مسودة الدستور المؤقت: غياب "خصوصية الحالة التحررية" والاستفتاء "يحسم"
15 فبراير 2026
أثارت المسودة الأولى لـ"مشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين" نقاشًا واسعًا في الأوساط القانونية والحقوقية والسياسية، عقب قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس نشرها رسميًا وفتح باب الملاحظات أمام المواطنين والمؤسسات.
وبينما يرى مختصون أن المسودة تمثل خطوة متقدمة نحو بناء نظام دستوري حديث، يحذّر آخرون من ثغرات جوهرية قد تؤثر على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وعلى العلاقة بين مؤسساته المختلفة.
عمار دويك لـ"الترا فلسطين": المادة 162 نصّت على أن هذه المسودة يجب أن تُعرض للاستفتاء، وبالتالي فإن الحكم النهائي هو المواطن
وطلب عباس، في قرار رئاسي الأسبوع الماضي، إتاحة المسودة "للاطلاع العام عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للجنة الوطنية لصياغة الدستور، وفي وسائل النشر التي تقررها اللجنة".
وأوضحت وكالة الأنباء الرسمية "وفا"، أن لجنة التنسيق والصياغة المنبثقة عن لجنة إعداد الدستور المؤقت ستتولى تسلم الملاحظات وتنظيمها ودراستها.
وذكرت أنه "سيتم تصنيف الملاحظات إلى ملاحظات جوهرية تتعلق بالمبادئ الدستورية، وأخرى فنية مرتبطة بالصياغة والتنظيم، تمهيدًا لإدخال التعديلات اللازمة بما يحقق المصلحة العامة والتوافق الوطني".
دويك: مسودة الدستور المؤقت متقدمة جدًا
وأوضح مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عمار دويك، وهو عضو لجنة صياغة مسودة الدستور، أنهم "عملوا في هذه المسودة على مدار خمسة أشهر، تخللها عقد 71 اجتماعًا بمشاركة 17 عضوًا، وانبثقت عنها لجان فرعية، ثم اللجنة العامة للصياغة. وجرى إقرار المواد مادةً مادة، والتصويت عليها، وكان هناك من يتحفظ ومن يوافق، ولكن بالمجمل نحن متوافقون عليها".
وقال دويك، في حديث لـ"الترا فلسطين": "اجتهدنا وقمنا بالبناء على القانون الأساسي، واعتمدنا عليه، واستفدنا من تجربة تطبيقه والإشكاليات التي ظهرت خلال ذلك، كما اطلعنا على المسودات السابقة، وعلى دساتير متقدمة في المنطقة، مثل دستور تونس عام 2014، ودساتير جنوب أفريقيا والبرازيل وكولومبيا، والتجارب الدستورية المتقدمة".
وأضاف: "اجتهدنا وقدمنا هذه المسودة، وكان لدي ملاحظات، وسجلت العديد من التحفظات على بعض المواد، ولكن بالمجمل أرى أنها مسودة متقدمة جدًا، وتصلح لأن تُطرح للنقاش والحوار".
وأشار دويك إلى أن طرح المسودة للنقاش يفتح المجال أمام الجميع لإبداء الرأي، قائلًا: "طالما أنها طُرحت للحوار، فمن حق أي شخص أن يعلق عليها، وهناك مجال للتطوير، وإذا كنت أنا عضوًا في الصياغة ولدي ملاحظات، فهذا يعني أن هناك ملاحظات لدى الآخرين".
وتابع: "تم نشر المسودة بكل شفافية، ومن حق كل مؤسسة التعليق عليها، والأهم أن المادة 162 نصّت على أن هذه المسودة يجب أن تُعرض للاستفتاء، وبالتالي فإن الحكم النهائي هو المواطن".
وفي تقييمه لمسار إقرار الدستور، قال: "في تقديري، إذا أحسنا إدارة عملية إقرار الدستور، من خلال إجراء حوارات فلسطينية موسعة تشارك فيها الفصائل والقوى، يمكن أن يشكل هذا الدستور مدخلًا لصياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد، تُجرى على أساسه انتخابات، ويكون هو المرجعية الجديدة التي توحد النظام السياسي".
وحذّر دويك من مخاطر سوء إدارة هذه العملية، بقوله: "إذا لم يُحسن استخدامه، ولم تُدار عملية إقراره بشكل علمي، فقد يكون مدخلًا لمزيد من الشرذمة، ولذلك من المهم جدًا أن يتعاطى الجميع بمسؤولية، في ظل خطورة المرحلة التي نمر بها. كما أن من غير المناسب الاستعجال في اتخاذ مواقف حدّية ضد الدستور في هذا الوقت، بل يجب إعطاء الفرصة لدراسته بعمق".
