ultracheck
راصد

وثائق "الخطيئة الأولى": أرشيف جولاني المتروك في "قمامة" تل أبيب ينسف رواية النكبة

27 فبراير 2026
أرشيف النكبة
أنس أبو عرقوب
أنس أبو عرقوب صحفي مختص بالشأن الإسرائيلي

نشرت صحيفة هآرتس العبرية مقالًا استقصائيًا مطولًا للمؤرخ الإسرائيلي آدم راز بعنوان: "هل كان يلزم الإرهاب لكي يغادر العرب؟ ماذا فعل الجيش الإسرائيلي حقًا عام 1948؟". يكشف المقال أن الوثائق والمصادر التي فُتحت مؤخرًا عن حرب عام 1948 تُظهر أن الجيش الإسرائيلي لم يقتصر على "الدفاع"- كما في الرواية الإسرائيلية الرسمية- بل مارس عمليات تهجير قسري وإرهابًا ممنهجًا ضد السكان العرب لدفعهم إلى الفرار. وتعود الوثائق إلى الفترة التي تلت اتحاد العصابات الصهيونية تحت ما صار يعرف بـ"الجيش الإسرائيلي".

العثور على وثائق أرشيفية للنكبة تتضمن تفاصيل دقيقة عن عمليات عسكرية في الداخل والدول المجاورة، ومحاضر اجتماعات حزبية (حزب مابام) تناقش قضايا تتراوح بين السلاح النووي والحكم العسكري، وصولًا إلى الآلية الميدانية لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

أوامر مكتوبة وشهادات جنود وضباط تؤكد استخدام القتل والتفجيرات والاعتداءات على المدنيين كوسيلة لإخراج العرب من القرى والمدن، بما في ذلك النساء والأطفال. التغطية الإسرائيلية الرسمية أخفت هذه الحقائق لسنوات، وأعادت بعض المحاكمات التركيز على ضحايا محددين بينما تجاهلت نطاق العنف الأكبر. 

وقال المؤرخ راز إن الوثائق تشير إلى أن "الهجرة العربية لم تكن دائمًا طوعية، وأن طرد السكان كان جزءًا من سياسة ممنهجة، وهو ما يضع ظلالًا على الرواية التاريخية الرسمية ويؤكد أن عمليات الطرد والإرهاب كانت متعمدة ومنهجية".

وفيما يمكن اعتباره صدفة أعادت كتابة التاريخ، كان التاريخ نفسه مُلقى على الرصيف. في مفارقة تكشف هشاشة "الرواية الرسمية" التي سعت "إسرائيل" إلى تسويقها للعالم على مدى ثمانية عقود، لم تنكشف هذه الحقائق الصادمة من داخل أروقة المخابرات المحصنة أو عبر تسريبات استخباراتية تقليدية، بل خرجت إلى العلن من صناديق كرتونية مهملة تُركت إلى جانب حاوية قمامة في شارع جولان بحي رامات هاحايل الراقي في تل أبيب.

كان ذلك في أواخر آذار/ مارس 2024، حين كانت العالمة البيئية رونيت زيلبرمان تتجول قرب منزلها، لتجد نفسها أمام كنز وثائقي غير مسبوق. وتضيف الصحيفة: "آلاف الأوراق والمذكرات والخرائط والصور التاريخية التي لم تُنشر من قبل، كانت بانتظار شاحنة النفايات لتمحو أثرًا من أثقل آثار حرب عام 1948". 

فضول زيلبرمان أنقذ هذا الأرشيف الذي تبين لاحقًا أنه يعود للضابط رافي كوتزر، أحد الرواد الأوائل في لواء جولاني ومؤسسي سرية الكوماندوز في الكتيبة 12.

هذه الوثائق، التي انتقلت لاحقًا إلى معهد "آثار" لدراسة النزاع، لم تكن مجرد ذكريات جندي، بل كانت "هندسة الطرد"، حيث تضمنت تفاصيل دقيقة عن عمليات عسكرية في الداخل والدول المجاورة، ومحاضر اجتماعات حزبية (حزب مابام) تناقش ببرود قضايا تتراوح بين السلاح النووي والحكم العسكري، وصولًا إلى الآلية الميدانية لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

ما يمنح هذا الأرشيف قوته القانونية والتاريخية هو الانتقال من "الشهادة الشفهية" إلى "الأمر العسكري المكتوب". لقد كانت الرواية الإسرائيلية الرسمية تصر دائمًا على أن أي تجاوزات حدثت كانت "تصرفات فردية" أو "تجاوزات ميدانية في ظل ضغط الحرب". لكن وثيقة إسحاق بروشي، قائد الكتيبة 12، الصادرة في تموز/ يوليو 1948 تحت عنوان "السلوك في القرى المحتلة"، تنسف هذا الادعاء تمامًا.

