ultracheck
قول

عيد الأعياد

4 يناير 2018
1453102572599562.jpg
بحر يافا
رشيد إغبارية
رشيد إغبارية كاتب من فلسطين، يعيش في مدينة أم الفحم

أسير مع صديقي في شوارع هذه المدينة الداكنة، نتسلّى في السخرية كلٌّ من دين الآخر.

-  دينك يحض على البلاهة.

-  دينك لا هيكل عظمي يحتويه.

ونضحك قبل أن نغرق في تشعّبات وضع المدارس في حيفا، وعن فقاعة حيفا، وعن أغاني فيروز وأمّ كلثوم والأراضي المصادرة في النكبة، وحزبي الذي يكرهه قدر حبّه لي.

ونتذكّر أنّنا صرنا في كانون الأول/ديسمبر، جافّ من الأمطار كأنّه حزين على الإعلان الذي يدق مسمارًا آخر في نعش القدس التي ما زالت تنتهك منذ سبعين عامًا.

ها قد أتى العيد، ثلاثة أعياد تلتقي في ثلاثة ديانات، عيد الحانوكا (الأنوار) اليهوديّ، وعيد الميلاد المسيحي، وعيد الـ..

لحظة، تبًّا فأعياد الإسلام تلك ترفض أن ترتكز لنقطة ثابتة، كانَ مرة عيد الأضحى وصار عيد الفطر ثم صار رمضان، والآن هو عيد المولد النبوي، لا يهمّ، فالإسلام بطبعهم إمّا نكديون لا يحبون الأعياد أصلًا، وإما منفتحون يتقبلون الأعياد الأخرى كفرصة للتلصص.

نسير في هذا السيرك الكبير ننظر إلى أنفسنا ونبتسم، نصنع لهم طعامهم - الحمص والتبولة والفلافل - حتّى يتباهوا به بين الأمم.

لقد صرنا يهودهم، يأتون إلى مخيّماتنا ويصورون أطفالهم مع ديناصوراتنا. ويأكلون طعامهم الوطنيّ الذي نصنعه من أجلهم.

تتداور المواقف منك تبعًا للظروف، عادةً ما يكون الموقف الرسمي منك موقفًا يتبع دينك الذي قد يكون مسلمًا سنيًا أو شيعيًا أو درزيًا، أو حتى بدويًا، أو مسيحيًا، كاثوليكيًا أو أرثوذكسيًا أو لاتينا أو بروتستانتيًا، أو غيرها من الملل والطوائف التي يتم تربيتها كميكروبات المختبر حتى تصبح جسدًا. ونتلقّف نحن تلك التقسيمات كالوزّ في مزرعة تبيع كبده، فنهتف في مظاهراتنا: "وحدة وحدة وطنية... إسلام دروز ومسيحية"، وحدهم الملاحدة لهم الله.

فقط حينما تريد أن تشتري بيتًا في حاراتهم، أو أن تعمل في أماكن عملهم تفقد تلك التسميات من رونقها وتصبح بالنسبة لهم مجرّد عربيّ.

نجلس في زاويةٍ من زوايا شارع يافا في مطعم منذ ألف وتسعمئة وخشبة، يصم أذنيّ صراخهم وضجيجهم الذي لا مفر لك منه إلا في تلاشيك أنت.

   شارع يافا هو نسخة مصغّرة عن نكبة هذه المدينة، كما هي يافا نسخة مصغرة عن نكبة فلسطين   