وأضاف: "عملية إقرار الدستور لا يجب أن تقتصر على المحتوى فقط، وإنما تشمل العملية نفسها. والمسار الحالي يسير بشكل صحيح، من خلال النشر وفتح المجال للنقاش والحوار، وستُعقد ورشات عمل موسعة وصولًا إلى مرحلة الاستفتاء".
وردًا على سؤال حول ما إذا كانت المسودة ستُعرض على مختلف الفصائل، خصوصًا تلك الموجودة خارج منظمة التحرير الفلسطينية، أجاب دويك: "نحن كلجنة مكلفة بمتابعة التوصيات، التوجه لدينا هو عقد ورشات عمل ولقاءات مع أكاديميين، ومع قوى ومؤسسات المجتمع المدني، لمناقشة الجوانب المختلفة، وأخذ الملاحظات، ثم رفعها إلى الرئيس".
وأضاف: "الدستور منشور، ومن حق أي فصيل أن يعلق عليه، ونأمل أن تصبح هذه الوثيقة وثيقة لإعادة توحيد الفلسطينيين، لا لتشتيتهم، وأن يأخذ الموضوع إطارًا جديًا ونقاشًا مسؤولًا في ظل ما نتعرض له، فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى الحوار، وليس إلى المناكفة".
وحذر دويك من مخاطر غياب المسار الديمقراطي، قائلًا: "إذا لم تُجرَ انتخابات، ولم تلجأ السلطة الفلسطينية إلى الشعب لإجراء انتخابات تشريعية، وانتخابات مجلس وطني، واستفتاء، فهناك خطورة على النظام السياسي، سواءً من ناحية التهديدات الخارجية أو الأزمة المالية. وأفضل طريقة لمواجهة ذلك هي اللجوء إلى الشعب".
بدوية: مسودة الدستور المؤقت لم تراعي الخصوصية الفلسطينية
يقول أستاذ القانون والعلاقات الدولية رائد بدوية إن مسودة الدستور الفلسطيني "تعاملت مع الواقع وكأن هناك دولة مستقلة قائمة، ولم تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة التحررية الفلسطينية، ولم توضّح بشكل كافٍ العلاقة بين السلطة السياسية ومشروع التحرر الوطني".
وأوضح بدوية، في حديث لـ"الترا فلسطين"، أن المسودة أشارت إلى منظمة التحرير الفلسطينية بشكل رمزي في الديباجة، من دون أن تمنحها المكانة الدستورية العليا بوصفها الممثل السياسي للشعب الفلسطيني، ما يعزز –بصيغتها الحالية– عزل المنظمة عن المنظومة السياسية التي ينشئها الدستور.
وأضاف بدوية أن المرجعية السياسية العليا لأي دستور فلسطيني يجب أن تكون منظمة التحرير، فيما تُفهم السلطة باعتبارها جهازًا تنفيذيًا للدولة المستقبلية، غير أن المسودة الحالية جعلت مؤسسات الحكم القائمة هي المركز الأساسي للنظام السياسي، دون معالجةٍ قانونيةٍ لمرحلة الانتقال من سلطة انتقالية إلى دولة ذات سيادة.
رائد بدوية: المطلوب ليس سحب المسودة، بل تصويب مسارها عبر تثبيت مرجعية منظمة التحرير، والنص على دور المجلس الوطني، ووضع مواد انتقالية واضحة
وبيّن أن النص "تجاهل تحديد العلاقة بين دولة فلسطين، والمنظمة، والسلطة الفلسطينية، وهي العقدة البنيوية للنظام السياسي منذ اتفاق أوسلو، كما لم يحدد دور المجلس الوطني بوصفه السلطة التأسيسية، ولم يربط إقرار الدستور بإرادة تمثيلية شاملة".
وأشار بدوية إلى أن المسودة، رغم وصفها فلسطين بأنها "دولة تحت الاحتلال"، لم توضّح كيفية إدارة هذا الواقع قانونيًا، ولا مصير الاتفاقات السابقة، ولا آليات تحويل الاعتراف الدولي إلى ممارسة سيادية فعلية، ما يجعلها "أقرب إلى دستور سلطة موسّعة منه إلى دستور تحرر وطني".
ورأى بدوية أن المطلوب ليس سحب المسودة، بل تصويب مسارها عبر تثبيت مرجعية منظمة التحرير، والنص على دور المجلس الوطني، ووضع مواد انتقالية واضحة. وقال: "بدون ذلك، سنكون أمام دستور يتحدث باسم دولة، لكنه يفتقر إلى المرجعية التي تصنعها".
البرغوثي: كثير من السلبيات والثغرات في باب السلطة القضائية
وتولى مركز "مساواة" لاستقلال القضاء دراسة الباب السادس من مسودة الدستور، والمتعلق بالسلطة القضائية، وأصدر مذكرة أولية حول النصوص الناظمة للسلطة القضائية. ووفقًا لمدير المركز إبراهيم البرغوثي، فسيُصدر المركز دراسة شاملة لكافة نصوص مسودة الدستور، وسينشر رأيًا تفصيليًا بخصوص كامل المقترح.