  • لقد وضع بروشي نظامًا عسكريًا يقوم على "القتل كأداة للتحكم"، حيث تضمنت أوامره المكتوبة ما يلي:

  • الإعدام الفوري للمدنيين: أي مواطن عربي يتبادل بطاقته التعريفية مع آخر يُقتل الاثنان فورًا.

  • التدمير العقابي: أي شخص يتخلف عن الحضور للتفتيش العسكري يُقتل ويُفجر منزله فوق رؤوس الغائبين.

  • سياسة "الرجل العاشر": في حال وجود "غرباء" في القرية يُقتل رجل من كل عشرة رجال في القرية كإجراء ترهيبي جماعي.

  • تصفية قبيلة "الذباح": كانت الأوامر واضحة بخصوص قبيلة عرب الذباح في الجليل الأسفل؛ لم يكن المطلوب تهجيرهم، بل "قتل كل عربي" ينتمي لهذه القبيلة، دون استثناء، في عملية تطهير عرقي صريحة وموقعة بخط اليد.

تتجاوز هذه الوثائق البعد العسكري لتكشف عن "عقيدة" كانت تحرك القادة الميدانيين. ففي جبل طورعان، كانت التعليمات الصادرة لجنود لواء جولاني تقتضي "قتل كل مختبئ". وفي تقارير أخرى، وُصف الفلسطينيون العرب الذين يتحركون في قراهم لجمع طعامهم بأنهم "أهداف يجب تدميرها".

إن السؤال الذي يطرحه المؤرخ آدم راز، ويجيب عليه الأرشيف، هو: هل كان هذا القتل ضروريًا عسكريًا؟ الإجابة تكمن في تصريحات القادة أنفسهم. لقد كانت النية هي "النقاء العرقي" وتفريغ الحيز الجغرافي من أي وجود عربي لضمان استقرار الدولة الناشئة. تقول الصحيفة "هذا الاعتراف يضع غيمة سوداء فوق تاريخ "سرائيل، لأنه يؤكد أن المأساة الفلسطينية لم تكن نتاج هروب طوعي، بل نتاج سفك دم متعمد لمن رفض المغادرة".

ينبش التحقيق في ملفات بقيت مغلقة لعقود، مثل ملف شموئيل لهيس، قائد الفصيلة في لواء كرميلي، الذي ارتكب مجزرة حولا على الحدود اللبنانية. لهيس، الذي حوكم صوريًا وقضى فترة قصيرة في قاعدة عسكرية ثم نال عفوًا رئاسيًا ليصبح لاحقًا مديرًا عامًا للوكالة اليهودية، يمثل "النموذج" للإفلات من العقاب.

لكن الأهم من قصة لهيس هي الشهادات التي أدلى بها كبار القادة أمام المحكمة أو في مذكراتهم الخاصة، والتي تُنشر الآن للمرة الأولى:

• مردخاي ماكلاف (رئيس الأركان لاحقًا): اعترف بوضوح أن الهدف من تدمير القرى وقتل المدنيين كان "الطرد"، وقال بصراحة: "لا يمكن طرد 114 ألف شخص من الجليل بدون إرهاب أولي".

• ماكسيم كوهين (قائد لواء كرميلي): كشف عن سيكولوجية الطرد الإسرائيلية قائلًا: "لا تُطرد أي قرية بدون أن يُطعن أحد في بطنه.. يجب إخافة السكان علنًا".

• حاييم بن-دود (مستشار بن غوريون): أكد أن "تطهير المنطقة" كان يتجلى في القتل المباشر، وأن الأوامر الشفهية كانت تُلخص في جملة واحدة: "من يرفض المغادرة يحصل على رصاصة".

يشير التحقيق إلى أن ما تم اكتشافه في "صناديق القمامة" هو غيض من فيض، فهناك أكثر من 16 مليون وثيقة لا تزال محبوسة في الأرشيفات الإسرائيلية تحت بنود السرية المطلقة. الدولة العبرية تدرك أن كشف هذه الوثائق سيعني انهيار "الرواية الأخلاقية" للجيش وللدولة برمتها.

لقد مارست الرقابة العسكرية والحزبية عملية "تطهير للأرشيف" على مدار عقود، حيث تم إخفاء كل ما يشير إلى "إبادة السكان العرب" أو المجازر الكبرى مثل دير ياسين. والمحكمة العليا الإسرائيلية، التي طالما تغنت بالديمقراطية، كانت شريكًا أصيلًا في سياسة التعتيم هذه، برفضها المتكرر نشر الوثائق التي تمس بـ"سمعة الدولة والجيش".

الخلاصة الأولية من هذا التحقيق تؤكد أن النكبة فعلًا إراديًا وليس قدرًا عسكريًا. إن هذا التحقيق التاريخي، المستند إلى أرشيف كوتزر ووثائق بروشي، يضع العالم أمام حقيقة تاريخية لا تقبل التأويل: النكبة الفلسطينية لم تكن صدفة حربية، ولم تكن نتاج نداءات إذاعية عربية بالرحيل.

