ultracheck
ذاكرة وطنية

نيسان في الذاكرة الفلسطينية: شهر الخميس وطقوس تلوين البيض

7 أبريل 2026
نيسان في الذاكرة الفلسطينية: شهر الخميس وطقوس تلوين البيض
فريد طعم الله
فريد طعم الله صحفي ومزارع وناشط سياسي وبيئي

شهر نيسان (أبريل) هو الشهر الرابع في التقويم الميلادي، ويعود أصل تسميته إلى "نيسانْگ" السومرية والأكادية، وتعني "الباكورة" أو البدء والتحرك، حيث كان بداية السنة الدينية عند البابليين. يشتهر في بلاد الشام والعراق بـ "نيسان" ويعتبر شهر الربيع وتفتح الأزهار. يأتي شهر نيسان في الوجدان الشعبي الفلسطيني بوصفه ذروة التحول في دورة الفصول، حيث تنتهي قسوة الشتاء وتبدأ الأرض في استعادة دفئها ونبضها. 

لماذا سُمّي نيسان "شهر الخميس"؟

ارتبط اسم نيسان في فلسطين بتسمية خاصة هي "شهر الخميس"، وهي تسمية لا تأتي من فراغ، بل من طقوس متكاملة تقوم على أربعة أيام خميس متتالية، لكل منها طابعه الخاص ومعناه الرمزي. هذه الخميسات لم تكن مجرد أيام عادية، بل كانت محطات زمنية ينتظرها الناس ويستعدون لها، وتُمارس فيها طقوس كنعانية متوارثة تعكس علاقة الإنسان بالأرض وبالزمن وبالمجتمع.

وقد جاء ترتيب هذه الخميسات ليعكس نوعاً من التسلسل الرمزي في الحياة: من الاحتفاء بالنبات والطبيعة، إلى استذكار الموتى، ثم الاحتفاء بالفتيات والحياة الجديدة، وصولاً إلى المواسم الكبرى للاولياء وكذلك طقوس حماية المواشي.

ارتبط نيسان بعدد من المعتقدات الشعبية، منها أن مطره مبارك، وأن شمسه تحمل الشفاء، وأن بعض طقوسه قادرة على جلب الحظ

نهاية البرد و"شتوة نيسان"

يمثل نيسان نقطة فاصلة بين الشتاء والصيف، حيث يختفي خطر الصقيع تدريجياً، ويبدأ الدفء بالاستقرار. هذا التحول كان بالغ الأهمية للفلاحين، إذ تدخل المحاصيل، خاصة القمح، مرحلة حساسة تتحدد فيها جودة الإنتاج.

وفي هذا السياق، تبرز "شتوة نيسان" بوصفها واحدة من أهم الظواهر المرتبطة بالشهر فهي رحمة ونعمة "المطرة في نيسان جواهر ما إلها أثمان". فهي المطر المتأخر الذي يأتي في لحظة حاسمة، ليمنح السنابل الامتلاء ويضمن خصوبة الموسم قبل جفاف التربة. لذلك ارتبطت هذه الشتوة بالأمل، وقيل فيها: "شتوة نيسان بتحيي الإنسان"، لأنها قد تنقذ موسماً كاملاً من الخسارة.

وكان الناس يترقبون هذه الشتوة بقلق، فإذا هطلت، عمّ الفرح واطمأن الفلاح، وإذا غابت، ساد القلق والخوف من قلة المحصول. وهكذا أصبح المطر في نيسان ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل حدثاً اجتماعياً له أثر مباشر على حياة الناس. 

خميس النبات: الربيع في أجمل صوره

يبدأ نيسان بـ"خميس النبات"، وهو يوم يحتفي فيه الناس بتجدد الطبيعة، تنطلق الفتيات والصبايا (خاصة غير المتزوجات) إلى البرية والمراعي لجمع الزهور والرياحين البرية. ورد في قصص التراث أن الفتيات يضعن الزهور التي جمعنها في الماء تحت النجوم طوال الليل (تنجيم الماء) . في صباح اليوم التالي، تغسل الفتيات شعورهن ورؤوسهن بهذا الماء "المنجم"؛ تيمناً بزيادة الجمال والبركة، وعلى أمل أن ييسر الله لهن العثور على أزواج.

