13-مايو-2024
من تظاهرات طلبة الجامعات رفضًا لجريمة الإبادة الإسرائيلية في غزة

من تظاهرات طلبة الجامعات رفضًا لجريمة الإبادة الإسرائيلية في غزة

تراوحت نظرتنا كفلسطينيين إلى التظاهرات الطلابية في الجامعات الأميركية، والتي انتقلت إلى مشارق الأرض ومغاربها، بين الفرح لرؤية المشاهد المبهجة الداعمة لغزة وفلسطين، والأمل في أن تترك تداعيات وتأثيرات إيجابية على حرب غزة والقضية الفلسطينية بشكل عام، والحسرة والألم للافتقاد إلى مشاهد مماثلة في جامعاتنا العربية كي تضغط على الأنظمة لتتخذ موقفًا مغايرًا من الحرب والقضية بدلًا من الراهن، المتخاذل وحتى المتواطئ، رغم أن الحرب تؤثر سلبًا على الأمن القومي العربي بمعناه الواسع بينما كانت القضية ولا تزال عربية بامتياز أو يفترض أنها كذلك.

معركة تقرير المصير هي نفسها في العالم العربي وفلسطين، والأنظمة التي فشلت بامتحانات الخبز والحرية والكرامة لم ولن تنجح في امتحان فلسطين، وفقط دول وأنظمة وشعوب حرة يمكن أن توفّر أو تساهم في توفير الحرية للشعب الفلسطيني

بداية، تعود مشاعر الفرح والسعادة تجاه التظاهرات الطلابية الحاشدة بالجامعات الأميركية إلى رسالتها الأولى والأهم، القائلة أن الفلسطينيين وتحديدًا الغزيين ليسوا وحدهم، وأن ثمة رفض أخلاقي وسياسي واسع للإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي ترتكب بحقّهم وعلى الهواء مباشرة وعلى مرأى من العالم أجمع.

في السياق، ثمة تبن واضح بالتظاهرات للرواية الفلسطينية العادلة كون "طوفان الأقصى" والصراع ككل لم يبدأ في 7 تشرين أول/ أكتوبر الماضي، والشعب الفلسطيني يناضل بالوسائل المتاحة من أجل نيل حقوقه غير القابلة للتصرّف وفق المواثيق والشرعية الدولية، وحتى مع بعض التجاوزات والأخطاء هنا وهناك، لكن السياق العام النضال أخلاقي وشرعي بالتأكيد ويستحق دعم أحرار العالم خاصة الشباب والطلاب الذي يتصرف وفق ضميره وقناعاته دون أي حسابات فئوية أو مصلحية ضيّقة.

على صلة ومرتبط بما سبق ومن الزاوية الأخرى، لا شك أننا أمام تراجع لأكذوبة الرواية الإسرائيلية عن واحة الديموقراطية، والقاعدة المتقدّمة للحضارة الغربية المتنورة والعصرية في الصحراء العربية القاحلة، بينما ترتكب الواحة – الأكذوبة الآن إبادة جماعية وجرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية بغزة، وحتى قبل 7 تشرين أول/ أكتوبر كانت قد أقامت أصلًا نظام فصل عنصري مركّب وصارم وقاس بمواجهة الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده المختلفة، كما تقول منظمات حقوقية غربية وأممية مرموقة – "هيومان رايتس ووتش" و"أمنستي" - وحتى إسرائيلية مثل "بيتسيلم".

رفعت التظاهرات الطلابية ومنذ البداية مطالب واضحة وأرسلت رسالة صريحة بضرورة وقف الحرب والمقتلة بحق الفلسطينيين، والتدخل للتوصّل بل فرض حل عادل للقضية الفلسطينية 

بناء عليه رفعت التظاهرات الطلابية ومنذ البداية مطالب واضحة وأرسلت رسالة صريحة بضرورة وقف الحرب والمقتلة بحق الفلسطينيين، والتدخل للتوصّل بل فرض حل عادل للقضية الفلسطينية، وإنهاء آخر احتلال واستعمار بالعصر الحديث. وفي السياق الأكاديمي قدّمت وطرحت التظاهرات مطالب صريحة لها علاقة مباشرة بالجامعات من قبيل وقف التعاطي، والتعاون العلمي والبحثي والأكاديمي مع الجيش والجامعات الإسرائيلية خاصة تلك المتّهمة بدعم الاحتلال، إضافة لوقف الاستثمارات الجامعية بالشركات الداعمة ولو بشكل عام لآلة الحرب والقتل ضد الفلسطينيين.