 لقد كانت "مشروعًا دمويًا" مدروسًا، استخدم الإرهاب الممنهج والقتل العشوائي والتفجيرات كأدوات لتغيير الديموغرافيا. بعد 80 عامًا، تخرج هذه الأوراق من الظلام لتقول إن "نقاء الرواية" الصهيونية يبدده اعتراف قادة مثل ماكلاف وبن-دود بأن "التطهير" كان روتينًا يوميًا، يقطع الطريق على أي محاولة لإعفاء "إسرائيل" من مسؤوليتها التاريخية والقانونية عن مأساة اللاجئين.

الكلمات المفتاحية

حُكام بريطانيا شركاء في إبادة قطاع غزة

حُكام بريطانيا شركاء في إبادة قطاع غزة

يسعى بيتر أوبورن في كتابه "متواطئون"، إلى توثيق دور المملكة المتحدة في تدمير قطاع غزة وقتل سكانه، كاشفًا ما خلّفه ذلك من آثار عميقة في السياسة والمجتمع البريطانيَّين.


الحاخام زيربيف "سفاح رفح" يشعل شعلة "يوم الاستقلال"

الحاخام زيربيف "سفاح رفح" يشعل شعلة "يوم الاستقلال"

في الوقت الذي تستعد فيه "إسرائيل" لإحياء ما يسمى "يوم الاستقلال" الثامن والسبعين، تبرز شخصية الحاخام أبراهام دوف زيربيف كعنوان لمرحلة جديدة، وصفتها منظمة "كسر الصمت"، بمرحلة "إزالة الأقنعة"


في ذروته.. رئيس الشاباك يتواطأ مع "الإرهاب اليهودي" في الضفة

في ذروته.. رئيس الشاباك يتواطأ مع "الإرهاب اليهودي" في الضفة

هآرتس: الشعبة اليهودية في جهاز المخابرات الإسرائيلية (الشاباك)، المسؤولة عن إحباط اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، تعيش أزمة عميقة ومتفاقمة


خبراء إسرائيليون: الحرب على إيران فشلت في تحقيق نتائج حاسمة

خبراء إسرائيليون: الحرب على إيران فشلت في تحقيق نتائج حاسمة

أكد خبراء إسرائيليون أن العدوان على إيران، الذي استمر 40 يومًا، لم يحقق نتائج حاسمة، وأن الوضع الحالي لا يبعث على التفاؤل

بعد ضغط أميركي.. نتنياهو يعلن عن صفقة غاز مع مصر بقيمة 112 مليار شيكل
أخبار

الغارديان: نتنياهو مُني بسجل من الفشل الذريع في غزة ولبنان وإيران

قال جوناثان فريدلاند إنه بعد عامين ونصف من الحروب على إيران وغزة ولبنان مُني بنيامين نتنياهو بـ"سجل من الفشل الذريع"

معلومات استخباراتية أميركية: الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران
أخبار

معلومات استخباراتية أميركية: الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران

تشير معلومات استخباراتية أميركية إلى أن الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران خلال الأسابيع القليلة المقبلة


ماذا يريد الاحتلال من استهداف المنظومة الأمنية والمدنية في غزة؟
أخبار

غزة: 6 شهداء و3 جرحى في خروقات مستمرة لوقف إطلاق النار

استُشهد ستة أشخاص وأصيب ثلاثة آخرون إثر غارة وسط قطاع غزة وإلقاء قنبلة على خيمة جنوب القطاع ليلة السبت

حُكام بريطانيا شركاء في إبادة قطاع غزة
راصد

حُكام بريطانيا شركاء في إبادة قطاع غزة

يسعى بيتر أوبورن في كتابه "متواطئون"، إلى توثيق دور المملكة المتحدة في تدمير قطاع غزة وقتل سكانه، كاشفًا ما خلّفه ذلك من آثار عميقة في السياسة والمجتمع البريطانيَّين.

الأكثر قراءة

1
تقارير

ريتاج ريحان.. طفلة قُتلت برصاصة إسرائيلية داخل خيمتها الدراسية في بيت لاهيا


2
تقارير

هجوم دموي على مخيم المغازي: الأهالي يتصدون لميليشيا مسلحة يحميها طيران الاحتلال


3
تقارير

تجميد الحسابات البنكية في غزة: أموال محجوزة وأرزاق معلقة


4
تقارير

خاص | مباحثات في القاهرة حول "ورقة ملادينوف" لنزع السلاح.. حماس تتمسك بأولوية إتمام المرحلة الأولى من اتفاق غزة


5
تقارير

أزمة خانقة تهدد القطاع الصحي: المستشفيات الأهلية والخاصة في فلسطين على حافة الانهيار