خميس الأموات: البيض بين الحياة والموت

وما ان ينتهي خميس النبات، حتى يحلّ "خميس الأموات" كثاني خميس في نيسان، وهو من أكثر الأيام عمقاً في دلالاته. في هذا اليوم، تتوجه العائلات إلى المقابر لزيارة موتاها، تحمل معها الطعام والصدقات، وتوزعها على الفقراء والمحتاجين.

لكن أبرز ما يميز هذا اليوم هو البيض المسلوق، الذي أعطاه اسماً آخر هو "خميس البيض" والذي يتزامن مع وفرة البيض، حيث تقوم الامهات بسلقه وتلوينه، باستخدام قشور البصل أو بعض النباتات البرية مثل زهور البسباس الصفراء، فيتحول إلى ألوان طبيعية جميلة.

يحمل البيض هنا رمزية عميقة، فهو يمثل الحياة الجديدة والبعث، وهو ما يتقاطع مع زيارة الموتى. وكأن هذا الطقس يقول إن الحياة لا تنتهي، بل تتجدد في أشكال مختلفة. لذلك يُوزع البيض على الأطفال والفقراء، ويُقدم صدقة عن أرواح الموتى، في مشهد يجمع بين الحزن والرجاء.

كما تُمارس في هذا اليوم لعبة "المطاقشة"، حيث يتنافس الأطفال في كسر البيض ببعضه. هذه اللعبة تضيف بعداً احتفالياً، وتُدخل الفرح إلى يوم يحمل في طياته ذكرى الفقد. وكان يعتقد ان الجمعة التي تلي هذا الخميس تسمى "الجمعة الجربة"حيث يصاب بالجرب من لا يأكل البيض المسلوق.

يتزامن نيسان مع عيد الفصح الذي يأتي في نهاية الصوم المقدس، الذي يحمل بدوره طقوسًا مرتبطة بتلوين البيض، وتبرز هنا عادة تلوين البيض بوصفها تقليداً مشتركاً بين الديني والشعبي. يحمل البيض في هذا السياق رمز القيامة والحياة الجديدة، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بجذوره الشعبية المرتبطة بالخصب والوفرة والتجدد. وهكذا يصبح البيض عنصراً مركزياً في ثقافة نيسان، يجمع بين الرمزية الدينية والمعنى الشعبي.

خميس البنات: الأمل والجمال

يُعد خميس البنات الموعد الثالث ضمن سلسلة احتفالات خميسات نيسان، ويأتي عادة في الخميس الثالث من شهر نيسان . تتمثل أهم طقوس هذا اليوم في الممارسات التالية:

  • مناجاة الأشجار: ورد في الموروث أن الفتيات ينتحدثن مع الاشجار ويرددن عبارات رمزية، مثل: "طقش ونتش شو بدو الراس يا شجرة؟".
  • ندى السنابل: في الصباح الباكر، تذهب الفتيات إلى حقول القمح لغسل شعرهن بالندى العالق على السنابل، مرددات أهازيج شعبية مثل: "يا نبات يا نبات طولي شعر البنات"، طلباً للجمال والنعومة.
  • الطعام في الطبيعة:  تناول الطعام في أحضان الطبيعة الخضراء، والرقص والدق بالأقدام على الأرض المعشبة؛ إيماناً بأن المشي والرقص على العشب اليانع يطيل العمر ويجلب الحيوية. 

خميس الموسم: البركة والحماية

يُختتم نيسان بـ"خميس الموسم"، الذي يُعرف أيضاً بـ"خميس الحَلَوات" أو "خميس البقرات". يرتبط هذا اليوم بانطلاق المواسم الدينية الكبرى، مثل موسم النبي موسى والنبي صالح حيث تتجمع الحشود في احتفالات واسعة.

ومن أبرز طقوس هذا الأسبوع صبغ قرون الحيوانات وفرائهن بالمغرة الحمراء، وهي مادة طبيعية تُستخدم كرمز للحماية من الحسد. كان المزارعون يعتقدون أن هذه الممارسة تجلب البركة وتحمي مواشيهم، التي تُعد مصدر رزق أساسي.   من الجدير الإشارة إلى أن اللون الأحمر في الموروث الكنعاني القديم يرمز للحياة والحماية من "ضربة الشمس" أو "العين"، وهو ما يفسر استمراره في الوعي الشعبي.

كما تُحضّر في هذا اليوم الحلويات، وتُقام الولائم، فيتحول إلى احتفال جماعي يجمع بين الدين والزراعة والعادات الاجتماعية. وقد لعبت هذه المواسم دوراً مهماً في تعزيز الروابط الاجتماعية، وكانت فرصة للتجارة والاحتفال، إلى جانب بعدها الديني.

