي اقتصاد السمسرة
بحسب تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تضررت أو دُمّرت نحو 60–70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة منذ بدء الحرب، فيما يحتاج أكثر من مليون شخص إلى مأوى طارئ أو بدائل سكنية مؤقتة.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للتجمعات البشرية (UN-Habitat) إلى أن الدمار الواسع خلق فجوة حادة بين العرض والطلب في سوق السكن، دفعت الإيجارات إلى مستويات منفصلة تمامًا عن القدرة الشرائية، في اقتصاد تتجاوز فيه البطالة 80% وفق تقديرات أممية حديثة.
قفزت الإيجارات إلى مستويات غير مسبوقة. شقق كانت تُستأجر قبل الحرب بمئات الدولارات تُعرض اليوم بألف وأكثر، فيما تُؤجَّر وحدات متضررة بأسعار لا تتناسب مع حالتها. ومع انهيار الدخل، باتت الإيجارات تستنزف ما تبقى من مدخرات الأسر، أو تدفعها إلى خيارات قاسية: الخيام، أو السكن في بيوت آيلة للسقوط، أو بيع الممتلكات لتأمين الغذاء.
وزاد من تعقيد المشهد انتشار السماسرة، الذين يفرضون عمولات إضافية ويُسوّقون لشقق عبر إعلانات رقمية تُضخّم المواصفات وتُخفي العيوب. وبحسب ما أفاد به عدد من المستأجرين لمعدّ التقرير، فقد دفعوا عمولة للسمسار بلغت نحو 400 شيقل مقابل الحصول على شقة، دون أي ضمانات حقيقية. وفي المقابل، قال أحد المؤجرين إن السمسار يتقاضى منه أيضًا عمولة تتراوح بين 100 و200 شيقل، لقاء توفير مستأجر للشقة.
ومن منظور حقوقي، يؤكد مختصون أن ما يجري يشكّل مساسًا مباشرًا بالحق في السكن اللائق، كما ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. إلا أن الواقع الميداني يكشف فراغًا قانونيًا واسعًا: محاكم معطّلة، أجهزة إنفاذ منشغلة بالطوارئ، وغياب أي سياسات تسعير أو حماية للمستأجرين. وفي هذا الفراغ، يفرض السوق منطقه القاسي، ويُترك الطرف الأضعف لمواجهة شروط لا يملك رفضها.
الأثر النفسي والاجتماعي
لا تتوقف الأزمة عند المال. فالسكن غير الآمن يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، تبدأ بقلق مزمن واضطرابات في النوم، ولا تنتهي عند التوتر الأسري وشعور دائم بعدم الاستقرار. الأطفال، على وجه الخصوص، ينشؤون في بيئات تفتقر إلى الخصوصية والأمان، ما يراكم الصدمات في مرحلة عمرية حرجة.
وفي هذا السياق، يوضح المختص الاجتماعي الدكتور أمين شبير أن فقدان الاستقرار السكني «لا يُعدّ مجرد نقص في المأوى، بل هو عامل ضاغط يعيد إنتاج الصدمة يوميًا داخل الأسرة». ويشير إلى أن العيش في مساكن مؤقتة أو غير لائقة يفاقم مشاعر العجز والخوف، ويؤثر بشكل مباشر على العلاقات الأسرية، وقد ينعكس في سلوكيات انسحابية أو عدوانية، خاصة لدى الأطفال.
ويحذّر شبير من أن استمرار هذه الأوضاع دون تدخل نفسي واجتماعي منظّم "ينذر بتداعيات طويلة الأمد على الصحة النفسية للمجتمع، لا سيما في ظل غياب أي شعور بالأمان أو أفق واضح للاستقرار".
بين خوف المالك واحتياج النازح، تضيق المساحة الإنسانية إلى حدّ الاختناق. في غزة اليوم، لا يُدار السكن كحق، بل كمعادلة نجاة مؤقتة، تُفرض فيها الشروط تحت ضغط الحرب، ويُختبر فيها الإنسان في أبسط احتياجاته. يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن للإنسان أن يشعر بالأمان، حين يصبح المأوى نفسه مشروطًا؟
الكلمات المفتاحية
بعد عامين من الإغلاق.. سوق الزاوية في غزة يستقبل شهر رمضان
قبيل شهر رمضان اكتست أزقة سوق الزاوية الشعبي، بالفوانيس والأهلّة المضيئة وتفوح بين زوايا الدكاكين القديمة رائحة الأعشاب الطبيعية العطرية والتوابل التي تحفز الحواس ويتردد على مسامع المتجولين في السوق الأغاني التراثية الرمضانية
صانع البهجة في زمن الوجع: حكاية "فريق المهرج الطبي" في مستشفيات غزة
خلف الأنف الأحمر المستعار والابتسامة المرسومة بعناية، يخفي المهرج مراد مراد الذي يحب أن يعرف بـ"عمو مروش" حكايات من الألم
عائلة سمارة ترفض دفن طفلها علي وتطالب بالإفراج عن سامر ومحاسبة مطلقي النار
سامر سمارة كان مطلوبًا للاحتلال منذ عام 2017، بعدما اعتقل مصابًا ونُقل للعلاج في مستشفى العفولة، وتمكن لاحقًا من الهرب
قرأ 50 صفحة.. نتنياهو يهاجم المؤسسة الأمنية في الكابينت بشأن 7 أكتوبر
أقدم نتنياهو على توجيه انتقادات حادة للجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات، متهمًا إياهما بالتقصير والإهمال على مدى فترة طويلة، بدل التفرغ لبحث التحديات المرتبطة بإيران
80 دولة ومنظمة تدين التوسع الاستيطاني وإجراءات الضمّ في الضفة الغربية
بيان لـ80 دولة ومنظمة: "ندين بكل قوة القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية، والتي تهدف إلى توسيع الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية".
أكسيوس: 50 طائرة أميركية مقاتلة نُقلت إلى المنطقة خلال الساعات الـ24 الماضية
مسؤول أميركي قال إن المحادثات النووية مع إيران أحرزت "تقدمًا"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن "الكثير من التفاصيل لا تزال قيد النقاش".
المرحلة الأولى من خطة "تسوية الأراضي": تهويد 510 آلاف دونم من مناطق "ج"
قرار حكومة الاحتلال هو جزء من خطة استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تعريف الوضع القانوني للأراضي في الضفة الغربية عبر تحويلها إلى "أملاك دولة".