ويقول البرغوثي: "هناك الكثير من الجدل بشأن الوثيقة كاملة، وسنقوم بدراسة متأنية لمختلف المواد. غير أن ما يعنينا كمؤسسة حقوقية فيما يتعلق بباب السلطة القضائية أنه انطوى على بعض الإيجابيات إلى جانب الكثير من السلبيات والثغرات والمخاطر".
ويوضح البرغوثي، في حديث لـ"الترا فلسطين"، أن "المطلوب في المرحلة الحالية هو إعادة النظر في المسودة بشكل شامل، والوقوف على كامل الملاحظات التي ترد إليها وتصل إليها، والعمل على تطويرها بما يتفق مع مبادئ دولة القانون، ومع ملاحظات المواطنين، على اعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات".
وأضاف البرغوثي: "يجب أيضًا توفير فرصة حقيقية للحصول على تأييد شعبي لهذه المسودة عبر الالتزام بإجراء الاستفتاء. ولكي يخرج الاستفتاء بنتائج إيجابية، لا بد من إعادة النظر في المسودة بصيغتها الحالية، وتطويرها بما يعزز فرص الاستجابة الشعبية للوثيقة".
إبراهيم البرغوثي: لا ينبغي أن يكون الاستفتاء على شكل حزمة واحدة بنعم أو لا، وإنما يجب أن يجري وفق آلية تضمن إبداء الرأي الشعبي تجاه كل فصل من فصول الدستور، أو كل باب من أبوابه
وردًا على سؤالنا حول ما إذا كانت فترة الستين يومًا كافية لأخذ الملاحظات، أجاب البرغوثي: بالنسبة للمتخصصين من مؤسسات المجتمع المدني، وأساتذة الجامعات، وممثلي الأحزاب السياسية، فإن هذه المدة كافية. أما بالنسبة لعامة الناس، فيستلزم الأمر تنظيم حملة توعية مجتمعية واسعة، لشرح ما ورد في الوثيقة، وتسليط الضوء على نقاط القوة والضعف فيها، وهذا يحتاج إلى وقت أطول نسبيًا".
وشدّد على أهمية "التعامل الجدي مع الملاحظات وإدخال التعديلات الواجبة وضمان الالتزام بآلية إقرار أو رفض هذه المسودة بعد تعديلها من قبل الجمهور، كما ورد في المسودة ذاتها، التي نصّت على إجراء استفتاء شعبي، يجب أن يكون وفق المعايير الدولية".
وأكد: "لا ينبغي أن يكون الاستفتاء على شكل حزمة واحدة بنعم أو لا، وإنما، كما هو معمول به في الدول المتحضرة، يجب أن يجري وفق آلية تضمن إبداء الرأي الشعبي تجاه كل فصل من فصول الدستور، أو كل باب من أبوابه، من مقدمته وبدايته وصولًا إلى آخر نص ورد فيه".
الكلمات المفتاحية
حرب الإبادة الديموغرافية: كيف عمل الاحتلال على خفض عدد المواليد في غزة؟
ما يجري في غزة سياسة عنف إنجابي تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي
حرب إيران تفتح شهية المستوطنين: تصعيد في القتل والاعتداء وتهجير للتجمعات البدوية
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لـ"الترا فلسطين": منذ حرب إيران، سقط 6 شهداء برصاص مستوطنين، والاحتلال أصدر 11 أمرًا عسكريًا لإزالة أشجار في مساحات واسعة من الضفة الغربية.
أحلام العمصي والحكاية الفلسطينية على لسان النساء
لم تأتِ فكرة الحكاية لدى أحلام من فراغ، بل من قصص عاشت بعضها وورثت بعضها الآخر منذ طفولتها
إصابات وتسييج أراضٍ خلال هجمات للمستوطنين في نابلس والخليل وطوباس
سُجّلت 4 إصابات برضوض في اعتداءات للمستوطنين في بلدات جنوب نابلس خلال اليوم.
هآرتس: سلاح إيراني بيد حزب الله يثير قلق الجيش الإسرائيلي
المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعرب عن قلق متزايد من الاستخدام المتصاعد لدى حزب الله لصاروخ إيراني متطور مضاد للدروع.
حرب الإبادة الديموغرافية: كيف عمل الاحتلال على خفض عدد المواليد في غزة؟
ما يجري في غزة سياسة عنف إنجابي تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي
هآرتس: الجيش يغض النظر عن جرائم المستوطنين أو يشارك فيها والحكومة تدعمها
جيش الاحتلال يغض الطرف في أفضل الأحوال، ويسهم في الهجمات في أسوأ الأحوال، والمستوطنون المتطرفون الجالسون في الحكومة يمنحون ذلك دعمًا