المعتقدات الشعبية

ارتبط نيسان بعدد من المعتقدات الشعبية، منها أن مطره مبارك، وأن شمسه تحمل الشفاء، وأن بعض طقوسه قادرة على جلب الحظ. كما فسّر الناس الظواهر الطبيعية في هذا الشهر ضمن إطار رمزي يعكس علاقتهم بالطبيعة.

التفاؤل بالطيور: وفي شهر نيسان تمر من فلسطين الطيور المهاجرة واشهرها "حوام الخميس" وهو طير اللقلق او "أبو سعد" ذو الجناحين الكبيرين والقدمين الرفيعين الطويلين. كان الفلاحون يتفاءلون برؤيته ويسمونه ابو سعد، و كانوا يعتبرون وقوفه فوق مئذنة أو بيت قديم "بشارة خير" لصاحب البيت. ويغنون له: يا بو سعد دقّ الرعد باب دار الشيخ، واعتقد الناس أن هذه الطيور كانت في الحجّ، ووصلت فلسطين لترتاح قليلاً، ثم تغادرها إلى بلادها، وكان الاطفال يتفائلون به ويغنون :"حوّام شهر الخميس سنة الجاي وانا عريس".

ظهور السنابل: في هذا الشهر تخرج سنابل القمح (يُقال "سبّل القمح")، وهو ما يكمل دورة النمو التي بدأت في آذار، ويقال " "آذار حَبَّل ونيسان سَبَّل"؛ حيث يبدأ تكوين حبات القمح داخل السنابل في شهر آذار، ثم تخرج هذه السنابل (تسبّل) في نيسان، وتكون شتوة نيسان هي المسؤولة عن ملء هذه السنابل بالحبوب.

عادة "الباكورة": كان الفلاحون يحملون سنابل الشعير الخضراء "الباكورة" كتحية وسلام عند زيارة المدن أو الضيوف في هذا الشهر، استبشاراً باقتراب موسم الخير، وكانوا يبدأون بعمل الفريكة في هذا الشهر.

السيران وشرب الحليب: جرت العادة خاصة في الخليل أن يخرج الناس في نزهات خلوية "سيران"  إلى الحقول الخضراء، ومن التقاليد المرتبطة بهذه النزهات شرب الحليب الطازج.

أربعاء أيوب: هو الأربعاء الذي يسبق عيد الفصح لدى الكنائس الشرقية. يسود معتقد شعبي بأن النبي أيوب شُفي من أمراضه الجلدية المستعصية بالاغتسال في البحر في هذا اليوم،  لذا جرت العادة أن يذهب الناس (خاصة من يعانون من مشاكل جلدية) للاستحمام في بئر ايوب في القدس او في مياه البحر في يافا وغزة تحديدا طلباً للشفاء، بل وتُؤخذ الحيوانات المصابة بمرض "الجرب" للاغتسال في البحر أيضاً في ليلة الأربعاء. ويُعتبر البحر في هذا اليوم تحديداً "الأكثر قدرة على الشفاء". 

الزراعة والطبيعة

في نيسان، تبلغ الطبيعة ذروتها، حيث تمتلئ الحقول بالسنابل، وتزهر النباتات البرية، وتعود الطيور المهاجرة. كما ينشغل الفلاحون بأعمالهم الزراعية وخاصة الحراثة الثانية "ثناية او كراب" وزراعة المحصولات الصيفية، وكذلك الاستعداد لحصاد الشعير والكرسنة والفول. كما انه شهر تفتح زهور الزيتون ومؤشر على جودة الموسم ووفرته "إن لسَّن في نيسان.. لا تعشم فيه إنسان ".

الطعام والأمثال

يرتبط هذا الشهر بأطعمة خاصة، مثل البيض المسلوق والحلويات التقليدية مثل الزلابيه والملاتيت، والحليب والأجبان. كما تزخر الذاكرة الشعبية بالأمثال التي تعكس أهمية نيسان: 

- كل رعدة بآذار مطرة بنيسان.