شارع يافا هو نسخة مصغّرة عن نكبة هذه المدينة، كما هي يافا نسخة مصغرة عن نكبة فلسطين، البيوت (التي لم تهدم) هي نفس البيوت، والشوارع نفس الشوارع، وحتى أسماؤها العربية ترشح من تحت أطنان الإسمنت والترميمات التي صبّت فوقها، وحتّى شباب ما بعد الحداثة ما زالوا يزلّون بتلك اللغة المستحدثة لتضبطهم متلبسين بعروبتهم تحت أقنعة الغسيل الغربي، فماذا اختلف إذًا، لماذا مسحة الألم عندما تضبط بناية عمرها أكبر من عمر هذه الدولة صارت بناية لوزارة الإسكان؟ ولماذا تئنّ الروح ألمًا عندما يتباين معنى "شارع الاستقلال"؟ أو عندما يضاجع شارعٌ جديد شارع يافا سمّوه شارع تل أبيب؟

يقول المؤرّخ إن حيفا كانت تحوي خمسة وسبعين ألفًا من السكان العرب، وقد بقي منهم بعد النكبة ثلاثة آلاف وخمسمئة عربي.

تضغط الدولة الفتية على العرب في قراهم فتحشرهم "كالصراصير في القنينة" ليخرج بعضهم منها ويستوطنوا في مدنها، حيفا ويافا ونتسيرت عيليت (أو باسمها المعرب الناصرة العليا) وكرميئيل، أوّل سؤال تسأله للعربي الحيفاوي: "من أين أنت؟"، فهو من كل الأماكن سوى حيفا.

  حيفا مدينة غريبة، فقاعة داكنة من الشعور بالأمان   

حيفا مدينة غريبة، فقاعة داكنة من الشعور بالأمان، أمانٌ بنسبة ثلاثةٍ ونصف من خمسة وسبعين، واضحٌ أنّ المستعمر لن يعود على نفس الخطأ مرتين، وفي المرة القادمة –التي ستأتي لا محالة- ستكون النسبة صفرًا.

نذهب إلى مسرح نما كصبّارٍ في الصحراء، نشاهد فيلمًا يلكمنا جميعًا حتى تسيل الدماء من أنوفنا، فيلمٌ جمع اليسار واليمين الفلسطيني مع اليسار واليمين الصهيوني في رفض عرضه وتمويله، فنحن نخاف الحقائق القابلة للاشتعال، ونفضل عليها الكذب الملبّق بالزهور والنقود.

نجلس أنا وصديقي في شارع يافا في مساء الجمعة الذي يتظلّل فيه اليهود العلمانيون بنا "عرب المدينة" حتى تتسنى لهم فرصة في السهر عند الجوييم "الأغيار"، والتلذّذ بموهبتهم في صنع الحمّص التي يتفوق عليهم بها "إلياهو" الآن. نطلب صحن "الخومُوس" من النادلة العربية التي تخاف أن تُطرد إذا ما صحّحت لسانها، ونعود إلى السيارة بجانب عمارة الصاروخ الذي يقف برزخًا بيننا وبين الوطن الذي نريد، ليس قبل أن نمرّ بمسجد وكنيسة يستتران خلف الأزقة ويعطيان فرصة للغزاة بالتبول في طريقهم إلى البيت.

نمر بحاجز عابر لشرطة الدولة العابرة، يسألنا من أين أنتم أقول "حيفا" بلهجة مفضوحة، فيضع يده على يمينه احتسابًا لأيّ طارئ طالبًا رخصتي، أعطيه الرخصة، وهنا تقع "الكارثة"، لقد نسيت تحديث مكان سكني على رخصة السواقة، ليكتشف أنّني من سكان أم الفحم، عبثا ضاعت محاولاتي شرح موقفي، حتى ادعاء صديقي بأنه حيفاوي مسيحي بَدَتْ له كذِبًا محْضًا وهو يطلب منّا الترجل من السيارة ريثما تصل التعزيزات ضد أولئك المارقين لمجرد وجودهم أصلًا في مكان أعدّ لغيرهم.