في السياق العام تدعم التظاهرات وتشرعن بلا شك بل وضعت على جدول الأعمال بشكل جدي فكرة مقاطعة الدولة العبرية -بما في ذلك منع تصدير السلاح- وفرض العزلة والحصار عليها وضرورة محاسبتها، وعدم إفلاتها من العقاب على جرائمها المستمرة لشهور وسنوات وحتى عقود بحق الشعب الفلسطيني ومنعه من نيل حقوقه وحريّاته الأساسية وأهمها بالطبع حقّه الأصيل في السيادة والاستقلال وتقرير المصير.

بالعموم بدأت أهداف التظاهرات في التحقق ولو جزئيًا، حيث أبدت بعض الجامعات استعدادًا لوقف التعاون العلمي والأكاديمي مع الجيش والجامعات الإسرائيلية، كما مناقشة ودرس سحب الاستثمارات بالشركات الداعمة للدولة العبرية، وبذلك وضعت الملف على جدول الأعمال الأكاديمي وبشكل لا رجعة عنه أميركيًا وعالميًا.

مع الفرح والسعادة حضر الأمل بعدما خلقت التظاهرات دفعة إضافية باتجاه إنهاء الحرب التي باتت في الدقيقة التسعين مع تسريع ومضاعفة الجهود لإيقافه، ووضع القضية الفلسطينية على جدول العمال الإقليمي واستحالة تجاوزها أو غضِّ الطرف عنها والمضيّ وكأن شيئًا لم يكن.

الحسرة في التعاطي مع التظاهرات والاعتصامات الطلابية الأميركية والعالمية فتعود إلى كوننا لا نرى مشاهد مماثلة في الجامعات العربية وحتى الفلسطينية 

في النتائج المهمة واللافتة أيضًا، امتداد وانتشار التظاهرات والاعتصامات الطلابية في مشارق الأرض ومغاربها من استراليا وإندونيسيا وماليزيا شرقًا إلى أوروبا وأميركا اللاتينية غربًا، ومن سويسرا شمالًا إلى إفريقيا جنوبًا مع تبن جوهري للمطالب والأهداف المتمثلة بوقف الحرب وحل القضية الفلسطينية وعزل ونبذ "إسرائيل" ومحاسبتها على جرائمها.

أمّا الحسرة في التعاطي مع التظاهرات والاعتصامات الطلابية الأميركية والعالمية فتعود إلى كوننا لا نرى مشاهد مماثلة في الجامعات العربية وحتى الفلسطينية مع الانتباه إلى كون طلاب هذه الأخيرة يعانون قمعًا مزدوجًا من السلطة الفلسطينية والاحتلال، ورغم ذلك فهم ينخرطون بفعالية وقوة في ميادين المقاومة المتنقلة من القدس إلى الخليل وبيتا وبرقة وجنين وطولكرم ونابلس.

في السياق العربي العام يعود غياب الحراك الطلابي إلى تمكّن الثورة المضادة، وتحديث منظومات الاستبداد والفساد والقمع التي أسقطتها الثورات الأصيلة بالعام 2011، وتشديد وإحكام قبضتها على المجتمع خاصة الشباب والطلاب كما نرى في مصر، حيث يكاد النظام البوليسي يخرج عن طوره لإجهاض وخنق أي بيئة تسمح بتكرار الخطوات لمنع تكرار ثورة يناير.

من هنا، وعربيًا أيضًا لم يكن غريبًا أن يتّسع هامش التظاهر باتّساع مساحة حرية التعبير ولو نسبيًا، لذلك رأينا تحرّكات معقولة في الأردن وأوسع وأكبر في المغرب والكويت في تناسب طردي مع اتّساع مساحة حرية التعبير بالعالم العربي.