-إن ابرز الزيتون بشهر أذار هيولوا الجرار، وإن ابرز بشهر الخميس هيولوا المغاطيس  

- كانون فحلها ونيسان محلها 

- في نيسان اطفي نارك.. وافتح شبابيك دارك

- مطرة نيسان بتساوي السكة والفدان والقرقه و الصيصان

- نيسان السبل ... سقعته بتهد الجمل

- في نيسان أول النهار وَحِلْ.. وتاليه مَحِلْ

- في نيسان بتفقس الصيصان

- في نيسان بتصير الدنيا عروس.. وبخفف الناس الغطا واللبوس

- في نيسان بيدفا كل إنسان

- نيسان بطعمي الجوعان وبدفّي العريان

- بين العقرب والنيساني ارفع غطاك الفوقاني

- قالت الحما: "شمس شباط لكنتي، وشمس آذار لبنتي، وشمس نيسان إلي ولشيبتي 

- حشيش آذار للشطار وحشيش نيسان للكسلان

- في نيسان ضُبّ العدة والفدان 

- "لو حطوا الدريس ع الدريس لا بُدّ من مطرة الخميس".

الكلمات المفتاحية

أيار في الوجدان الفلسطيني: شهر الجمادي والتحول من الربيع إلى الصيف

أيار في الوجدان الفلسطيني: شهر الجمادي والتحول من الربيع إلى الصيف

بالنسبة للفلاح الفلسطيني، أيار هو "عرس الأرض"، الوقت الذي تتحول فيه الألوان من الأخضر اليانع إلى الأصفر الذهبي، وحيث تتحول الحقول من مساحات للتنزه إلى ساحات للعمل الشاق والإنتاج


موسم النبي موسى وارتباطه بالتراث الشعبي الفلسطيني ودوره في حماية الأرض من الغزاة

موسم النبي موسى وارتباطه بالتراث الشعبي الفلسطيني ودوره في حماية الأرض من الغزاة

تعود الجذور الأولى لاستحداث موسم النبي موسى وتوظيفه سياسيًا إلى عهد صلاح الدين الأيوبي بعد تحرير المدينة عام 1187


من هي مها أبو خليل

استشهاد مها أبو خليل.. ثاني امرأة تخطف طائرة لتنفيذ صفقة تبادل

نعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الشهيدة مها أبو خليل، ووصفتها بأنها "مناضلة تاريخية وأكاديمية واجتماعية"


حين كانت الأرض صيدلية: حكايات الطب الشعبي في فلسطين

حين كانت الأرض صيدلية: حكايات الطب الشعبي في فلسطين

حاول الإنسان الفلسطيني قديمًا تفسير المرض بطريقة تتناسب مع معارفه المحدودة آنذاك

تقرير: بريطانيا منحت ترخيصين جديدين لتصدير معدات عسكرية إلى إسرائيل
أخبار

تقرير: بريطانيا منحت ترخيصين جديدين لتصدير معدات عسكرية إلى إسرائيل

وزارة الأعمال والتجارة البريطانية منحت ترخيصين جديدين لتصدير معدات عسكرية إلى إسرائيل رغم قرار تعليق الصادرات العسكرية لإسرائيل

رأفت جبر ترميم مصاحف في غزة
فيديو

ترميم مصاحف بأدوات بدائية في غزة

يرمم رأفت جبر نسخًا من القرآن الكريم تضررت بسبب الإبادة الجماعية، مستعينًا بأدوات بدائية


الاحتلال يصادر 7 دونمات مصنفة "أ" في جنين لإنشاء قاعدة عسكرية
أخبار

جيش الاحتلال يصادر 7 دونمات مصنفة "أ" في جنين لإنشاء قاعدة عسكرية

إنشاء القاعدة العسكرية على الأراضي المصادرة يهدف إلى حماية مستوطنتين ستقامان قريبًا على بعد بضعة كيلومترات شرق هذه القاعدة

المرافق للبيع
تقارير

المُرافِق للبيع في غزة

لم يعد الخروج مرتبطًا فقط بالحاجة الطبية، بل بالقدرة على الدفع. حيث يصبح المريض بوابة، والمرافق سلعة، والسفر امتيازًا يُشترى

الأكثر قراءة

1
قول

ضحكة ضد استعمارية


2
تقارير

مستوطنون ينبشون قبرًا جنوب جنين ويجبرون عائلة المتوفى على نقل جثمانه


3
قول

عنا وعن إسرائيل و6 أشهر من الانتظار


4
تقارير

الاحتلال يبدأ تنفيذ مشروع "إي 1".. إخطارات بهدم عشرات المحلات التجارية في العيزرية


5
تقارير

مصادر لـ الترا فلسطين: تركيا تستقبل 10 أسرى مبعدين من حركة حماس ودول أخرى تتنصّل