تجلس في التوقيف تحاول أن تفهم ماذا تريد منهم وماذا يريدون منك، مهما حاولت اللف والدوران أو أن تمثل دور أميل حبيبي كـ"باقٍ في حيفا" ستجد المنزلق يجرّك إلى مكان واحد وموقف واحد، لن تنجح تلك الخدعة الاستعمارية المطعّمة بالأساطير المسروقة التي خلقت جيوشا من "الزومبيس" يتلذذون بالدعس عليك، كل ما يمكن التنبؤ به هو كيفية تلاشيك أنت أيضا "كإنسان" في تلك الطريق إلى جهنم المرصوفة بالنوايا السيئة.


اقرأ/ي أيضًا:

لماذا لم ينتهِ الاحتلال في عام 2017؟

إسراء جعابيص.. عذابات الأسر والإصابة

جيجي حديد.. الجمال في مواجهة الاحتلال

الكلمات المفتاحية

البريد السرّي للأسرى وتهريب الإنسانية: رسالة إبراهيم حامد لوليد دقة نموذجًا

البريد السرّي للأسرى وتهريب الإنسانية: رسالة إبراهيم حامد لوليد دقة نموذجًا

نأى بقلبه إبراهيم حامد عن شؤون السجن الخارقة للإنسانية، ليقترب أكثر من صورة ميلاد متأملًا فيها، فغدت ميلاد مرآته التي انعكس بها وجهه الإنساني


عن استحالة الانتخابات فلسطينيًا

عن استحالة الانتخابات فلسطينيًا

قد يكشف لنا قادم الأيام، تفاصيل هذه الهندسة، لكن المؤكد أن الإدارة الأميركية لن تكرر ما حدث في العام 2006 الذي أحرجها ووضعها في موقف


من الذي يخشى صندوق الاقتراع؟

من الذي يخشى صندوق الاقتراع؟

الصندوق الذي تخشاه السلطة أكثر مما تخشى فقدان شرعيتها، لم يعد مجرد صندوق اقتراع؛ بل أصبح مرآة للنظام كله...


كيف إبادت إسرائيل بحر غزة؟

كيف أبادت إسرائيل البحر؟

في ذاكرة كلّ غزّي اليوم بحران: بحرٌ يأخذه إلى النزهة ولمّة العائلة وضحكات الأصدقاء، وبحرٌ آخر يأخذه إلى النزوح والخيمة والبكاء الطويل

نتنياهو من جبل الشيخ: نقترب من إسقاط النظام الإيراني
أخبار

نتنياهو من جبل الشيخ: نقترب من إسقاط النظام الإيراني

أكد نتنياهو أن المهمة الرئيسية تتمثل في "إسقاط نظام الإرهاب في إيران"، مدعيًا: «نحن قريبون جدًا من ذلك"

لجنة حكومية إسرائيلية تبحث 3 مخططات استيطانية في الضفة
أخبار

لجنة حكومية إسرائيلية تبحث 3 مخططات استيطانية في الضفة

تبحث اللجنة الفرعية للاستيطان التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية اليوم ثلاثة مخططات استيطانية في الضفة الغربية


عائشة الرابي
أخبار

حكم مخفف على مستوطن أُدين بقتل عائشة الرابي

أدين المستوطن بإلقاء حجر باتجاه مركبة وإلحاق أضرار متعمدة بها وقتل عائشة الرابي، وفي النهاية حكم عليه بالسجن 13 عامًا

فرح حامد شهيدًا بعد الأسر والإبعاد
أخبار

فرح حامد شهيدًا بعد الأسر والإبعاد

استُشهد الأسير المحرر فرح أحمد حامد (50 عامًا) من بلدة سلواد، إثر إصابته في غارة على شارع الرشيد غربي مدينة غزة، حيث يعيش منذ إبعاده

الأكثر قراءة

1
تقارير

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية


2
تقارير

انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت للمجلس الوطني.. إشكال الشرعية


3
قول

الجنرالات التائبون


4
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟


5
مقابلات

حوار | وليد حباس: المنافسة في الانتخابات الإسرائيلية على إدارة الاحتلال لا على إنهائه