مقرونًا مع الحسرة يأتي الألم بغياب التأثير الطلابي والشعبي على المنظومات السياسية العربية لاتخاذ موقف مغاير وجدي من الحرب رغم دخولها الشهر الثامن، والأمر لا يقتصر للأسف على التخاذل وإنما يتعدّاه ليلامس حدود التواطؤ كما رأينا في اجتياح الاحتلال شرق مدينة رفح، والسيطرة على المعبر والمنفذ الوحيد للغزيين مع العالم، وانفتاح النظام المصري وتجاوبه مع خطط وتنسيق تل أبيب وواشنطن لإدارته من قبل شركة أمنية أميركية سيئة الصيت.

نرى مزيجًا من التخاذل والتواطؤ أيضًا في استمرار التعامل الاقتصادي العربي مع "إسرائيل" وكأنّ شيئًا لم يكن. للأسف أيضًا شهدنا صمتًا مطبقًا على كلّ المستويات في سوريا والجزائر، رغم الموقف الإيجابي للنظام الجزائري بينما لم يُطلق الأسد رغم خطابه الممانع رصاصة ولا حتى كلمة واحدة باستثناء مشاركته بالقمة العربية الاسلامية (تشرين ثان/ نوفمبر الماضي) والتي استغل خلالها وكما العادة حرب غزة والقضية الفلسطينية لتبييض صفحته وتعويم نظامه.

شهدنا انفصامًا موصوفًا بامتداح التظاهرات بجامعة كولومبيا الأميركية والمقارنة مجازًا بصمت وضعف وتخاذل الجامعة العربية، رغم تأييد البعض لإعادة نظام الأسد إلى الجامعة نفسها. ومبدئيًا وأخلاقيًا ومنهجيًا ومنطقيًا، حتى فمن يطبّع ويحتضن الأسد الذي ارتكب فظائع وجرائم ضد شعبه لن يكون قادرًا على نجدة الشعب الفلسطيني، ولا أي من الشعوب والقضايا العربية الأخرى كما نرى في ليبيا والسودان والصومال على سبيل المثال لا الحصر.

إسقاط أنظمة الاستبداد العربية كان ولا يزال ضرورة ملحة لدعم فلسطين وقضيتها العادلة

بناءً على ما سبق كلّه يتمثل الاستنتاج واستخلاص العبر من التظاهرات الطلابية بالعالم وتبني روايتنا العادلة وإنصات واهتمام القيادات السياسية والحزبية بالعالم بها بحقيقة أن إسقاط أنظمة الاستبداد العربية كان ولا يزال ضرورة ملحة لدعم فلسطين وقضيّتها العادلة.

ومن هنا نستنتج أن معركة تقرير المصير هي نفسها في العالم العربي وفلسطين، والأنظمة التي فشلت بامتحانات الخبز والحرية والكرامة لم ولن تنجح في امتحان فلسطين، وفقط دول وأنظمة وشعوب حرة يمكن أن توفّر أو تساهم في توفير الحرية للشعب الفلسطيني المدعو كذلك لاستعادة حقّه في اختيار قيادته كي لا تضيع تضحياته الهائلة وصموده الأسطوري سدى، ولنيل دعم الأشقاء والأصدقاء ومواصلة نضاله العادل بعد انتهاء الحرب الراهنة بأبعاده المختلفة؛ السياسية والإعلامية والاقتصادية والقضائية لمحاسبة الاحتلال على جرائمه الحالية والسابقة واللاحقة.

وباختصار لتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره ونيل حقوقه، وكي يظلّ العصب مشدودًا في العالم لا بد أن يبقى كذلك في فلسطين والعالم العربي، ويعتمد الأمر بالضرورة على أدائنا كفلسطينيين وعرب، وضرورة بل حتمية تشكيل قيادة ومرجعية فلسطينية جديرة بالتنسيق مع الأصدقاء والحلفاء والداعمين لنشر روايتنا المضادة لـ "إسرائيل"، والأهم مجادلتها ومنافستها وعزلها في الساحات والميادين المختلفة خاصة ميادين الرأي العام العالمي التي ستلعب دورًا حاسمًا ومركزيًا في حسم الصراع لصالحنا.