13-يوليو-2024
سبسطية

أصبحت العناوين المرتبطة بضم الضفة الغربية هذه الأيام لا تعد ولا تحصى. ولعل كل ما يجري تداوله هذه الأيام، إلى جانب عمليات العدوان الرهيب في غزة، لا يتعدى كونه تكثيفًا لخطوات الضم الفعلي وحسم مسألة الأرض لصالح الاستيطان الاستعماري، إذ لم يعد الأمر خافيًا على أحد، ولم يعد جارور الأسرار مقفلاً كما جرت العادة منذ بدء الاحتلال للأرض الفلسطينية.

لعل كل ما يجري تداوله هذه الأيام، إلى جانب عمليات العدوان الرهيب في غزة، لا يتعدى كونه تكثيفًا لخطوات الضم الفعلي وحسم مسألة الأرض لصالح الاستيطان الاستعماري

لكن هذه المرة، تبدو مسألة الآثار واحدة من العناوين الكبرى لهذه العملية بالنظر إلى ما تم تداوله منذ أيام قليلة في كنيست الاحتلال، وحاز على القراءة الأولى بالمصادقة، بانتظار باقي القراءات من أجل الشروع بالتنفيذ.

ففي يوم العاشر من تموز/يوليو كان موضوع تعديل صلاحيات سلطة الآثار التابعة للاحتلال الحدث الأكبر داخل أروقة الكنيست، من خلال نقاش القرار الذي حمل الرقم פ/25/2346 وقدمه عضو الكنيست عميت هليفي من حزب الليكود، ويقضي بسريان صلاحيات سلطة الآثار الإسرائيلية على الآثار في جميع مناطق الضفة الغربية المحتلة، دون إشارة إلى منطقة محددة لأراضي الضفة الغربية.

ولأن كل ما يحدث في دولة الاحتلال  يرتبط بشكل أو بآخر بسياق محدد يؤدي إليه، فإن نقاشات مسألة الآثار بدأت منذ سنوات طويلة، لكن، وتحديدًا في شهر تموز/يوليو من العام الماضي 2023 درست حكومة الاحتلال خطة ما تسمى "محاربة تدمير الآثار والمواقع التراثية في يهودا والسامرة"، بحيث أقرت حكومة الاحتلال حينها استثمار ما يقارب 120 مليون شيكل في هذا الصدد.

وادعت حكومة الاحتلال أن "السلطة الفلسطينية"، تقوم بتنفيذ برامج ممنهجة من أجل تبني "المواقع اليهودية" على أنها مواقع فلسطينية، من خلال حملة تقودها "السلطة" لدى المنظمات الدولية وتحديدًا اليونسكو من أجل تبني هذه المواقع. وادعت حكومة الاحتلال في مخرجات ذات الجلسة أن هناك  3064 موقعًا "للتراث اليهودي" في جميع أنحاء الضفة الغربية، منها 2452 موقعًا في المنطقة التي يصنفها "ج" والخاضعة لسيطرة حكومة الاحتلال الكاملة، وأن ثلث هذه المواقع والبالغ عددها 1150 موقعًا قد تضررت بحسب زعمهم.

وفي إطار ذلك كله، خصصت حكومة الاحتلال حينها ما مجموعه 120 مليون شيكل على مدى السنوات الثلاثة المقبلة، وذلك بمبادرة من قبل ما يسمى "وزير التراث" عميحاي إلياهو، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير السياحة حاييم كاتس. وفصّل الكابنيت مصروفات الخطة، موضحًا أنه سيتم استثمار 17 مليون شيكل في تطوير البنية التحتية في مختلف المواقع التراثية المزعومة، وفي عمليات الإنقاذ المكثفة في المواقع التي تضررت من قبل "السلطة الفلسطينية" حسب زعمهم.

كما تقرر تخصيص 10 ملايين شيكل في التطبيق والوقاية في هذا المجال: وضع تدابير وقائية بما فيها عمليات تسييج المواقع وتعزيز الإشراف، وإنشاء حراسة أمنية احترافية، وجمع المعلومات الاستخبارية الأولية، والمراقبة في الميدان، وكذلك تركيب تقنيات المراقبة المتقدمة مثل الكاميرات والطائرات بدون طيار. بالإضافة إلى ذلك، سيتم إنشاء طرق وصول واقتراح حلول للنقل والوصول إلى المواقع التراثية بالتعاون مع ما يسمى وزارة النقل.

وتقرر أيضًا استثمار 45 مليون شيكل في إنشاء مواقع إرساء واستقبال الحشود، وتعزيز التنمية السياحية والاقتصادية، بالإضافة إلى التعاون مع وكالات السياحة الدولية، و20 مليون شيكل أخرى لإنقاذ موقع تراث ما يسمى "قصور الحشمونائيم" غرب رام الله والحفاظ عليه وتطويره، وتنظيم حركة المرور الدائمة للزوار إلى الموقع. وسيتم فحص بناء طريق مخصص للموقع، نظرًا لأن الطريق الحالي يمر عبر المنطقة A التي يسيطر عليها الفلسطينيون.

لكن السياق لم يتوقف هنا، بل تكاملت قرارات كابنيت الاحتلال الانتقامية نهاية حزيران/يونيو الماضي، حول إنفاذ الصلاحيات التخطيطية في المنطقة المصنفة ب، بعد سحبها من السلطة الفلسطينية. وبالنظر إلى القرار، فإنه يستهدف بالهدم كل المباني الفلسطينية التي وصفها الكابنيت بأنها بنيت بالقرب من المواقع الأثرية، بالإضافة إلى 3% من مجمل مساحة الضفة الغربية كانت تصنف على أنها محمية طبيعية، وفق ما أفرزته تفاهمات واي ريفر في العام 1996.

يقودنا هذا السياق إلى نتيجة واحدة، وهي أن دولة الاحتلال تستخدم الآثار من أجل التسلل بالاستيطان إلى الكثير من المواقع، وتحديدًا السيطرة عليها باعتبارها مواقع أثرية، ثم إصدار أوامر عسكرية تغلق المنطقة أمام الفلسطينيين، وصولاً إلى اعتبارها مواقع استيطانية، بحيث أصبح موضوع الآثار من العناوين والمنافذ الرئيسية لمواصلة عمليات الاستيطان كما يحدث في قرية سبسطية على سبيل المثال.

وبالنظر إلى الأغلبية اليمينية المتطرفة التي تشكل منها كنيست الاحتلال، فلا يظهر في الأفق أي مانع أمام اعتماد القانون الجديد وبالتالي رؤية طواقم الآثار الاحتلالية تتجول في كل المناطق الفلسطينية وتوزع أوامر الإخلاء والمنع من الدخول ووضع اليد على المواقع الأثرية، وبالتالي الكثير من الاستيلاءات بالضرورة على المواقع الأثرية بحجة أنها يهودية وليست فلسطينية، وبحجة أنها مهملة من قبل الفلسطينيين، أو بحجة أن فلسطينيين يقومون بالاعتداء عليها.